متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

228- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، ولأبي الوقت وابن عساكر: ((يعني: ابن سلامٍ))، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا محمَّد بن سلامٍ))، ولأبي ذَرٍّ: ((محمَّد هو ابن سلامٍ))؛ وهو بتخفيف اللَّام، البيكنديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: ((أخبرنا)) (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ _بمُعجَمتين_ الضَّرير، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها أنَّها [1] (قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((بنت)) (أَبِي حُبَيْشٍ) بضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح المُوَحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، آخره شينٌ مُعجَمةٌ، قيس بن المطَّلب، وهي قرشيَّةٌ أسديَّةٌ (إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ) بضمِّ الهمزة وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة [2] ؛ أي: يستمرُّ بي الدَّم بعد أيَّامي المُعتادة؛ إذِ الاستحاضة جريان الدَّم من فرج المرأة في غير أوانه (فَلَا أَطْهُرُ) لدوامه، [/ج1ص295/] والسِّين في «أُسْتَحاض» للتَّحوُّل [3] ؛ لأنَّ دم الحيض تحوَّل إلى غير دمه، وهو دم الاستحاضة؛ كما في: استحجر الطِّين، وبُنِي الفعل فيه للمفعول [4] ، فقيل: استُحيضت المرأة؛ بخلاف الحيض، فيقال فيه: حاضت المرأة؛ لأنَّ دم الحيض لمَّا كان معتادًا معروف الوقت؛ نُسِب إليها، والآخر لمَّا كان نادرًا مجهول الوقت، وكان منسوبًا إلى الشَّيطان؛ كما في الحديث: «أنَّها ركضةٌ من [5] الشيطان»، بُنِي للمفعول، وتأكيدها بـ: «أنَّ»؛ لتحقيق القضيَّة [6] ؛ لندور وقوعها، لا [7] لأنَّ [8] النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم متردِّدٌ أو منكرٌ (أَفَأَدَعُ)؛ أي: أترك، والعطف على مُقدَّرٍ بعد الهمزة؛ لأنَّ لها صدر الكلام؛ أي: أيكون لي حكم الحائض فأترك (الصَّلَاةَ)؟ أو أنَّ الاستفهام ليس باقيًا، بل للتَّقرير، فزالت صدريَّتها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لَا) تدعي الصَّلاة (إِنَّمَا ذَلِكِ) بكسر الكاف (عِرْقٌ)؛ أي: دم عرقٍ؛ وهو بكسر العين ويُسمَّى: العاذل؛ بالعين المُهمَلة والذَّال المُعجَمَة المكسورة (وَلَيْسَ بِحَيْضٍ) لأنَّه يخرج من قعر الرَّحم (فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ) بفتح الحاء: المرَّة، وبالكسر: اسمٌ للدَّم، والخرقة التي تستثفر [9] بها المرأة والحالة، أو [10] الفتح خطأٌ، والصَّواب: الكسر؛ لأنَّ المُراد بها: الحالة، قاله الخطَّابيُّ، وردَّه القاضي عياضٌ وغيره، بل قالوا: الأظهر الفتح؛ لأنَّ المُراد: إذا أقبل الحيض، وهو الذي في «فرع اليونينيَّة» (فَدَعِي الصَّلَاةَ)؛ أي: اتركيها (وَإِذَا أَدْبَرَتْ)؛ أي: انقطعت (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ)؛ أي: واغتسلي لانقطاع الحيض، وهذا مُستَفادٌ من أدلَّةٍ أخرى تأتي _إن شاء الله تعالى_ ومفهومه: أنَّها كانت تميِّز بين الحيض والاستحاضة؛ فلذلك وكَّل الأمر إليها في معرفة ذلك (ثُمَّ صَلِّي) أوَّل صلاةٍ تدركينها، وقال مالكٌ في رواية [11] : تستظهر بالإمساك عن الصَّلاة ونحوها ثلاثة أيَّامٍ على عادتها.

(قَالَ) هشامٌ بالإسناد المذكور، عن محمَّدٍ عن أبي معاوية عن هشامٍ: (وَقَالَ أَبِي [12] ) عروة بن الزُّبير: (ثُمَّ تَوَضَّئِي) بصيغة الأمر (لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ)؛ أي: وقت إقبال الحيض، وكاف ((ذلك)) مكسورةٌ كما في «فرع اليوينينيَّة»، وصُحِّح عليه.

وبقيَّة مباحث الحديث تأتي في كتاب «الحيض» [خ¦306] _إن شاء الله تعالى_ وتفاصيل حكمه مستوفاةٌ في كتب الفقه أُشير لشيءٍ منها في محلِّه إن شاء الله تعالى بعون الله، ورواة هذا الحديث ستَّةٌ، وفيه الإخبار والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الطَّهارة»، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأبو داود.

