إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان

(33) هذا (بابُ) حكم (الْمَاءِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعَرُ الإِنْسَانِ) هل هو طاهرٌ أم لا؟ (وَكَانَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ فيما وصله محمَّد بن إسحاق الفاكهيُّ [1] في «أخبار مكَّة» بسندٍ صحيحٍ (لَا يَرَى بِهِ) أي: بالشَّعر (بَأْسًا) وفي رواية ابن عساكر: ((لا يرى بأسًا)) (أَنْ يُتَّخَذَ مِنْهَا) أي: من الشُّعور، وفي رواية ابن عساكر: ((منه)) أي: من الشَّعر (الْخُيُوطُ وَالْحِبَالُ) جمع خيطٍ وحبلٍ، ويُفرَّق بينهما بالرِّقَّة والغلظ (وَ) باب (سُؤْرِ الْكِلَابِ) بالهمز [2]، أي: بقيَّة ما في الإناء بعد شربها (وَمَمَرِّهَا فِي الْمَسْجِدِ) وفي روايةٍ هنا زيادة: ((وأكلها)) أي: حكم أكلها [3]، وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل، وظاهر صنيع المؤلِّف القول بالطَّهارة.
(وَقَالَ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ (الزُّهْرِيُّ) فيما رواه [4] الوليد بن مسلمٍ في «مُصنَّفه» عنِ الأوزاعيِّ وغيره عنه، ورواه ابن عبد البرِّ في «التَّمهيد» من طريقه بسندٍ صحيحٍ: (إِذَا وَلَغَ الكلب فِي إِنَاءٍ) فيه ماءٌ بأن أدخل لسانه فيه فحرَّكه فيه تحريكًا قليلًا أو كثيرًا، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((في الإناء)) أي: والحال أنَّه (لَيْسَ لَهُ) أي: لمريد الوضوء (وَضُوءٌ) بفتح الواو: ما يُتوَضَّأ به (غَيْرُهُ) أي: غير ما ولغ الكلب فيه، ويجوز في «غير»: النَّصب والرَّفع (يَتَوَضَّأُ بِهِ) أي: بالماء الباقي، وهو جواب الشَّرط في «إذا»، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((حتَّى يتوضَّأ بها)) [5] أي: بالبقيَّة، وفي أخرى: ((منه)).
(وَقَالَ سُفْيَانُ) الثَّوريُّ: (هَذَا) أي: الحكم بالتَّوضُّؤ به (الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ) أي: المُستفاد من القرآن (يَقُولُ اللهُ تَعَالَى) وفي رواية أبي الوقت: ((لقول الله تعالى)): ({فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] ) وفي رواية القابسيِّ عن أبي زيدٍ المروزيِّ: ((يقول الله: فإن لم تجدوا)) وهو مخالفٌ للتِّلاوة، والظَّاهر أنَّ الثَّوريَّ رواه بالمعنى، ولعلَّه كان يرى جواز ذلك، وقد تتبَّعتُ كثيرًا من القراءات فلم أرَ أحدًا قرأ بها، ووجه الدَّلالة من الآية أنَّ قوله تعالى: {مَاءً} نكرةٌ في سياق النَّفيِ فتعمُّ، ولا تُخَصُّ إلَّا بدليلٍ، كما قال (وَهَذَا) أي: المذكور (مَاءٌ) وفي رواية الأَصيليِّ: ((فهذا ماءٌ)) وتنجيسه بولوغ الكلب [6] فيه غير مُتَّفَقٍ عليه بين أهل العلم (وَفِي النَّفْسِ مِنْهُ شَيْءٌ) لعدم ظهور دلالته، أو لوجود معارضٍ له من القرآن أو غيره، وحينئذٍ (يَتَوَضَّأُ بِهِ) أي: بالماء المذكور، وفي روايةٍ: ((منه)) (وَيَتَيَمَّمُ) لأنَّ الماء الذي يُشَكَّ فيه _لأجل اختلاف العلماء رضي الله عنهم_ كالعدم [7]، فيحتاط للعبادة.
ج1ص254


[1] في (ص): «الفاكهانيُّ»، وليس بصحيحٍ.
[2] في (س): «بالهمزة».
[3] في (م): «أكل الكلاب».
[4] في (ص): «وصله».
[5] زيد في (م): «بالرَّفع».
[6] في (ص) و(م): «بولوغه».
[7] في (م): «كالمعدوم».