إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة

66- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمامُ الأئمَّة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريِّ البخاريِّ، ابن أخي أنسٍ لأمِّه، التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وثلاثين ومئةٍ (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ) بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، اسمه: يزيدُ (مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) بفتح العين (أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ) بالقاف المكسورة والدَّال المُهمَلَة، اسمه الحارث بن مالكٍ، أو ابن عوفٍ الصَّحابيِّ (اللَّيْثِيِّ) بالمُثلَّثة البدريِّ في قول بعضهم، المُتوفَّى بمكَّة [1] سنة ثمانٍ وستِّين، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا الحديث، وقد صرَّح أبو مُرَّة في رواية النَّسائيِّ من طريق [2] يحيى بن أبي كثيرٍ عن إسحاق، فقال: عن أبي مرَّة أنَّ أبا واقدٍ حدَّثه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم بَيْنَمَا) بزيادة الميم (هُوَ) مبتدأٌ، خبره
ج1ص164
(جَالِسٌ) حال كونه (فِي الْمَسْجِدِ) المدنيِّ (وَالنَّاسُ مَعَهُ) جملةٌ حاليَّةٌ (إِذْ أَقْبَلَ) جوابُ «بينما» (ثَلَاثَةُ نَفَرٍ) بالتَّحريك، ولم يُسَمَّ [3] واحدٌ من الثَّلاثة، أي: ثلاثة رجالٍ من الطَّريق، «فدخلوا المسجد» كما في حديث أنسٍ: فإذا ثلاثة نفرٍ مارِّين (فَأَقْبَلَ اثْنَانِ) منهم (إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى) مجلس (رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) و«على» هنا بمعنى: عند، قاله في «الفتح»، وتعقَّبه صاحب «عمدة القاري» بأنَّه لم تَجِئْ بمعناها، وزاد التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأكثر رواة «المُوطَّأ»: فلمَّا وقفا سلَّما (فَأَمَّا) بفتح الهمزة وتشديد الميم تفصيليَّةٌ (أَحَدُهُمَا) بالرَّفع مبتدأٌ، خبره: (فَرَأَى فُرْجَةً) بضمِّ الفاء (فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا) وأتى بالفاء في قوله: «فرأى» لتضمُّن «أمَّا» معنى الشَّرط، ولابن عساكر: ((فَرْجةً)) بفتح الفاء، وهي والضَّمُّ لغتان؛ وهي: الخلل بين الشَّيئين، قاله النَّوويُّ فيما نقله في «عمدة القاري» (وَأَمَّا الآخَرُ) بفتح الخاء، أي: الثَّاني (فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ) حال كونه (ذَاهِبًا) أي: أدبر مُستمِرًّا في ذهابه ولم يرجع، وإلَّا «فأدبر» بمعنى: مرَّ ذاهبًا (فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) ممَّا كان مشتغلًا به من تعليم القرآن، أوِ [4] العلم، أوِ الذِّكر، أوِ الخطبة، أو نحو ذلك (قَالَ: أَلَا) بالتَّخفيف؛ حرفُ تنبيهٍ، والهمزة يحتمل أن تكون للاستفهام، و«لا» للنَّفي (أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ) فقالوا: أَخْبِرْنا عنهم يا رسول الله؛ فقال: (أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى) بقصر الهمزة، أي: لجأ (إِلَى اللهِ) تعالى، أوِ انضمَّ إلى مجلس الرَّسول صلى الله عليه وسلم (فَآوَاهُ الله) إليه؛ بالمدِّ، أي: جازاه بنظير فعله بأن ضمَّه إلى رحمته ورضوانه، أو يؤويه يوم القيامة إلى ظلِّ عرشه، فنسبة الإيواء إلى الله تعالى مجازٌ لاستحالته في حقِّه تعالى، فالمُرَاد لازِمه [5]؛ وهو إرادة إيصال الخير، ويُسمَّى هذا المجازُ مجازَ المُشاكَلَة والمُقابَلَة (وَأَمَّا الآخَرُ) بفتح الخاء (فَاسْتَحْيَا) أي: ترك المُزاحَمَة حياءً من الرَسول صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه، وعند الحاكم: «ومضى الثَّاني قليلًا، ثمَّ جاء، فجلس» قال في «الفتح»: فالمعنى أنَّه استحيا من الذَّهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثَّالث (فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ) بأن رَحِمَه ولم يعاقبه، فجازاه بمثل ما فعل، وهذا أيضًا من قبيل المُشاكَلَة؛ لأنَّ الحياء تغيُّرٌ وانكسارٌ يعتري الإنسان من خوف ما يُذَمُّ به، وهذا مُحال على الله تعالى، فيكون مَجازًا عن ترك العقاب، وحينئذٍ فهو من قَبِيل ذكر الملزوم وإرادة اللَّازم (وَأَمَّا الآخَرُ) وهو الثالث (فَأَعْرَضَ) عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلتفت إليه، بل ولَّى مُدْبِرًا (فَأَعْرَضَ الله) تعالى (عَنْهُ) أي: جازاه بأنْ سخط عليه، وهذا أيضًا من باب [6] المُشاكَلَة؛ لأنَّ الإعراض هو الالتفات إلى جهةٍ أخرى، وذلك لا يليق بالباري تعالى، فيكون مجازًا عن السُّخط والغضب، ويحتمل أنَّ هذا كان منافقًا، فَأَطْلَعَ اللهُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم على أمره [7].
ورواة هذا الحديث مدنيُّون، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد، والعنعنة والإخبار، وتابعيٌّ عن مثله، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦474]، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ في «الاستئذان»، والنَّسائيُّ في «العلم».
ج1ص165


[1] «بمكَّة»: سقط من (ص).
[2] في (ص): «رواية».
[3] في (م): «يسلم».
[4] «القرآن أو»: سقط من (ص) و(م).
[5] في غير (ب) و(س): «لوازمها».
[6] في (ب) و(س): «قبيل».
[7] قوله: «ويحتمل أنَّ هذا كان منافقًا، فَأَطْلَعَ اللهُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم على أمره» سقط من (ص) و(م).