[1] «أنَّها»: مثبتٌ من (م).
[2] «الفوقيَّة»: مثبتٌ من (م).
[3] في (م): «للتَّحويل».
[4] في (ص): «للمجهول».
[5] «من»: مثبتٌ من (م).
[6] في (م): «القصَّة».
[7] «لا»: سقط من (د).
[8] في (ص): «أنَّ».
[9] في (ص) و(م): «تستشفر»، وهو تحريفٌ.
[10] في (ص): «إذ».
[11] «في روايةٍ»: سقط من (م).
[12] في (ص): «لي».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

228-. حدَّثنا مُحَمَّدٌ [1] ، قالَ: حَدَّثَنا [2] أبو مُعاوِيَةَ: حدَّثنا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ:

عن عَائِشَةَ، قالتْ: جاءَتْ فاطِمَةُ ابْنَةُ [3] أَبِي حُبَيْشٍ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا؛ إِنَّما ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذا أَدْبَرَتْ فاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ صَلِّي». قالَ: وقالَ أَبِي: «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّىَ يَجِيءَ ذَلِكِ [4] الوَقْتُ».

[1] في رواية ابن عساكر والكُشْمِيْهَنِيِّ ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت زيادة: «يعني ابن سلام».
[2] في رواية ابن عساكر: «أخبَرَنا».
[3] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «بنتُ».
[4] صحَّح عليها في اليونينيَّة.





228- (ابْنُ سَلاَمٍ) بالتخفيف.

(وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ) بكسر الحاء، وكذا: «إِذَا أَقْبَلَتْ حِيْضَتُكِ».

(حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكِ الوَقْتُ) بكسر الكاف. [/ج1ص104/]


228# (إِنَّمَا ذَلِكِ) بكسر الكاف.

(عِرْقٌ) أي: انفجر، قاله الأخفش، وقد جاء ذلك في رواية، ويجوز أن يكون التعبير [1] بالعِرق كناية عن دم

@%ج1ص138%

الاستحاضة.

(فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ) قال الخطابيُّ: هو بكسر الحاء، وغلَّطَ من فتَحها، وجوَّز القاضي وغيرُه الفتح، وهو أقوى؛ لأنَّ المراد: الحيض.

[1] في (ق): ((التعجيز)).





228- قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ): وفي نسخة هي في أصلنا: (هو ابن سلَام) ، وقد تقدَّم أنَّ سلَامًا الأصحُّ فيه: التَّخفيف، ولأبي عليٍّ الغسَّانيِّ كلام في «تقييده» فيما إذا قال البخاريُّ: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) من غير أنْ ينسبه، وسأذكره قريبًا في الحديث الآخر: «إِذَا أَقْبَلَت الحَيْضَة» إنْ شاء الله تَعَالَى، وقوله: (هو ابن سلَام): هو من توضيح مَن بعد البخاريِّ، إمَّا الفربريُّ وإمَّا غيره، والله أعلم.

قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ): هو محمَّد بن خازم -بالخاء المعجمة- الضَّرير، تقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ): (حُبَيْشٍ): بحاء مهملة مضمومة، ثُمَّ موحَّدة مفتوحة، ثُمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثُمَّ شين معجمة، قال الدِّمياطيُّ: (أبو حبيش قيس بن المطَّلب بن أسد بن عَبْد العزَّى بن قصيٍّ، وليست بفاطمة بنت قيس بن خالد الفهريِّ، التي طلَّقها زوجها) انتهى، وما قاله معروف مشهور، وإنَّما أريد أنَّ آتي على حواشيه إنْ شاء الله تَعَالَى، كانت فاطمة بنت أبي حبيش من المهاجرات، روى حديثها عروةُ عن عائشة، قال ابن عبد البَرِّ في «الاستيعاب»: (وروى اللَّيث عن يزيد بن أبي حبيب، عن بكير بن الأشجِّ، عنِ المنذر بن المغيرة، عن عروة بن الزُّبير: أنَّ فاطمة حدَّثته، ورواه مالك، وجماعة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ فاطمة...، وهو الصَّواب) انتهى.

وقد [1] أخرجه النَّسائيُّ وأبو داود من حديث عروة عنها نفسها، ذكر إبراهيم الحربيُّ: (أنَّها [2] تزوَّجت بعبد الله بن جحش، فولدت له محمَّدًا) انتهى، ولمحمَّد هذا صحبة.

قوله: (إِنَّمَا ذَلِكِ): هو بكسر الكاف؛ لأنَّه خطاب لمؤنَّث.

قوله: (عِرْقٌ): هو بكسر العين، وإسكان الرَّاء؛ ومعناه: إنَّ الاستحاضة تخرج من عرق يسمَّى: العاذِل؛ بكسر الذَّال المعجمة، (وحكى شيخنا إهمالها [3] ، وبدل اللَّام راء، وسيجيء الكلام عليه [4] ) [5] ، بخلاف الحيض، فإنَّه يخرج من قعر الرَّحم.

