إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام

1149- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) نسبةً إلى جدِّه، وإلَّا فهو إسحاق بن إبراهيم بن نصر السَّعديُّ المروزيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ أَبِي حَيَّانَ) بالمهملة المفتوحة والمثنَّاة التَّحتيَّة المشدَّدة، يحيى بن سعيدٍ (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) هرم بن جرير البجليِّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَ لِبِلَالٍ) مؤذِّنه (عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ) في الوقت الَّذي كان عليه الصلاة والسلام يقصُّ فيه رؤياه، ويعبِّرُ ما رآه غيره من أصحابه: (يَا بِلَالُ، حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلَامِ) «أرجى» [1]: على وزن أفعل التَّفضيل المبنيِّ من المفعول؛ وهو سماعيٌّ؛ مثل: أَشْغَل وأَعْذَر، أي: أكثر مشغوليَّةً ومعذوريَّةً، فالعمل ليس براجٍ للثَّواب، وإنَّما هو مرجوُّ الثَّواب، وأضيف إلى العمل؛ لأنَّه السَّبب الدَّاعي إليه؛ والمعنى: حدِّثني بما أنت أرجى من نفسك به من أعمالك (فَإِنِّي سَمِعْتُ) أي: اللَّيلة، كما في «مسلمٍ» في «النَّوم» لأنَّه لا يدخل أحدٌ الجنَّة وإن كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يدخلها يقظةً كما وقع له [2] في المعراج، إلَّا أنَّ بلالًا لم يدخل، وقال التُّوربشتيُّ: هذا شيءٌ كوشف به صلى الله عليه وسلم من عالم الغيب في نومه أو يقظته، ونرى ذلك _والله أعلم_ عبارةً عن مسارعة بلالٍ إلى العمل الموجِب لتلك الفضيلة قبل ورود الأمر عليه، وبلوغ الندب إليه، وذلك من قبيل قول القائل لعبده: تسبقني إلى العمل؟ أي: تعمل قبل ورود أمري إليك؟ [3]. انتهى. لكنَّه لمَّا كان ما استنبطه موافقًا لمرضاة الله ورسوله؛ أقرَّه واستحمده عليه (دَفَّ نَعْلَيْكَ) بفتح الدَّال المهملة والفاء المشدَّدة، أي: صوت مشيك فيهما (بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ) ظرفٌ للسَّماع (قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي) من (أَنِّي) بفتح الهمزة، و«من» المقدَّرة قبلها صلةٌ لأفعل التَّفضيل، وثبتت في رواية مسلمٍ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((أنْ)) بنون خفيفةٍ بدل «أنِّي» (لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا) زاد مسلمٌ: «تامًّا» والظَّاهر أنَّه لا مفهوم له، أي: لم [4] أتوضَّأ وضوءًا (فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) بغير تنوين [5] «ساعة» على الإضافة [6]، كما في بعض الأصول المقابَل على «اليونينيَّة»، ورأيته بها كذلك، وفي بعضها: «ساعةٍ» بالتَّنوين وجرِّ «ليلٍ» على البدل، وهو الَّذي ضبطه به الحافظ ابن حجر والعينيُّ، ولم يتعرَّض لضبطه البرماويُّ كالكرمانيِّ، ونكَّر «ساعة» لإفادة العموم، فتجوز هذه الصَّلاة في الأوقات المكروهة، وعورض بأنَّ الأخذ بعموم هذا ليس بأولى من الأخذ بعموم النَّهي عن الصَّلاة في الأوقات المكروهة، وأجيب بأنَّه ليس فيه ما يقتضي الفوريَّة، فيُحمل على تأخير الصَّلاة قليلًا ليخرج وقت الكراهة، ورُدَّ [7] بأنَّه في حديث بُريدة عند التِّرمذيِّ وابن خزيمة في نحو هذه القصَّة: «ما أصابني حدثٌ قطُّ إلَّا توضَّأت عندها»، ولأحمد من حديثه: «إلَّا توضَّأت وصلَّيت ركعتين»؛ فدلَّ على أنَّه كان يُعقب الحدث بالوضوء والوضوء، بالصَّلاة في أيِّ وقتٍ كان [8] (إِلَّا صَلَّيْتُ) زاد الإسماعيليُّ «لرَّبيِّ» (بِذَلِكَ الطُّهُورِ) بضمِّ الطَّاء (مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ) أي [9]: ما قُدِّر عليَّ وهو [10] أعمَّ من النَّوافل والفرائض، ولأبي ذَرٍّ: ((ما كُتِب إليَّ)) بتشديد الياء، و«كُتِبَ» على صيغة المجهول، والجملة في موضع نصبٍ، و«أن أصلِّي» في موضع رفعٍ.
