متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

243- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ)؛ يعني: ((ابن سلامٍ))، كما لابن عساكر، وفي [1] روايةٍ: ((البيكنديُّ))، كما في بعض الأصول (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبَوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ [2] : ((حدَّثنا)) (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المُهمَلة والزَّاي المكسورة، سلمة بن دينارٍ، الأعرج المخزوميُّ المدنيُّ الزَّاهد، المُتوفَّى سنة [3] خمسٍ وثلاثين ومئةٍ أنَّه (سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ) الأنصاريَّ المدنيَّ رضي الله عنه، المُتوفَّى سنة إحدى وتسعين وهو ابن مئةِ سنةٍ، له في «البخاريِّ» أحدٌ [4] وأربعون حديثًا (وَسَأَلَهُ النَّاسُ) جملةٌ من فعلٍ ومفعولٍ وفاعلٍ، محلُّها النَّصب على الحال (وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ) يعني: عند السُّؤال؛ ليكون أدلَّ على صحَّة سماعه منه؛ لقربه منه، والجملة حاليَّةٌ أيضًا، إمَّا من مفعول «سأل»، فهما متداخلتان، وإمَّا من مفعول سمع، فهما مترادفتان، أو [5] الجملة معترضةٌ لا محلَّ لها، (بِأَيِّ شَيْءٍ) الجارُّ متعلِّقٌ بـ: «سأل»، والمجرور للاستفهام (دُووِيَ) بواوين: الأولى ساكنةٌ، والثَّانية مكسورةٌ، مبنيٌّ للمفعول، من المُداوَاة، وربمَّا حذف في بعض الأصول إحدى [6] الواوين؛ كـ: «داود» في الخطِّ (جُرْحُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) الذي أصابه في غزوة «أُحُدٍ»، لمَّا شُجَّ رأسه وجُرِحَ وجهه؟ (فَقَالَ) سهلٌ: (مَا بَقِيَ أَحَدٌ) من النَّاس (أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي) برفع «أعلم» صفةٌ لـ: «أحدٌ»، وبالنَّصب على الحال، وإنَّما قال سهلٌ ذلك؛ لأنَّه كان آخر من بقي من الصَّحابة بالمدينة، كما وقع عند المؤلِّف في «النِّكاح» [خ¦5248] (كَانَ عَلِيٌّ)؛ أي: ابن أبي طالبٍ (يَجِيءُ بِتُرْسِهِ فِيهِ مَاءٌ وَفَاطِمَةُ) رضي الله عنها (تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ) الشَّريف (الدَّمَ فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأُحْرِقَ فَحُشِيَ بِهِ) بضمِّ الهمزة والحاء فيهما، على البناء للمفعول، والضَّمير لِمَا أُحرِق (جُرْحُهُ) بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل، وللمؤلِّف في «الطِّبِّ» [خ¦5722] : فلمَّا رأت فاطمة الدَّم يزيد على الماء كثرةً؛ عمدت إلى حصيرٍ [7] فأحرقتها وألصقتها على الجرح، فرقأ الدَّم، وإنَّما فعلت ذلك؛ لأنَّ في رماد الحصير استمساك الدَّم، وفيه إباحة التَّداوي وأنَّه لا ينافي التَّوكُل والاستعانة في المُداوَاة، وجواز وقوع الابتلاء بالأنبياء ليعظم أجرهم، وليتحقَّق النَّاس أنَّهم مخلوقون لله فلا يُفتَتنون بما ظهر على أيديهم من المعجزات، كما افتُتِن النَّصارى بعيسى.

ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين مكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة والسَّماع، وفي رواته الإخبار في موضع التَّحديث، وأخرجه المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦3037] والنِّكاح، [خ¦5248] ومسلمٌ في «المغازي»، والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الطِّبِّ»، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ.

[1] في (د): «في».
[2] «والأُصيليِّ»: سقط من (م).
[3] «سنة»: سقط من (د).
[4] في (م): «إحدى».
[5] في (م): «و».
[6] في (م): «أحد».
[7] في غير (م): «حصيرها».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

243-. حدَّثنا مُحَمَّدٌ [1] ، قالَ: أخبَرَنا [2] سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن أَبِي حازِمٍ:

سَمِعَ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ [3] وَسَأَلَهُ النَّاسُ وَما بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ: بِأَيِّ شَيْءٍ دُوْوِيَ جُرْحُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فقالَ: ما بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمَُ بِهِ مِنِّي، كان عَلِيٌّ يَجِيءُ بِتُرْسِهِ فِيهِ ماءٌ، وَفاطِمَةُ تَغْسِلُ عن وَجْهِهِ الدَّمَ، فَأُخِذَ حَصِيرٌ، فَأُحْرِقَ، فَحُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ.

