إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي

63- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: ((أخبرنا)) [1] (اللَّيْثُ) بن سعدٍ عالم مصر (عَنْ سَعِيدٍ) بن أبي سعيدٍ بكسر العين فيهما (هُوَ الْمَقْبُرِيُّ) بضم المُوحَّدة، ولفظ: «هو» ساقطٌ في رواية أبي ذَرٍّ (عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ) بفتح النُّون وكسر الميم، القرشيِّ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ ومئةٍ (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه، أي: كلامه حال كونه (يَقُولُ: بَيْنَمَا) بالميم، وفي نسخةٍ: ((بَيْنَا)) بغير ميمٍ (نَحْنُ) مبتدأٌ، خبره: (جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم فِي الْمَسْجِدِ) النَّبويِّ (دَخَلَ رَجُلٌ) جواب «بينما»، وللأَصيليِّ: ((إذ دخل)) لكنَّ الأصمعيَّ لا يستفصح «إذ» و«إذا» في جواب «بينا» و«بينما» (عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي) رحبة (الْمَسْجِدِ) أو ساحته (ثُمَّ عَقَلَهُ) بتخفيف القاف، أي: شدَّ على ساقه مع ذراعه حبلًا بعد أن ثنى ركبته، وفي رواية أبي نعيمٍ: أقبل على بعيرٍ له حتَّى أتى المسجد، فأناخه ثمَّ عقله، فدخل المسجد، وفي رواية أحمد والحاكم عن ابن عبَّاسٍ: فأناخ بعيره على باب المسجد فعقله، ثمَّ دخل، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يدخل به المسجد، وهو يرفع احتمال دلالة ذلك على طهارة أبوال الإبل (ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ) استفهامٌ مرفوع على الابتداء، خبره: (مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم مُتَّكِئٌ) بالهمزة [2]؛ مستوٍ على وطاءٍ، والجملة اسميَّةٌ وقعت حالًا (بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ) بفتح الظَّاء المُعجَمَة والنُّون، أي: بينهم، وزيد لفظ «الظَّهر» ليدلَّ على أن ظهرًا منهم قدَّامه، وظهرًا من وراءه، فهو محفوفٌ بهم من جانبيه، والألف والنُّون فيه؛ للتَّأكيد قاله صاحب «الفائق»، وقال في «المصابيح»: ثمَّ زيدت الألف والنُّون على «ظهرٍ» [3] عند التَّثنية للتَّأكيد ثمَّ كَثُرَ حتَّى استُعمِل في الإقامة بين القوم مُطلَقًا. انتهى. فهو ممَّا أُرِيدَ بلفظ التَّثنية فيه معنى الجمع، لكنِ استشكل البدر الدَّمامينيُّ ثبوت النُّون مع الإضافة، وأُجِيب بأنَّه مُلحَقٌ بالمُثنَّى، لا أنَّه مُثنَّى [4]، وحُذِفت منه نون التَّثنية، فصار «ظهرانيهم» (فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ) والمُرَاد بـ «البياض» هنا: المُشرَب بحُمْرَةٍ؛ كما دلَّ عليه رواية الحارث بن [5] عميرٍ حيث قال: الأمغر؛ وهو مُفسَّرٌ بالحُمْرة مع بياضٍ صافٍ، ولا تنافيَ بين وصفه هنا بالبياض وبين ما ورد أنَّه ليس بأبيضَ ولا آدمَ؛ لأنَّ المنفيَّ البياضُ الخالص كلون الجصِّ، وفي كتابي «المنح» من مباحث ذلك ما يكفي ويشفي، ويأتي _إن شاء الله تعالى_ بعون الله نكتٌ من ذلك في «الصِّفة النَّبويَّة» من هذا المجموع [خ¦3544] (فَقَالَ لَهُ) صلى الله عليه وسلم (الرَّجُلُ) الدَّاخل: (اِبْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) بكسر الهمزة وفتح النُّون كما في فرع «اليونينيَّة»، والذي رأيته في «اليونينيَّة»: بهمزة وصلٍ [6]، وقال الزَّركشيُّ والبرماويُّ: بفتح الهمزة للنِّداء، ونصب النُّون لأنَّه مضافٌ، وزاد الزَّركشيُّ: لا على الخبر، ولا على سبيل الاستفهام؛ بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «قد أجبتك»، قال: وفي رواية أبي داودَ: «يا بْن عبد المُطَّلِب»، وتعقَّبه في «المصابيح»: بأنَّه لا دليلَ في شيءٍ ممَّا ذكره على تعيين فتح الهمزة، لكنْ إن ثبتت الرِّواية بالفتح فلا كلامَ، وإلَّا فلا مانع من أن تكون همزة الوصل التي في «ابن» سقطت
ج1ص160