قال ابن التِّين: إنَّما اعتقد بلال ذلك؛ لأنَّه علم من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّ الصَّلاة أفضل الأعمال، وأنَّ عمل السِّرِّ أفضل من عمل الجهر، قال في «الفتح»: والذي يظهر: أنَّ المراد بالأعمال الَّتي سأله عن أرجاها: الأعمال المتطوَّع بها، وإلَّا فالمفروض أفضل قطعًا. انتهى. والحكمة في فضل الصَّلاة على هذا الوجه من وجهين: أحدهما: أنَّ الصَّلاة عقب الطُّهور أقرب إلى اليقين منها إذا تباعدت؛ لكثرة عوارض الحدث من حيث لا يشعر المكلَّف، ثانيهما: ظهور أثر الطُّهور باستعماله في استباحة الصَّلاة، وإظهار آثار الأسباب مؤكِّدٌ لها ومحقِّقٌ، وتقدُّمُ بلال بين يدي الرَّسول عليه الصلاة والسلام في الجنَّة على عادته في اليقظة لا يستدعي أفضليته على العشرة المُبشَّرة بالجنَّة، بل هو سَبْقُ خدمةٍ؛ كما يسبق العبد سيِّده. وفيه إشارةٌ إلى [11] بقائه على ما هو عليه في حال حياته واستمراره على قُرب منزلته، وذلك منقبةٌ
ج2ص326
عظيمةٌ لبلالٍ، والظَّاهر: أنَّ هذا [12] الثَّواب وقع بذلك العمل، ولا معارضة بينه وبين ما في حديث: «لن يدخل أحدٌ الجنَّة بعمله» لأنَّ أصل الدُّخول إنَّما يقع برحمة الله تعالى، واقتسام المنازل بحسب الأعمال.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) البخاريِّ مفسِّرًا: (دَفَّ نَعْلَيْكَ؛ يَعْنِي: تَحْرِيكَ) نعليك، يقال: دَفَّ الطائر؛ إذا حرَّك جناحيه، وسقط قول أبي عبد الله هذا إلى «تحريك» عند أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ، كذا في حاشية الفرع، وفي أصله علامة السُّقوط أيضًا لابن عساكر.
ورواة الحديث كوفيُّون إلَّا شيخه، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلم في «الفضائل»، والنَّسائيُّ في «المناقب».
ج2ص327


[1] زيد في (م): «عمل».
[2] «له»: ليس في (د).
[3] في (د) و(م): «عليك»، كذا في شرح المشكاة للطيبي.
[4] «لم»: مثبتٌ من (د) و(س).
[5] زيد في (م): «في».
[6] زيد في (ص) و(م): «وجرِّ «ليل» على البدل»، وهو سبق نظر.
[7] في (ص): «أُجيب».
[8] قوله: «ونكَّر ساعة لإفادة العموم،... بالوضوء والوضوء بالصَّلاة في أيِّ وقتٍ كان»، سقط من (د) و(م).
[9] زيد في (د): «الفرائض أو».
[10] قوله: «وهو» زيادة أليق بالسياق.
[11] «إلى»: مثبتٌ من (د) و(س).
[12] «هذا»: ليس في (د).