إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج حج مبرور

1861- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بالسِّين المهملة وتشديد الدَّال المهملة الأولى الأسديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) بن زيادٍ العبديُّ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) بفتح العين وسكون الميم القصَّاب الحِمَّانيُّ [1] _بكسر المهملة_ الكوفيُّ (قَالَ: حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله التَّيميَّة [2]، وكانت فائقة الجمال (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا نَغْزُوا) أي: نقصد الجهاد (وَنُجَاهِدُ) نبذل المقدور في القتال [3] (مَعَكُمْ؟) أو: الغزو والجهاد مترادفان، فيكون ذكر الجهاد بعد الغزو للتَّأكيد كذا في الفرع، وفي [4] غيره: ((نغزو أو نجاهد)) بـ «أو» بدل الواو [5]، وعليه شرح البرماويِّ كالكرماني وغيره، وقال الحافظ ابن حجرٍ: هذا شكٌّ من الرَّاوي، وهو مُسدَّدٌ شيخ البخاريِّ، وقد رواه أبو كاملٍ عن أبي عَوانة شيخ مُسدَّدٍ بلفظ: «ألا نغزو معكم» أخرجه الإسماعيليُّ، وأغرب الكرمانيُّ فقال: ليس الغزو والجهاد بمعنًى واحدٍ؛ فإنَّ الغزو: القصد إلى القتال [6]، والجهاد: بذل النَّفس [7] في القتال، قال: أو ذكر الثَّاني تأكيدًا للأوَّل. انتهى. وكأنَّه ظنَّ أنَّ الألف تتعلَّق بـ «نغزو» فشرح على [8] أنَّ الجهاد معطوفٌ على الغزو بالواو، أو جعل «أو» بمعنى: الواو. انتهى. فليُتأمَّل، فإنَّ الذي وجدته في ثلاثة أصولٍ معتمدةٍ: ((ألا نغزوا ونجاهد)) بألفٍ واحدةٍ بين الواوين، وهي ألف الجمع، والواو التَّالية لها واو الجمع بلا ريبٍ، فالكرمانيُّ اعتمد على الأصل المعتمد، وقد قال في «القاموس»: الجِهاد بالكسر: القتال مع العدوِّ، ثمَّ قال: غَزَاه غَزْوًا: أراده وطلبه وقصده كاغْتَزاه، والعَدُوَّ: سار إلى قتالهم وانتهابهم، ففرَّق بين الجهاد والغزو كما فرَّق الكرمانيُّ، وبالجملة: فيحتمل أن يكون فيها روايتان [9]: واو العطف أو: «أو» للشَّكِّ، والعلم عند الله تعالى (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (لَكُنَّ أَحْسَنُ الْجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ الْحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ) بضمِّ الكاف وتشديد النُّون بلام الجرِّ الدَّاخلة على ضمير المخاطبات، وهو ظرفٌ مستقرٌّ، خبر «أحسنُ»، و«أجملُه» عُطِف عليه، و«الحجُّ» بدلٌ من «أحسنُ»، و«حجٌّ مبرورٌ»: خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هو حجٌّ مبرورٌ، أو بدلٌ من البدل، ويجوز: «لَكِنَّ» بفتح اللَّام [10] وكسر الكاف مع زيادة ألفٍ قبل الكاف [11] وتشديد النُّون للاستدراك، و«أحسنَ»: نُصِب بها، وهذا في الفرع كأصله [12]، وعزاه صاحب «الفتح» في «باب فضل الحجِّ المبرور» للحَمُّويي، وقال التَّيميُّ: «لكن» بتخفيف النُّون وسكونها، و«أحسنُ»: مبتدأٌ، و«الحجُّ»: خبرُه (فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَا أَدَعُ الْحَجَّ) أي: لا أتركه (بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا) الفضل (مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
وهذا الحديث سبق في «باب [13] فضل الحجِّ المبرور» [خ¦1520] في أوائل «كتاب الحجِّ».
ج3ص324


[1] في هامش (ص): (قوله: «الحِمَّانيُّ»: بكسر الحاء وتشديد الميم وفي آخرها نونٌ بعد الألف؛ نسبةً إلى بني حِمَّان؛ قبيلةٌ نزلت الكوفة). انتهى. «ترتيب».
[2] في (د): «التَّميميَّة»، وهو تحريفٌ.
[3] في (د): «الجهاد».
[4] (في): مثبتٌ من (ب) و(س).
[5] في غير (ب) و(س): «نجاهد؛ بالواو»، ولعلَّ المثبت هم الصواب.
[6] في غير (ص) و(م): «للقتال».
[7] في هامش (ص): (قوله: «بذل النَّفس»، عبارة الكرمانيِّ: بذل المقدور في القتال). انتهى.
[8] في (م): «فصرَّح»، وليس فيها وفي (د): «على».
[9] في هامش (ص): (قوله: «روايتين» كذا بخطِّه، وصوابه: روايتان؛ بالألف؛ لأنَّه اسم «يكون»). انتهى.
[10] «بفتح اللَّام»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[11] في (ص) و(م): «بكسر اللَّام مع زيادة ألفٍ بعدها»، وفي هامش (ص): (قوله: «بكسر اللَّام» كذا بخطِّه، وصوابه: بكسر الكاف كما يظهر، وكذا قوله: «مع زيادة» صوابه أيضًا: «قبلها» أي: قبل الكاف). انتهى.
[12] «كأصله»: ليس في (م).
[13] «باب»: مثبتٌ من (ب) و(س).