إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ما مِن أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله

128- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن رَاهُوْيَه (قَالَ: حَدَّثَنَا) وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((أخبرنا)) (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) أي: ابن أبي عبد الله الدَّستوائيُّ، المُتوفَّى بالبصرة سنة مئتين (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) هشامٌ (عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنَا [1] أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم وَمُعَاذٌ) أي: ابن جبلٍ (رَدِيفُهُ) أي: راكبٌ خلفَه (عَلَى الرَّحْلِ) بفتح الرَّاء وسكون الحاء المُهمَلَتين، وهو للبعير أصغر من القِتْب [2]، وعند المؤلِّف في «الجهاد»: «أنَّه كان على حمار» [خ¦2856] (قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ) بضمِّ «معاذُ» منادى مفردٌ عَلَمٌ، واختاره ابن مالكٍ لعدم احتياجه إلى تقديرٍ، ونصبه على أنَّه مع ما بعده كاسمٍ واحدٍ مُركَّبٍ، كأنَّه أُضِيف، وهذا اختاره ابن الحاجب، والمُنادَى المُضَاف منصوبٌ فقط (قَالَ) أي: معاذ (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (يَا مُعَاذُ، قَالَ) أي: معاذٌ (لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا) يعني: أنَّ نداءه عليه الصلاة والسلام لمعاذٍ وإجابة معاذٍ قِيلَ ثلاثًا (قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ) شهادةً (صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ) والجارُّ والمجرور الأوَّل _وهو «من قلبه»_ يتعلَّق [3] بقوله: «صدقًا»، أو بقوله: «يشهد»، فعلى الأوَّل الشَّهادة لفظيَّةٌ، أي: يشهد بلفظه ويصدِّق بقلبه، وعلى الثَّاني قلبيَّةٌ، أي: يشهد بقلبه ويصدِّق بلسانه [4]، واحتُرِز به عن شهادة المنافقين، فإن قلت: إنَّ ظاهر هذا يقتضي عدم دخول
ج1ص220
جميع من شهد الشَّهادتين النَّار لِمَا فيه من التَّعميم والتَّأكيد، وهو مُصادِمٌ للأدلَّة القطعيَّة الدَّالَّة على دخول طائفةٍ من عُصَاة الموحِّدين النَّارَ، ثمَّ يخرجون بالشَّفاعة، أُجِيب: بأنَّ هذا مُقيَّدٌ بمن يأتي بالشَّهادتين تائبًا، ثمَّ يموت على ذلك، أو أنَّ المُرَاد بالتَّحريم هنا: تحريم الخلود، لا أصل الدُّخول، أو أنَّه خرج مخرج الغالب إذِ الغالب أنَّ الموحِّدَ يعمل بالطَّاعات ويجتنب المعاصي، أو من قال ذلك مؤدِّيًا حقَّه وفرضه، أوِ المُرَاد: تحريم النَّار على اللِّسان النَّاطق بالشَّهادتين [5] كتحريم مواضع السُّجود.
(قَالَ) معاذٌ: (يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلَا) بهمزة الاستفهام، وفاء العطف المحذوف معطوفها، والتَّقدير: أقلت ذلك فلا [6] (أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟) نُصِبَ بحذف النُّون، والتَّقدير: فأن يستبشروا، قال الدَّمامينيُّ: على القاعدة في نصب المضارع المقترن بالفاء في جواب العرض [7]، ولأبي ذَرٍّ: ((فيستبشرون)) بالنُّون، أي: فهم يستبشرون (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (إِذًا) أي: إن أخبرتهم (يَتَّكِلُوا) بتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، أي: يعتمدوا على الشَّهادة المُجرَّدة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((يَنْكُلوا)) بنونٍ ساكنةٍ وضمِّ الكاف، مِنَ النُّكول وهو الامتناع، أي: يمتنعوا عن العمل اعتمادًا على مُجرَّد التَّلفُّظ بالشَّهادتين (وَأَخْبَرَ) وفي روايةٍ: ((أخبر)) بغير واوٍ (بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ) أي: موت معاذٍ (تَأَثُّمًا) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والهمزة وتشديد المُثلَّثة، نُصِبَ على أنَّه مفعولٌ له، أي: تجنُّبًا عن الإثم إن كتم ما أمر الله بتبليغه [8] حيث قال: {وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187] فإن قلت: سلَّمنا أنَّه تأثَّم من الكتمان، فكيف لا يتأثَّم من مخالفة الرَّسول عليه الصلاة والسلام في التَّبشير؟ أُجِيب: بأنَّ النَّهيَ كان مُقيَّدًا بالاتِّكال، فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك أو أنَّ المُرَاد بالتَّحريم تحريمُ الخلود، لا أصل الدُّخول فيها [9] أو أنَّ النَّهيَ إنَّما كان للتَّنزيه لا للتَّحريم، وإِلَّا لَمَا كان يخبر به أصلًا، وقد روى البزَّار من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ في هذه القصَّة: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أَذِنَ لمعاذٍ في التَّبشير، فَلَقِيَهُ عمرُ رضي الله عنه، فقال: لا تعجلْ، ثمَّ دخل فقال: يا نبيَّ الله، أنت أفضل رأيًا، إنَّ النَّاس إذا سمعوا ذلك اتَّكلوا عليها، قال: فَرَدَّه [10]، وقد تضمَّن هذا الحديث أنْ يُخصَّ بالعلم قومٌ فيهمُ الضَّبطُ وصحَّةُ الفهم، ولا يُبذَل المعنى اللَّطيف لمن لا يستأهله [11]، ومن يخاف عليه التَّرخيص والاتِّكال لتقصير فهمه، وهو مطابقٌ لما ترجم له المؤلِّف.
ج1ص221


[1] في (د): «حدَّثني».
[2] في (س): «القنب».
[3] في (ص) و(م): «متعلِّقٌ».
[4] في (ص): «بلفظه».
[5] «بالشهادتين»: سقط من (ب) و(م)، وفي (د) و(ص): «بالتحريم».
[6] في (ص): «أفلا».
[7] قوله: «قال الدَّمامينيُّ: على القاعدة... في جواب العرض» سقط من (د) و(س).
[8] في غير (ص) و(م): «تبليغه».
[9] قوله: «أو أنَّ المُرَاد بالتَّحريم ... الدُّخول فيها» سقط من (س).
[10] «فردَّه»: سقط من (م).
[11] في (ص): «يتأهله».