إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ ولا المسكر

(71) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ) بالمُعجَمَة؛ وهو الماء الذي يُنبَذ فيه نحو التَّمر لتخرج حلاوته إلى الماء، «فَعْيلٌ» بمعنى «مفعولٍ» أي: مطروحٌ (وَلَا الْمُسْكِرِ) عُطِفَ على
ج1ص308
السَّابق، وإنَّما أفرد «النَّبيذ» لأنَّه محلُّ الخلاف في التَّوضُّؤ، والمُراد بـ «النَّبيذ»: ما لم يبلغ إلى حدِّ الإسكار، ولابن عساكر وأبي الوقت: ((ولا بالمسكر)) [1] (وَكَرِهَهُ) أي: التَّوضُّؤ بالنَّبيذ (الْحَسَنُ) البصريُّ فيما رواه ابن أبي شيبة وعبد الرَّزَّاق من طريقين عنه قال: «لا يتوضَّأ بنبيذٍ». وروى أبو عُبيدٍ [2] من طريقٍ أخرى عنه: «أنَّه لا بأس به» وحينئذٍ فكراهته عنده للتَّنزيه (وَ) كذا كرهه (أَبُو الْعَالِيَةِ) رُفَيع بن مهران الرِّيَاحِيُّ؛ بكسر الرَّاء ثمَّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، فيما رواه الدَّارقُطنيُّ [3] وأبو داود في «سننه» بسندٍ جيِّدٍ عن أبي خلدة فقال: «قلت لأبي العالية: رجلٌ ليس عنده ماءٌ وعنده نبيذٌ أيغتسل به من الجنابة؟ قال: لا» وهو عند ابن أبي شيبة بلفظ: أنَّه كره أن يغتسل بالنَّبيذ.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) أي: ابن أبي رباحٍ: (التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ) بالمُعجَمَة (وَاللَّبَنِ) روى أبو داود من طريق ابن جريجٍ [4] عن عطاءٍ: «أنَّه كره الوضوء بالنَّبيذ واللَّبن، قال: إنَّ التَّيمُّم أعجب [5] إليَّ منه»، وجوَّز الأوزاعيُّ الوضوء بسائر الأنبذة، وأبو حنيفة بنبيذ التَّمر خاصَّةً خارج المصر والقرية عند فقد الماء، بشرط أن يكون حلوًا رقيقًا سائلًا على الأعضاء كالماء، وقال محمَّدٌ: يجمع بينه وبين التَّيمُّم، وقال أبو يوسف كالجمهور: لا يتوضَّأ به بحالٍ، وهو مذهب الشَّافعيِّ ومالكٍ وأحمد، وإليه رجع أبو حنيفة، كما قاله قاضي خان، لكن في «المفيد» من كتبهم: إذا أُلقِي في الماء تمراتٌ فَحَلا ولم يَزُل عنه اسم الماء جاز التَّوضُّؤ به بلا خلافٍ _يعني: عندهم_ واحتجُّوا بحديث ابن مسعودٍ: يعني: ليلة الجنِّ؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: «أمعك ماءٌ؟» فقال: نبيذٌ، فقال: «أصبت [6]، شرابٌ وطهورٌ [7] »، أو قال: «ثمرةٌ طيِّبةٌ وماءٌ طهورٌ» رواه أبو داود والتِّرمذيُّ، وزاد: «فتوضَّأ به»، وأُجيب بأنَّ علماء السَّلف أطبقوا على تضعيف هذا الحديث، ولئن سلَّمنا صحَّته فهو منسوخٌ لأنَّ ذلك كان بمكَّة، ونزول قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] كان بالمدينة بلا خلافٍ عند فقد عائشة رضي الله تعالى عنها العقد، وأُجيب: بأنَّ الطَّبرانيَّ في «الكبير» والدَّارقُطنيَّ رويا: أنَّ جبريل عليه السلام نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكَّة فهمز له بعقبه فأنبع الماء وعلَّمه الوضوء، وقال السُّهيليُّ: الوضوء مكِّيٌّ، ولكنَّه مدنيُّ التِّلاوة، وإنَّما قالت عائشة: «آية التَّيمُّم» ولم تقل: «آية الوضوء» لأنَّ الوضوء كان مفروضًا قبل، غير أنَّه لم يكن قرآنًا يُتلَى حتَّى أُنزِلت آية التَّيمُّم، وحكى عياضٌ عن أبي الجهم أنَّ الوضوء كان سُنَّةً حتَّى نزل القرآن بالمدينة. انتهى. أو هو محمولٌ على ما أُلقِيت فيه تمراتٌ يابسةٌ لم تغيِّر له وصفًا، وأمَّا اللَّبن الخالص فلا يجوز التَّوضُّؤ به إجماعًا، فإن خالط ماءً فيجوز عند الحنفيَّة.
ج1ص309


[1] قوله: «ولابن عساكر وأبي الوقت: ولا بالمسكر» سقط من (د).
[2] في (ب) و(س): «أبو عبيدة»، وهو خطأٌ.
[3] «الدَّارقطنيُّ و»: مثبتٌ من (م).
[4] في (ب) و(س): «جرير»، وهو خطأٌ.
[5] في (ب) و(م): «أحبُّ»، والمثبت من (س) و«سنن أبي داود» (86).
[6] في (د): «اصبب».
[7] في (د): «شرابًا طهورًا».