للدَّرج، وحرف النِّداء محذوفٌ، وهو في مثله قياسٌ مُطَّرِدٌ بلا خلافٍ. انتهى. وللكُشْمِيهَنِيِّ: ((يا بْن عبد المُطَّلِب)) بإثبات حرف النِّداء (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: قَدْ أَجَبْتُكَ) أي: سمعتك، أو المُرَاد إنشاء الإجابة، أو نزل تقريره للصَّحابة في الإعلام عنه منزلة النُّطق، ولم يجبه عليه الصلاة والسلام بـ «نعم» [7] لأنَّه أَخَلَّ بما يجب من رعاية التَّعظيم والأدب؛ حيث قال: «أيُّكُمْ محمَّدٌ؟» ونحو ذلك (فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم): وسقط قوله «الرَّجل» إلى آخر التَّصلية عند ابن عساكر، وسقط لفظ «الرَّجل» فقط لأبي الوقت (إِنِّي سَائِلُكَ) وفي رواية ابن عساكر أيضًا والأَصيليِّ: ((فقال الرَّجل: إنِّي سائلك)) (فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ) بكسر الدَّال الأولى المُثقَّلة، و«الفاء» عاطفةٌ على «سائلُك» (فَلَا تَجِدْ) بكسرٍ الجيم والجزم على النَّهيِ، وهو مِنَ الموجدة، أي: لا تغضب (عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم له: (سَلْ عَمَّا [8] بَدَا) أي: ظهر (لَكَ، فَقَالَ) الرَّجل: (أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ) أي: بحقِّ ربِّك (وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ: آلله) بهمزة الاستفهام الممدودة، والرَّفعُ على الابتداء، والخبر قوله: (أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم، وفي روايةٍ: ((قال)): (اللهمَّ) أي: يا الله (نَعَمْ) فالميم بدلٌ من حرف النِّداء، وذكر ذلك للتَّبرُّك، وإلَّا فالجواب قد حصل بـ «نعم»، أو استشهد في ذلك بالله تأكيدًا لصدقه (قَالَ) وفي رواية ابن عساكر [9]: ((فقال الرَّجل)): (أَنْشُدُكَ) بفتح الهمزة وسكون النُّون وضمِّ الشِّين المُعجَمَة، أي: أسألك (بِاللهِ) والباء للقسم (آللهُ أَمَرَكَ) بالمدِّ (أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ؟) بنون الجمع للأَصيليِّ، واقتصر عليه في فرع «اليونينيَّة»، ولغيره: ((تصلِّي)) بتاء الخطاب، وكلُّ ما وجب عليه وجب على أمَّته حتَّى يقوم دليلٌ على الخصوصيَّة، وللكُشْمِيهَنِيِّ والسَّرخسيِّ: ((الصَّلاة)) بالإفراد، أي: جنس الصَّلاة (فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (اللهمَّ نَعَمْ، قَالَ) الرَّجل: (أَنْشُدُكَ بِاللهِ، آلله) بالمدِّ (أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ) بتاء الخطاب، وللأَصيليِّ: ((أن نصوم)) بالنُّون، كذا في الفرع، والذي في «اليونينيَّة»: ((نصوم)) بالنُّون فقط، غير مُكرَّرةٍ [10] (هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟) أي: رمضان من [11] كلِّ سنةٍ فاللَّام فيهما للعهد، والإشارة لنوعه لا لعينه (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (اللهمَّ نَعَمْ. قَالَ) الرَّجل: (أَنْشُدُكَ بِاللهِ، آلله) بالمدِّ (أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ) بتاء المُخاطَب، أي: بأن تأخذ (هَذِهِ الصَّدَقَةَ) المعهودة؛ وهي الزَّكاة (مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا) بتاء المُخاطَب المفتوحة والنَّصب عطفًا على «أن تأخذ» (عَلَى فُقَرَائِنَا؟) من تغليب الاسم للكلِّ بمُقابَلَة الأغنياء؛ إذ خرج مخرج الأغلب لأنَّهم مُعظَم الأصناف الثَّمانية (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: اللهمَّ نَعَمْ) ولم يتعرَّض للحجِّ، فقال في «مصابيح الجامع» _كالكرمانيِّ، والزَّركشيِّ وغيرهما [12] _: لأنَّه كان معلومًا عندهم في شريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وكأنَّهم لم يطَّلعوا على ما في «صحيح مسلمٍ» فقد وقع فيه ذكر «الحجِّ» ثابتًا عن أنسٍ، وكذا في حديث أبي هريرة وابن عبَّاسٍ عنده، وقِيلَ: إنَّما لم يذكره لأنَّه لم يكن فُرِضَ، وهذا بناءٌ على قول الواقديِّ وابن حبيبٍ: إنَّ قدوم [13] ضمامٍ كان سنة خمسٍ، وهو مردودٌ بما في «مسلمٍ» أنَّ قدومه كان بعد نزول النَّهيِ عن السُّؤال في القرآن، وهي [14] في «المائدة»، ونزولها متأخِّرٌ جدًّا، وبما قد عُلِمَ أنَّ إرسال الرُّسل إلى الدُّعاء إلى الإسلام إنَّما كان ابتداؤه بعد الحديبية، ومُعظَمه بعد فتح مكَّة، وبما في حديث ابن عبَّاسٍ: أنَّ قومه أطاعوه، ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولم يدخل بنو سعدٍ _وهو ابن بكر بن هوازن_ في الإسلام إلَّا بعد وقعة خيبر، وكانت في شوَّال سنة ثمانٍ، والصَّواب: أنَّ قدوم ضمامٍ كان في سنة تسعٍ، وبه جزم ابن إسحاق وأبو عبيدة وغيرهما (فَقَالَ الرَّجُلُ) المذكور لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (آمَنْتُ) قبلُ [15] (بِمَا) أي: بالذي (جِئْتَ بِهِ) من الوحيِ، وهذا يحتمل أن يكون إخبارًا، وإليه ذهب المؤلِّف، ورجَّحه القاضي عياضٌ، وأنَّه حضر بعد إسلامه مستثبتًا من الرَّسول عليه الصلاة والسلام ما أخبره به رسوله إليهم؛ لأنَّه قال في حديث ثابتٍ عن أنسٍ عند مسلمٍ وغيره: فإنَّ رسولك زعم، وقال في رواية كُريبٍ عن ابن عبَّاسٍ عند الطَّبرانيِّ: أتتنا كتبك وأتتنا رسلك (وَأَنَا رَسُولُ): مبتدأٌ وخبرٌ مضافٌ إلى [16] (مَنْ) بفتح الميم (وَرَائِي مِنْ) بكسرها (قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ)
ج1ص161
بالمُثلَّثة المفتوحة والمُهمَلَة والمُوحَّدة (أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ) بفتح المُوحَّدة، أي: ابن هوازن، وما وقع من السُّؤال والاستفهام على الوجه المذكور فَمِن بقايا جفاء الأعراب الذين وَسِعَهم حلمُه عليه الصلاة والسلام، وليس في رواية الأَصيليِّ: «وأنا ضِمَامُ...» إلى قوله [17]: «بكرٍ».
(رَوَاهُ) أي: الحديث السَّابق، وفي رواية ابن عساكر: ((ورواه)) (مُوسَى) أي: ابن إسماعيل، كما في رواية ابن عساكر، وهو أبو سلمة [18] المِنْقَرِيُّ (وَ) رواه أيضًا (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ) بن مصعبٍ المَعْنِيُّ؛ بفتح الميم، وسكون العين المُهمَلَة، وكسر النُّون؛ بعدها ياءٌ؛ نسبةً إلى مَعْنِ بن مالكٍ، المُتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين، كلاهما (عَنْ سُلَيْمَانَ) زاد في رواية أبي ذَرٍّ: ((ابن المغيرة)) كما في الفرع كأصله، المُتوفَّى سنة خمسين ومئةٍ، وللأَصيليِّ: ((أخبرنا عن [19] سليمان)) (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ؛ بضمِّ الموحَّدة وبالنُّونين؛ نسبةً إلى بُنَانة بطنٌ من قريشٍ، أو اسم أمِّه: بُنانةُ، واسم أبيه: أَسْلَمُ، العابد البصريُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وعشرين ومئةٍ (عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم بِهَذَا) أي: بمعناه، وسقط لفظ «بهذا» من رواية أبي الوقت وابن عساكر، وفي روايةٍ: ((مثله)) وحديث موسى بن إسماعيل موصولٌ في «صحيح أبي عوانة»، وحديث عليِّ بن عبد الحميد موصولٌ عند التِّرمذيِّ، وأخرجه عن المؤلِّف.
ولمَّا فرغ المؤلِّف من عرض القراءة شَرَعَ يذكر المُنَاوَلَة، فقال:
ج1ص162


[1] «ولابن عساكر: أخبرنا»: مثبتٌ من (م).
[2] في (س): «بالهمز».
[3] «على ظهرٍ»: سقط من (ص).
[4] في (م): «لأنَّه ثُنِّي».
[5] زيد في (ب) و(س): «أبي»، وليس بصحيحٍ.
[6] قوله: «والذي رأيته في اليونينيَّة: بهمزة وصلٍ» سقط من (ص).
[7] في (ص): «بتكلُّم».
[8] في (ص): «ما».
[9] «ابن عساكر»: سقط من (س).
[10] «غير مكرَّرة»: سقط من (ص).
[11] في (ص): «في».
[12] في (ص) و(م): «وغيرهم».
[13] في (ب) و(س): «قول».
[14] في (ب) و(س): «وهو».
[15] «قبل»: سقط من (ص) و(م).
[16] «مبتدأٌ وخبرٌ مضاف إلى»: سقط من (ص) و(م).
[17] في (ص): «أبو»، وهو تحريفٌ.
[18] في (ص): «موسى»، وليس بصحيحٍ.
[19] (عن): سقط من (س).