[1] في رواية ابن عساكر زيادة: «يعني ابن سلام».
[2] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر: «حدَّثنا»، وعزاها في (و، ب، ص) إلىَ رواية السَّمعاني عن أبي الوقت بدل ابن عساكر.
[3] قوله: «الساعدي» ليس في رواية ابن عساكر.





243- ( عَنْ أَبِي حَازِمٍ ) بحاء مهملة وزاي معجمة.

( دُووِيَ جُرْحُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) بدال مضمومة وواو ساكنة ثم واو مكسورة وياء مفتوحة.

( مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ) برفع ( أعلم ) ونصبه.


243# (أبي حَازِمٍ) بحاء مهملة وزاي.

(دُووِيَ) فُوعِلَ، بالبناء لما لَمْ يسمَّ فاعله؛ من [1] المداواة [2] .

(مَا بقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي) برفع ((أعلم)) على النَّعت، ونصبهِ على الحال من النَّكرة الواقعة في سياق النَّفي.

[1] ((من)): ليست في (ق).
[2] في (ج): ((المداوة)).





243- قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ): (محمَّد) هذا: هو ابن سلَام -بالتخفيف- على الأصحِّ، كذا جاء منسوبًا في بعض النُّسخ، قال شيخنا الشَّارح: (ورواه ابن ماجه عن محمَّد بن الصَّبَّاح، وهشام بن عمَّار، عن سفيان) ، وقال الإِسْمَاعِيليُّ أيضًا: (عن محمَّد بن الصَّبَّاح عن سفيان به) انتهى، وقال الجيَّانيُّ في «تقييده» -وقد ذكر هذا المكان، فقال-: (وذكر أبو نصر محمَّد بن سلام فيمن روى عنِ ابن عيينة) انتهى.

قوله: (عن أَبِي حَازِمٍ): تقدَّم أنَّه بالحاء المهملة، واسمه سلمة بن دينار.

قوله: (دُووِيَ جُرْحُ): هو بضمِّ الدَّال، ثُمَّ واو ساكنة، ثُمَّ واو أخرى مكسورة، ثُمَّ ياء مفتوحة، مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (جُرْحُ): مرفوع، قائم مقام الفاعل.

قوله: (مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَم): (أعلم): بضمِّ الميم وفتحها، إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ بين الواقعة -وهي في أحُد، وأحُد في الثَّالثة- ووفاة سهل نحو خمس وثمانين سنة؛ لأنَّه توفِّي سنة ثمان وثمانين، وهو ابن بضع وتسعين سنة، وقال الواقديُّ وجماعة: (توفِّي سنة إحدى وتسعين) ، فعلى هذا: يكون بين الواقعة ووفاته نحوُ ثمان وثمانين سنة.

تنبيه: قال ابن هشام في «السِّيرة»: (ذكر لي رُبَيح بن عَبْد الرَّحمن بن أبي سعيد الخُدْرِيِّ عن أبيه، عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ: أنَّ عتبة بن أبي وقَّاص رمى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يومئذ فكسر رُباعيته اليمنى السُّفلى، وجرح شفته السُّفلى، وأنَّ عَبْد الله بن شهاب الزُّهْرِيَّ شجَّه في وجهه، وأنَّ ابن قمئة [1] جرح وجنته، فدخلَ من المغفر حلقتان في وجنته) ، وسيأتي الكلام في ذلك بأبسط من هذا إن شاء الله تعالى وقدَّره في (أُحُد) ، وأتكلَّم هناك على من أسلم من هؤلاء الثَّلاثة، وأذكر غير ذلك.

قوله: (وَفَاطِمَةُ تَغْسِلُ عن وَجْهِهِ الدَّمَ): تنبيه: تقدَّم أنَّ هذه القصَّة كانت يوم أحُد، وزعم ابن سعد أنَّ عتبة بن أبي وقَّاص شجَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في وجهه وأصاب رباعيته، فكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الدَّم، وكذا هو في «تفسير الزمخشري» [/ج1ص110/] في (آل عمران) أنَّ الذي غسل الدَّم سالم، فلعلَّهما غسلا معًا، أو واحدًا [2] بعد واحد، وقصَّة «الصَّحيح» صحيحة لا شكَّ فيها.

