إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن رسول الله صلى ذات ليلة في المسجد فصلى

1129- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم صَلَّى) صلاة اللَّيل (ذَاتَ لَيْلَةٍ) أي: في ليلة من ليالي رمضان (فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ) اللَّيلة (الْقَابِلَةِ) أي: الثَّانية، وللمُستملي: ((ثم صلَّى من القابل)) أي: من الوقت القابل (فَكَثُرَ النَّاسُ، ثُمَّ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) زاد أحمد في رواية ابن جريج: «حتَّى سمعت ناسًا منهم يقولون: الصَّلاة!»، والشَّكُّ ثابتٌ في رواية مالكٍ، ولمسلمٍ من رواية يونس عن ابن شهابٍ: «فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في اللَّيلة الثَّانية، فصلَّوا معه، فأصبح النَّاس يذكرون ذلك، فكثُر أهل المسجد من اللَّيلة الثَّالثة، فخرج [1] فصلَّوا بصلاته، فلمَّا كانت اللَّيلة الرَّابعة؛ عجز المسجد عن أهله»، ولأحمد من رواية سفيان بن حسين عنه: «فلمَّا كانت اللَّيلة الرَّابعة؛ غصَّ المسجد بأهله» (فَلَمَّا أَصْبَحَ) عليه الصلاة والسلام (قَالَ: قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ) أي: من حرصكم على صلاة التَّراويح، وفي رواية عقيل [خ¦924]: «فلمَّا قضى صلاة الفجر؛ أقبل على النَّاس فتشهَّد، ثم قال: أمَّا بعد؛ فإنَّه لم يَخْفَ عليَّ مكانكم» (وَلَمْ يَمْنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ) زاد في رواية يونس: «صلاة اللَّيل فتعجِزوا عنها» أي: يشقَّ عليكم؛ فتتركوها مع القدرة، وليس المراد العجز الكلِّي، فإنَّه يُسِقط التَّكليف من أصله، قالت عائشة: (وَذَلِكَ) أي: ما ذُكر كان (فِي رَمَضَانَ) واستُشكِل قوله: «إنِّي خشيت أن تُفرَض عليكم»، مع قوله في حديث الإسراء [خ¦349]: «هنَّ خمسٌ، وهنَّ خمسون، لا يُبدَّل القول لديَّ»، فإذا أُمن التَّبديل؛ فكيف يقع الخوف من الزِّيادة؟ وأجاب في «فتح الباري» باحتمال أن يكون المخوِّف افتراض قيام اللَّيل؛ بمعنى: جعل التَّهجُّد في المسجد جماعةً شرطًا في صحَّة التَّنفُّل باللَّيل، ويومئ إليه قوله في حديث زيد بن ثابت [خ¦7290]: «حتَّى
ج2ص313
خشيت أن يُكتب عليكم ولو كُتب عليكم؛ ما قمتم به، فصلُّوا أيُّها النَّاس في بيوتكم» فمنعهم من التَّجميع في المسجد إشفاقًا عليهم من اشتراطه [2]، وأمِن مع إذنه في المواظبة على ذلك في بيوتهم من افتراضه عليهم، أو يكون المخوِّف افتراض قيام اللَّيل على الكفاية لا على الأعيان، فلا يكون ذلك زائدًا على الخمس، أو يكون المخوِّف افتراض قيام رمضان [3] خاصَّةً، كما سبق أنَّ ذلك كان في رمضان، وعلى هذا يرتفع الإشكال؛ لأنَّ قيام رمضان [4] لا يتكرَّر كلَّ يوم في السَّنة، فلا يكون ذلك قدرًا زائدًا على الخمس. انتهى.
ج2ص314


[1] في (م): «فخرجوا».
[2] في (د): «افتراضه».
[3] في (ص): «اللَّيل».
[4] في (ص): «اللَّيل»، ولا يصح.