إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: جاءت امرأة من خثعم

1853- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) [1] الضَّحَّاك بن مخلدٍ (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ) بالسِّين المهملة المُخفَّفة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبدِ الله (عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ) أخيه، وكان أكبر ولد أبيه (رَضِيَ اللهُ عَنْهُم: أَنَّ امْرَأَةً) كذا رواه ابن جريجٍ، وتابعه معمرٌ، وخالفهما مالكٌ، وأكثر الرُّواة عن الزُّهريِّ فلم يقولوا فيه: عن الفضل، وروى ابن ماجه من طريق محمَّد بن كريبٍ عن أبيه عن ابن عبَّاسٍ: أخبرني حصين بن عوفٍ [2] الخثعميُّ، قال التِّرمذيُّ: سألت محمَّدًا _يعني: البخاريَّ_ عن هذا فقال: أصحُّ شيءٍ فيه: ما روى
ج3ص320
ابن عبَّاسٍ عن الفضل، قال: فيحتمل أن يكون ابن عبَّاسٍ سمعه من الفضل ومن غيره، ثمَّ رواه بغير واسطةٍ. انتهى. وإنَّما رجَّح البخاريُّ الرِّواية عن الفضل لأنَّه كان رِدْفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذٍ، وكان ابن عبَّاسٍ قد تقدَّم [3] من المزدلفة [4] إلى منًى مع الضَّعفة، فكأنَّ الفضل حدَّث أخاه بما شاهد في تلك الحالة، ولم يَسُقِ المؤلِّف لفظ رواية ابن جريجٍ على عادته، وبقيتَّها: أنَّ امرأةً جاءت إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالت: إنَّ أبي أدركه الحجُّ، وهو شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع أن يركب البعير، أفأحجُّ عنه؟ قال: «حجِّي عنه» أخرجه أبو مسلمٍ الكجِّيُّ عن أبي عاصمٍ شيخ المؤلِّف فيه [5].
ثمَّ انتقل المؤلِّف إلى إسناد عبد العزيز بن أبي سلمة، وساق الحديث على لفظه، فقال: (ح): لتحويل السَّند:
1854- (حَدَّثَنَا) ولأبي الوقت: ((وحدَّثنا)) بواو العطف (مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ابْنُ أَبِي سَلَمَةَ) الماجِشُون؛ بكسر الجيم وبعدها شينٌ معجمةٌ مضمومةٌ، ونسبه لجدِّه، واسم أبيه: عبد الله المدنيُّ نزيل بغداد، قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهريُّ (عَنْ سُلَيْمَانَ ابْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) وقع عند التِّرمذيِّ وأحمد وابنه عبد الله من حديث عليٍّ ما يدلُّ على أنَّ السُّؤال وقع عند المنحر بعد الفراغ من الرَّمي، وأنَّ العبَّاس كان حاضرًا، فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله أيضًا كان معه، فحمله تارةً عن أخيه الفضل، وتارةً شاهده (قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) لم تُسَمَّ (مِنْ خَثْعَمَ) بفتح الخاء المعجمة وسكون المُثلَّثة وفتح العين المهملة غير مصروفٍ؛ للعلميَّة والتَّأنيث باعتبار القبيلة لا العلميَّة والوزن، وهي قبيلةٌ مشهورةٌ (عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ) وفي «الاستئذان» [خ¦6228] من رواية شعيبٍ [6]: «يوم النَّحر» (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي) لم يُسَمَّ أيضًا [7] (شَيْخًا كَبِيرًا) نُصِب على الاختصاص، وقال الطِّيبيُّ: حالٌ، قال العينيُّ [8]: وفيه نظرٌ (لَا) ولأبي الوقت: ((ما)) (يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ) يجوز أن يكون حالًا، وأن يكون صفةً (فَهَلْ يَقْضِي) بفتح أوَّله وكسر ثالثه، أي: يجزي أو يكفي (عَنْهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (نَعَمْ) يقضي عنه، وهذا موضع التَّرجمة، ثم إنَّ الاستطاعة المُتوقِّف عليها الوجوب تكون تارةً [9] بالنَّفس، وتارةً بالغير، فالأولى تتعلَّق بخمسة أمورٍ: الأوَّل والثَّاني: الزَّاد والرَّاحلة لتفسير «السَّبيل» في الآية بهما في حديث الحاكم، وقال: صحيحٌ على شرطهما، والثَّالث: الطَّريق، فيُشترَط الأمن فيه ولو ظنًّا، والرَّابع: البدن، فيُشترَط أن يثبت على المركوب ولو في محملٍ أو كسفينةٍ [10] بلا مشقَّةٍ شديدةٍ، فلو لم يثبت عليه أصلًا، أو ثبت عليه في محملٍ أو كسفينةٍ بمشقَّةٍ شديدةٍ _لمرضٍ أو غيره_ لم يجب عليه النُّسك بنفسه لعدم استطاعته، بخلاف من انتفت عنه المشقَّة فيما ذكر فيجب عليه النُّسك [11]، وأمَّا الاستطاعة بالغير فالعاجز عن الحجِّ أو العمرة ولو قضاءً أو نذرًا يكون بالموت تارةً، وعن الرُّكوب إلَّا بمشقَّةٍ شديدةٍ [12] لكبرٍ أو زمانةٍ أخرى، فإنَّه يُحَجُّ عنه لأنَّه مستطيعٌ بغيره، لأنَّ الاستطاعة كما تكون بالنَّفس تكون ببذل المال [13]، وقال المالكيَّة: وإن استناب العاجز في الفرض أو الصَّحيح في النَّفل كُرِه له ذلك، قال سندٌ: والمذهب: كراهتها للصَّحيح في التَّطوُّع، وإن وقع صحَّت الإجارة، واختُلِف في العاجز: هل تجوز استنابته _وهو مرويٌّ عن مالكٍ_ أو تُكرَه _وهو المشهور_؟ أو يُفرَّق بين الولد فيجوز منه، وبين غيره فلا يجوز، وهو قول ابن وهبٍ وأبي مصعبٍ.
ج3ص321


[1] زيد في (ص): «بن»، وليس بصحيحٍ.
[2] زيد في غير (د): «عن»، وليس بصحيحٍ.
[3] في (م): «قدم»، والمثبت موافقٌ لما في «الفتح» (4/80).
[4] في (ص) و(م): «مزدلفة».
[5] «فيه»: ليس في (ص).
[6] في النُّسخ: «شعبة»، ولعلَّه وهمٌ.
[7] «أيضًا»: ليس في (د).
[8] في (م): «الشَّعبيُّ»، وهو تحريفٌ.
[9] في (د): «تارةً تكون».
[10] في (ص) و(م): «كنيسة»، وكذا في الموضع الَّلاحق، ولعلَّه تحريف.
[11] في هامش (ص): (وبقي شرطٌ خامسٌ: وهو أن يبقى بعد وجود الاستطاعة ما يمكنه السَّير فيه لأداء النُّسك على العادة؛ بحيث لا يحتاج لقطع أكثر من مرحلةٍ شرعيَّةٍ ولو في يومٍ واحدٍ، أو ليلةٍ واحدةٍ وإن اعتيد؛ كما شمله كلامهم، فإن انتفى ذلك لم يجب الحجُّ أصلًا). انتهى . ابن حجرٍ.
[12] «شديدةٍ»: ليس في (د).
[13] في (د): «تكون بالمال».