قوله: (فَأُخِذَ [3] حَصِيرٌ): (أُخِذَ): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (حَصِيرٌ): مرفوع قائم مقام الفاعل.

تنبيه: قال ابن قيِّم الجوزيَّة في أوائل «الطِّبِّ» (فصل في علاج الجُرح) بعد ذكر هذا الحديث ما لفظه: (برماد [4] الحصير المعمول من البرديِّ، [وله] فعلٌ قويٌّ في حبس الدَّم؛ لأنَّ فيه تجفيفًا قويًّا وقلَّةَ لذع...) إلى آخر كلامه، ففيه: أنَّ الحصير التي أُحرقت كانت من برديٍّ، وهذا لا يقال في تعيينها إلَّا بالنقل، والله أعلم [5] .

[1] في (ج): (حميد) ، وليس بصحيح.
[2] زيد في (ب): (منهما) .
[3] في النسخ: (وأخذ) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[4] في النسخ: (كرماد) ، والمثبت موافق لما في «الطب النبوي» لابن القيم (*) .
[5] زيد في (ب): (بالصواب) .





243- (وَسَأَلَهُ النَّاسُ): جملةٌ حاليَّةٌ، وفي نسخةٍ: (وَسَأَلُوهُ) على لغةِ (أكلوني البراغيث).

(وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ): جملةٌ معترضةٌ لا محلَّ لها مِنَ الإعرابِ، أو جملةٌ حاليَّةٌ كالجملةِ السابقةِ، وذو الحالِ إمَّا مفعولُ (سَأَلَ) فيكونان حالين متداخلين، وإمَّا مفعولُ (سَمِعَ) ؛ فيكونان حالين مترادفين.

(أَعْلَم): مرفوعٌ صفة، أو منصوبٌ بأنَّه حالٌ.


243- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ)؛ يعني: ((ابن سلامٍ))، كما لابن عساكر، وفي [1] روايةٍ: ((البيكنديُّ))، كما في بعض الأصول (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولأبَوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ [2] : ((حدَّثنا)) (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المُهمَلة والزَّاي المكسورة، سلمة بن دينارٍ، الأعرج المخزوميُّ المدنيُّ الزَّاهد، المُتوفَّى سنة [3] خمسٍ وثلاثين ومئةٍ أنَّه (سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ) الأنصاريَّ المدنيَّ رضي الله عنه، المُتوفَّى سنة إحدى وتسعين وهو ابن مئةِ سنةٍ، له في «البخاريِّ» أحدٌ [4] وأربعون حديثًا (وَسَأَلَهُ النَّاسُ) جملةٌ من فعلٍ ومفعولٍ وفاعلٍ، محلُّها النَّصب على الحال (وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَحَدٌ) يعني: عند السُّؤال؛ ليكون أدلَّ على صحَّة سماعه منه؛ لقربه منه، والجملة حاليَّةٌ أيضًا، إمَّا من مفعول «سأل»، فهما متداخلتان، وإمَّا من مفعول سمع، فهما مترادفتان، أو [5] الجملة معترضةٌ لا محلَّ لها، (بِأَيِّ شَيْءٍ) الجارُّ متعلِّقٌ بـ: «سأل»، والمجرور للاستفهام (دُووِيَ) بواوين: الأولى ساكنةٌ، والثَّانية مكسورةٌ، مبنيٌّ للمفعول، من المُداوَاة، وربمَّا حذف في بعض الأصول إحدى [6] الواوين؛ كـ: «داود» في الخطِّ (جُرْحُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) الذي أصابه في غزوة «أُحُدٍ»، لمَّا شُجَّ رأسه وجُرِحَ وجهه؟ (فَقَالَ) سهلٌ: (مَا بَقِيَ أَحَدٌ) من النَّاس (أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي) برفع «أعلم» صفةٌ لـ: «أحدٌ»، وبالنَّصب على الحال، وإنَّما قال سهلٌ ذلك؛ لأنَّه كان آخر من بقي من الصَّحابة بالمدينة، كما وقع عند المؤلِّف في «النِّكاح» [خ¦5248] (كَانَ عَلِيٌّ)؛ أي: ابن أبي طالبٍ (يَجِيءُ بِتُرْسِهِ فِيهِ مَاءٌ وَفَاطِمَةُ) رضي الله عنها (تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ) الشَّريف (الدَّمَ فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأُحْرِقَ فَحُشِيَ بِهِ) بضمِّ الهمزة والحاء فيهما، على البناء للمفعول، والضَّمير لِمَا أُحرِق (جُرْحُهُ) بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل، وللمؤلِّف في «الطِّبِّ» [خ¦5722] : فلمَّا رأت فاطمة الدَّم يزيد على الماء كثرةً؛ عمدت إلى حصيرٍ [7] فأحرقتها وألصقتها على الجرح، فرقأ الدَّم، وإنَّما فعلت ذلك؛ لأنَّ في رماد الحصير استمساك الدَّم، وفيه إباحة التَّداوي وأنَّه لا ينافي التَّوكُل والاستعانة في المُداوَاة، وجواز وقوع الابتلاء بالأنبياء ليعظم أجرهم، وليتحقَّق النَّاس أنَّهم مخلوقون لله فلا يُفتَتنون بما ظهر على أيديهم من المعجزات، كما افتُتِن النَّصارى بعيسى.

ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين مكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة والسَّماع، وفي رواته الإخبار في موضع التَّحديث، وأخرجه المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦3037] والنِّكاح، [خ¦5248] ومسلمٌ في «المغازي»، والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الطِّبِّ»، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ.

[1] في (د): «في».
[2] «والأُصيليِّ»: سقط من (م).
[3] «سنة»: سقط من (د).
[4] في (م): «إحدى».
[5] في (م): «و».
[6] في (م): «أحد».
[7] في غير (م): «حصيرها».





243- ( محمَّد ): هو ابن سلَام.

( وَسَأَلَهُ النَّاسُ ): جملة حاليَّة.

( دُوِيَ ): بضمِّ الدَّال على البناء للمجهول، وحذفت إحدى الواوين في الكتابة كداود. [/ج1ص359/]

( مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي ) لأنَّه كان آخر من سكن من الصَّحابة بالمدينة، فكان بين تحديثه بذلك ووقعة أُحُد التي خرج منها أكثر من ثمانين سنة.

( فَأُخِذَ ) بالبناء للمجهول.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

243- وبه قال: ((حدثنا محمَّد)) ؛ هو ابن سلَام البيكندي، كما في بعض النسخ، وقال أبو علي الجيَّاني: لم ينسبه أحد من الرواة، وهو عندي أنه ابن سلَام؛ بتخفيف اللام، وبذلك جزم أبو نعيم في «المستخرج»، ووقع في رواية ابن عساكر: (حدثنا محمَّد؛ يعني: ابن سلام) ((قال: حدثنا)) وفي رواية: (أخبرنا) ((سفيان بن عُيينة)) ؛ بضمِّ العين المهملة، ((عن أبي حازِم: )) ؛ بالحاء المهملة، والزاي المكسورة، هو سَلَمَة بن دينار المدني الأعرج الزاهد المخزومي، المتوفى سنة خمس وثلاثين ومئة في خلافة المنصور: ((سمع سَهْل)) بفتح السين المهملة، وسكون الهاء، آخره لام ((بن سعْد)) ؛ بسكون العين المهملة ((الساعديَّ)) ؛ بتشديد التحتية آخره، منصوب؛ لأنَّه صفة (سهل) ، وهو منصوب؛ لأنَّه مفعول (سمع) ، وكان يسمَّى حزنًا، فسماه النبي الأعظم عليه السلام: سهلًا، وسقط من بعض الأصول: (الأنصاري) ، وكنيته أبو العباس، روي له عن رسول الله عليه السلام مئة حديث وثمان وثلاثون حديثًا، ذكر البخاري منها تسعة وثلاثين، مات سنة إحدى وتسعين، وهو ابن مئة سنة، وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة، كذا قاله صاحب «عمدة القاري»، ومثله في «الكرماني»، وقول القسطلاني: (له في «البخاري» أحد وأربعون حديثًا) فيه نظر، كما لا يخفى، ((وسأله الناس)) جملة من الفعل والمفعول والفاعل محلها نصب على الحال، وفي بعض النسخ: (وسألوه الناس) ؛ بواو الجمع على لغة أكلوني البراغيث ((وما بيني وبينه أحد)) ؛ يعني: عند السؤال، وزعم الكرماني أنها جملة معترضة لا محل لها من الإعراب، ورده في «عمدة القاري»: بأن الجملة المعترضة: هي التي تقع بين الكلامين وليس لها تعلق بأحدهما وقد تقع في آخر الكلام، ويجوز أن تكون جملة حالية أيضًا، ويكون محلها من الإعراب النصب، ولكن وقعت بلا واو، وذو الحال إما مفعول (سأل) ، فيكونان حالين متداخلين، وإما مفعول (سمع) ، فيكونان حالين مترادفين، انتهى، وهذا من كلام أبي حازم، ((بأي شيء)) الباء فيه تتعلق بقوله: (وسأله) ، وكلمة (أي) للاستفهام ((دُوْوِي)) ؛ بضمِّ الدال المهملة، وكسر الواو، صيغة مجهول من المداواة، وزعم ابن حجر: أن أحد الواوين حذفت في الكتابة، ورده صاحب «عمدة القاري»: بأنه بالواوين في أكثر النسخ، وفي بعضها بواو واحدة، فحذفت فيها إحدى الواوين في الخط؛ كما حذفت من داود، وطاووس؛ فافهم، ((جُرح)) بضمِّ الجيم؛ أي: جراحة ((النبيُّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) ؛ أي: الذي أصابه في غزوة أحد لمَّا شُجَّ رأسه الشريف وجرح وجهه؛ لأنَّ هذه الواقعة كانت بأحد، فزعم ابن سعد أن عُتْبَة بن أبي وقاص هو الذي شجَّ النبيَّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم في وجهه، وأصاب رباعيته، وزعم السهيلي: أن عبد الله بن قمئة هو الذي جرح وجهه عليه السلام، فكان سالم مولى أبي حذيفة يغسل عن النبيِّ عليه السلام الدم، والنبيُّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم؟»، فأنزل الله تبارك وتعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ...}؛ الآية [آل عمران: 128] ، كذا قاله في «عمدة القاري»، وزعم العجلوني أنه وقع الخلاف في أي شيء دُووِي به جرح النبيِّ عليه السلام، كما في رواية الحميدي عن سفيان؛ فلذا سئل سهل عن ذلك، انتهى.

