إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار

1153- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ قَالَ: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (عَنْ عَمْرٍو) بفتح العين وسكون الميم، ابن دينارٍ (عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ) بالموحَّدة المشدَّدة، آخره مهملةٌ، السَّائب بن فَرُّوخٍ؛ بفتح الفاء وضمِّ الرَّاء المشدَّدة وبالخاء المعجمة، الشَّاعر الأعمش التَّابعيِّ المشهور (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو) هو ابن العاص (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما، قَالَ [1]: قَالَ لِي النَّبِيُّ) ولأبي ذَرٍّ: ((رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: أَلَمْ أُخْبَرْ) بضمِّ الهمزة وسكون المعجمة وفتح الموحَّدة مبنيًّا للمفعول، والهمزة فيه للاستفهام، ولكنَّه خرج عن الاستفهام الحقيقيِّ، ومعناه هنا: حمل المخاطب على الإقرار بأمرٍ قد استقرَّ عنده ثبوته: (أَنَّكَ) بفتح الهمزة لأنَّه مفعولٌ ثانٍ للإخبار (تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟) نصبٌ على الظَّرفيَّة كاللَّيل، قال عبد الله: (قُلْتُ: إِنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ) القيام والصِّيام (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ) بفتح الهاء والجيم والميم [2]، أي: دخلت (عَيْنُكَ) في موضعها، وضعف بصرها لكثرة السَّهر، ولأبي ذَرٍّ: ((إذا فعلت؛ هجمت عينك)) وزاد الدَّاوديُّ «ونحل جسمك» (وَنَفِهَتْ) بفتح النُّون وكسر الفاء، وعن القطب الحلبيِّ فتحها، أي: كلَّت وأَعيتْ (نَفْسُكَ) من مشقَّة التَّعب (وَإِنَّ لِنَفْسِكَ) عليك (حَقٌّ) رفعٌ على الابتداء، و«لنفسك» خبره مقدَّمًا، والجملة خبر «إنَّ» واسمها ضمير الشَّأن محذوفًا، أي: إنَّ الشَّأن لنفسك حقٌّ، وهذه رواية كريمة وابن عساكر، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((حقًّا)) نصبٌ على أنَّه اسم «إنَّ» أي: تعطيها ما تحتاج إليه ضرورة
ج2ص328
البشريَّة ممَّا أباحه الله لها من الأكل والشُّرب والرَّاحة الَّتي يقوم بها البدن؛ ليكون أعون على الطَّاعة. نعم؛ من حقوق النَّفس قطعها عمَّا سوى الله تعالى بالكليَّة، لكن ذلك يختصُّ بالتَّعلُّقات القلبيَّة (وَلأَهْلِكَ) زوجك، أو أعمُّ ممَّن تلزمك نفقته عليك (حَقٌّ) رفعٌ أيضًا، ولأبوي ذَرٍّ والوقت فقط: ((حقًّا)) بالنَّصب، ومرَّ توجيههما، أي: تنظر لهما فيما لا بدَّ لهما منه من أمور الدُّنيا والآخرة، وسقط لفظ «عليك» هنا في الموضعين، وزاد في «الصيام» [خ¦1975] من وجهٍ آخرَ: «وإنَّ لعينك عليك حقًّا»، وفي روايةٍ [خ¦1974] [خ¦1975]: «وإنَّ لزَورك عليك حقًّا» أي: لزائرك (فَصُمْ) في بعض الأيَّام (وَأَفْطِرْ) بقطع الهمزة في بعضها؛ لتجمع بين المصلحتَين، وفيه إشارةٌ إلى ما سبق من صوم داود (وَقُمْ) صلِّ في بعض اللَّيل (وَنَمْ) في بعضه، والأمر فيها للنَّدب [3]. واستُنبِطَ منه: أنَّ مَن تكلَّف الزِّيادة، وتحمَّل المشقَّة على ما طُبِع عليه؛ يقع له الخلل في الغالب، وربَّما يغلب ويعجز [4].
ورواته: سفيان وعمرو وأبو العبَّاس مكِّيُّون، وشيخه من أفراده، وفيه التَّحديث، والعنعنة، والسَّماع، والقول، وأخرجه أيضًا في «الصَّوم» [خ¦1974] [خ¦1975] [خ¦1976] و«أحاديث الأنبياء» [خ¦3418]، ومسلمٌ في «الصَّوم»، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
ج2ص329


[1] في (د): «أنَّه».
[2] زيد في (د) و(س): «أَيْ غارت».
[3] في (د): «هنا».
[4] قوله: «واستُنبِطَ منه: أنَّ مَن تكلَّف الزِّيادة، وتحمَّل المشقَّة على ما طُبِع عليه؛ يقع له الخلل في الغالب، وربَّما يغلب ويعجز» جاء في (د) بعد قوله: «وابن ماجه» اللَّاحق.