إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: سبحان الله ماذا أنزل الليلة من الفتنة

1126- وبه قال: (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) ولأبي ذرٍّ: (( [1]محمَّد بن مقاتل)) قَالَ: (حَدَّثَنَا) ولغير الأَصيليِّ: ((أخبرنا)) (عَبْدُ اللهِ)
ج2ص311
بن المبارك قَالَ: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشد (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ) لم يُنوَّن في «اليونينيَّة» «هند» [2] (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم اسْتَيْقَظَ لَيْلَةً فَقَالَ) متعجِّبًا: (سُبْحَانَ اللهِ!) نصبٌ على المصدر (مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ) كالتَّقرير والبيان لسابقه؛ لأنَّ «ما» استفهاميَّةٌ متضمِّنةٌ لمعنى التَّعجُّب والتَّعظيم، و«اللَّيلة» ظرفٌ للإنزال، أي: ما [3] أُنزل في اللَّيلة (مِنَ الْفِتْنَةِ؟) بالإفراد، وللحَمُّويي والكُشْمِيْهَنِيِّ: ((من الفتن))، قال في «المصابيح»: أي: الجزئيَّة القريبة المأخذ، أو المراد: ماذا أُنزل من مقدِّمات الفتن؟ وإنَّما التجأنا إلى هذا التَّأويل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «أنا أمنةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ جاء أصحابي ما يوعدون»، فزمانه عليه الصلاة والسلام جديرٌ بأن يكون حُمي من الفتن، وأيضًا فقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة: 3] وإتمام النِّعمة أمانٌ من الفتنة [4]، وأيضًا فقول حذيفة لعمر [خ¦525]: إنَّ بينك وبينها بابًا مغلقًا؛ يعني: بينه وبين الفتنة [5] التي تموج كموج البحر، وتلك إنَّما استحقَّت بقتل عمر رضي الله عنه، وأمَّا الفتن الجزئيَّة فهي كقوله [خ¦525]: «فتنة الرَّجل في أهله وماله يكفِّرها الصَّلاة والصِّيام والصَّدقة».
(مَاذَا أُنْزِلَ) بالهمزة المضمومة، وللأَصيليِّ: «نزل» (مِنَ الْخَزَائِنِ) أي: خزائن الأعطية، أو الأقضية مطلقًا، وقال في «شرح المشكاة»: عبَّر عن الرَّحمة بـ «الخزائن» لكثرتها وعزَّتها، قال تعالى: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي} [الإسراء: 100] وعن العذاب بـ «الفتن» لأنَّها أسبابٌ مؤديَّة إليه، وجمَعهما لكثرتهما وسعتهما (مَنْ يُوقِظُ) ينبِّه (صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ؟) زاد في رواية شعيبٍ عن الزُّهريِّ عند المصنِّف في «الأدب» [خ¦6218] وغيره في هذا الحديث: «يُريدُ أزواجه حتَّى يُصلِّين»، وبذلك تظهر المطابقة بين الحديث والتَّرجمة، فإنَّ فيه التَّحريض على صلاة اللَّيل، وعدمُ الإيجابِ يُؤخذ من ترك إلزامهنَّ [6] بذلك، وفيه جرى على قاعدته في الحوالة على ما وقع في بعض طرق الحديث الذي يورده (يَا) قوم (رُبَّ) نَفْسٍ (كَاسِيَةٍ) من ألوان الثِّياب عرفتُها (فِي الدُّنْيَا، عَارِيَة) من أنواع الثِّياب (فِي الآخِرَةِ) وقيل: عارية من شكر المنعم، وقيل: نهى عن لبس ما يشفُّ من الثِّياب، وقيل: نهى عن التَّبرُّج، وقال في «شرح المشكاة»: هو كالبيان لموجب استنشاط الأزواج للصَّلاة؛ أي [7]: لا ينبغي لهنَّ أن يتغافلن عن العبادة، ويعتمدن على كونهنَّ أهالي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: «عارية»، بالجرِّ صفةٌ لـ: «كاسية»، أو بالرَّفع خبر مبتدأٍ مضمر، أي: هي عاريةٌ، و«رُبَّ» للتَّكثير، وإن كان أصلها التَّقليل، متعلقةٌ وجوبًا بفعلٍ ماضٍ متأخِّر، أي: عرفتها ونحوه كما مرَّ.
وهذا الحديث وإن خُصَّ بأزواجه صلى الله عليه وسلم؛ لكن العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، فالتقدير: رُبَّ نفسٍ _كما مرَّ_ أو نسمةٍ.
ج2ص312


[1] زيد في غير (ص) و(م): «حدَّثنا).
[2] قوله: «لم يُنوَّن في اليونينيَّة: هند»، ليس في (م).
[3] في غير(ص) و(م): «ماذا أنزل».
[4] في (ب) و(س): «الفتن».
[5] في (ب) و(س): «الفتن»
[6] في (ب): «التزامهنَّ».
[7] في (ب) و(د): «إذ».