قلت: ولا يلزم من سؤاله وقوع الخلاف في ذلك، فلعله كان يريد إعلامهم بذلك؛ خوفًا على عدم اطلاعهم [1] عليه حتى لا يخفى عليهم من أمر النبيِّ عليه السلام شيء، بل يكونون على بصيرة في أفعال المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فافهم.

((فقال سهل)) المذكور: ((ما بقي أحدٌ)) أي: من أصحاب النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، أو من الناس ((أعلمُ به مني)) برفع (أعلم) ؛ لأنَّه صفة (أحد) ، ويجوز أن يكون منصوبًا على الحال، قال في «عمدة القاري»: وغرضه من هذا التركيب أنه أعلم الناس بهذه القضية؛ لأنَّ موته متأخر، وكان آخر من بقي من الصحابة بالمدينة، كما صرح به المؤلف في (النكاح) في روايته عن قتيبة، عن سفيان، ومثل هذا التركيب لا يستعمل بحسب العرف إلا عند انتفاء المُساوي، وهو ظاهر، وبهذا يسقط سؤال من قال: لا يلزم منه منافاة مساواة غيره له فيه، انتهى، وقوله: ((كان عليٌّ)) ؛ أي: ابن أبي طالب رضي الله عنه جملة مستأنفة استئنافًا بيانيًّا جواب عن السؤال المذكور ((يجيء بتُرسه)) ؛ بضمِّ الفوقية؛ أي: الذي يترس به في الحرب السهم، وهو الدرقة ((فيه ماء)) ؛ لأنَّه كان مجوَّفًا؛ أي: إلى النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((وفاطمة)) ؛ أي: ابنة النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، وزوجة علي بن أبي طالب، وهي إما عطف على قوله (علي) ، أو مبتدأ، وقوله: ((تغسل)) جملة محلها رفع على الخبرية، والجملة محلها نصب على الحال ((عن وجهه)) أي: وجه النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم ((الدم)) ؛ أي: الذي أصابه من الجراحة، وفيه: المطابقة للترجمة، ((فأُخذ)) ؛ بضمِّ الهمزة مبني للمجهول، والفاعل إما (علي) ، أو (فاطمة) ، أو غيرهما، وزعم العجلوني: أن الفاء فصيحة.

قلت: ويجوز أن تكون للاستئناف، وهو الأظهر؛ لأنَّ الفاء الفصيحة لا بد لها من جواب شرط مقدَّر، له ذكر قبلها ولم يوجد هنا؛ فافهم.

((حصير)) ؛ بالحاء المهملة: المتخذ من القشِّ يستوي فيه التذكير والتأنيث، فذكَّره هنا، وأنَّثه في (الطب) كما يأتي، ((فأُحرق)) ؛ بضمِّ الهمزة؛ أي: بالنار حتى صار رمادًا، ((فحُشي)) ؛ بضمِّ الحاء المهملة، من الإحشاء: وهو الإدخال ((به)) أي: برماده ((جُرحه)) ؛ بضمِّ الجيم؛ أي: جرح النبيِّ الأعظم عليه السلام حتى يستمسك الدم عن البروز، فالفعل في الثلاثة مبني للمجهول، وليس فيه تعيين الفاعل، لكن عند المؤلف في (الطب) : أن الفاعل فاطمة، فإنه قال: فلما رأت فاطمة الدم يزيد على الماء كثرة؛ عمدت إلى حصير، فأحرقتها وألصقتها على الجرح فرقأ الدم؛ أي: انقطع؛ لما في رماد الحصير من الاستمساك للدم كما قلنا، ومثله رماد غيره، لكن رماد الحصير ألصق؛ فلذا اختارته، وفي هذا الحديث: أن الفاعل للغسل فاطمة رضي الله عنها، وفيما قدمنا عن «عمدة القاري»: (أن سالمًا مولى أبي حذيفة كان يغسل الدم عن النبيِّ الأعظم عليه السلام...) إلخ.[/ص245/]

قلت: وهذا يدل على أن غسل الدم كان مرتين؛ أحدهما: فعله سالم أولًا، والثاني: فعلته فاطمة وعليٌّ، يدل لذلك رواية المؤلف في (الطب) حيث قال: فلما رأت فاطمة الدم يزيد على الماء كثرة؛ أي: بعد أن غسلت المرة الثانية؛ عمدت إلى حصير...إلخ، وبهذا يحصل الجمع بين الروايتين، ثم رأيت العجلوني قد أجاب بهذا، وزاد عليه جوابًا آخر، وعبارته: (ويمكن الجمع بأن سالمًا فعل ذلك أولًا قبل مجيء فاطمة وعليٍّ رضي الله عنهما، أو أنه كان يعينها) .

قلت: وفي الجواب الثاني نظر؛ لأنَّ فاطمة حينئذٍ غير محتاجة للإعانة؛ لوجود زوجها عليٍّ معها، وهو أحق بالإعانة في ذلك على أن صريح الحديث يدل على أن الغسل وحرق الحصير فعلته هي بنفسها من غير إعانة أحد، ولو سلم؛ فإنما يصح هذا الجواب إذا كان ذلك قبل نزول آية الحجاب؛ لأنَّ اختلاط النساء بالرجال حينئذٍ كان مباحًا، أما بعد نزولها؛ فلا ريب أن هذا الجواب فاسد؛ لحرمة اختلاطهنَّ بالرجال، لا سيما بحضرة النبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم، فإنه أشد وأعظم، وفي الحديث كما قال ابن بطال دليل على جواز مباشرة المرأة أباها ومحارمها ومداواة أمراضهم، ولذلك قال أبو العالية لأهله: (امسحوا على رجلي؛ فإنها مريضة) ، ولم يخصَّ بعضًا دون بعض، بل عمهم جميعًا، وفيه: إباحة التداوي ومشروعيته واتخاذ الترس والبيضة والدرع في الحرب؛ فإن ذلك لا يقدح في التوكل لصدوره عن سيد المتوكلين، انتهى.

قلت: والبيضة والدرع ليس لهما ذكر في هذا الحديث، فلا يدل عليهما، بل من دليل آخر؛ فافهم.

وقال النووي: وفيه وقوع الابتلاء والأسقام بالأنبياء عليهم السلام؛ لينالوا جزيل الأجر، وليعرف أممهم وغيرهم ما أصابهم؛ ليقتدوا بهم، وليعلموا أنهم من البشر يصيبهم ما يصيب غيرهم من محن الدنيا، ويطرأ على أجسادهم ما يطرأ على أجسام غيرهم؛ ليتيقنوا أنهم مخلوقون لله تعالى، فلا يفتنون بما ظهر على أيديهم من المعجزات كما افتتن النصارى بعيسى عليه السلام، وفيه: سؤال من لا يعلم؛ ليعلم ما خفي عليه، انتهى كذا في «عمدة القاري»، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (اضطلاعهم)، وليس بصحيح.