قوله: (فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ): قال شيخنا: (يجوز فيه فتح الحاء وكسرها، وهو بالفتح: الحيض، وبالكسر: الحالة) انتهى، وقال النوويُّ في «تهذيبه» في قوله: «إذا أقبلت الحيضة»: [/ج1ص104/] (قال الخطَّابيُّ: المحدِّثون يقولونها بالفتح، وهو خطأ، والصَّواب: الكسر؛ لأنَّ المراد الحالة، وردَّ القاضي عياض وغيره قول الخطَّابيِّ، وقالوا: الأظهر الفتح؛ لأنَّ المراد إذا أقبل الحيض) انتهى.

قوله: (عَنْكِ): هو بكسر الكاف؛ لأنَّه خطاب لمؤنَّث.

قوله: (وَقَالَ أَبِي): قائل ذلك هو هشام، وأبوه: هو عروة بن الزُّبير.

قوله: (ذَلِكِ الوَقْتُ): تقدَّم أنَّ الخطاب إذا كان لمؤنَّث؛ فإنَّ الكاف تُكسَر أعلاه.

[1] (وقد): ليس في (ج) .
[2] في النسخ: (أنه) ، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في (ب): (إهمال الدَّال) .
[4] في (ب): (عليها) .
[5] ما بين قوسين جاء في (ب) بعد قوله: (من قعر الرحم) .





228- (أَفَأَدَعُ): إنْ قلتَ: الهمزةُ تقتضي عدمَ المسبوقيَّةِ بالغير، والفاءُ تقتضي المسبوقيَّةَ، فكيفَ يجتمعان؟

قلتُ: هو عطفٌ على مقدَّرٍ؛ أي: أيكونُ لي حكمُ الحائض فأدعُ الصَّلاةَ ؟ أو الهمزةُ مقحَمةٌ، أو توسُّطها جائزٌ بين المعطوفَينِ إذا كان عطفَ الجملة على الجملة؛ لعدمِ استصحابِ [1] حكمِ الأوَّل على الثَّاني، أو الهمزةُ ليست باقيةً على صرافةِ استفهاميَّتِها؛ لأنَّها للتَّقريرِ هنا، فلا تقتضي الصَّدارةَ.

(ذَلِكِ): بكسر الكاف.

[1] كذا في النسختين، وفي «الكواكب الدراري» (3/79): (انسحاب)، ولعلها أولى.





228- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، ولأبي الوقت وابن عساكر: ((يعني: ابن سلامٍ))، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا محمَّد بن سلامٍ))، ولأبي ذَرٍّ: ((محمَّد هو ابن سلامٍ))؛ وهو بتخفيف اللَّام، البيكنديُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: ((أخبرنا)) (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ _بمُعجَمتين_ الضَّرير، قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها أنَّها [1] (قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((بنت)) (أَبِي حُبَيْشٍ) بضمِّ الحاء المُهمَلة وفتح المُوَحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، آخره شينٌ مُعجَمةٌ، قيس بن المطَّلب، وهي قرشيَّةٌ أسديَّةٌ (إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ) بضمِّ الهمزة وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة [2] ؛ أي: يستمرُّ بي الدَّم بعد أيَّامي المُعتادة؛ إذِ الاستحاضة جريان الدَّم من فرج المرأة في غير أوانه (فَلَا أَطْهُرُ) لدوامه، [/ج1ص295/] والسِّين في «أُسْتَحاض» للتَّحوُّل [3] ؛ لأنَّ دم الحيض تحوَّل إلى غير دمه، وهو دم الاستحاضة؛ كما في: استحجر الطِّين، وبُنِي الفعل فيه للمفعول [4] ، فقيل: استُحيضت المرأة؛ بخلاف الحيض، فيقال فيه: حاضت المرأة؛ لأنَّ دم الحيض لمَّا كان معتادًا معروف الوقت؛ نُسِب إليها، والآخر لمَّا كان نادرًا مجهول الوقت، وكان منسوبًا إلى الشَّيطان؛ كما في الحديث: «أنَّها ركضةٌ من [5] الشيطان»، بُنِي للمفعول، وتأكيدها بـ: «أنَّ»؛ لتحقيق القضيَّة [6] ؛ لندور وقوعها، لا [7] لأنَّ [8] النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم متردِّدٌ أو منكرٌ (أَفَأَدَعُ)؛ أي: أترك، والعطف على مُقدَّرٍ بعد الهمزة؛ لأنَّ لها صدر الكلام؛ أي: أيكون لي حكم الحائض فأترك (الصَّلَاةَ)؟ أو أنَّ الاستفهام ليس باقيًا، بل للتَّقرير، فزالت صدريَّتها (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لَا) تدعي الصَّلاة (إِنَّمَا ذَلِكِ) بكسر الكاف (عِرْقٌ)؛ أي: دم عرقٍ؛ وهو بكسر العين ويُسمَّى: العاذل؛ بالعين المُهمَلة والذَّال المُعجَمَة المكسورة (وَلَيْسَ بِحَيْضٍ) لأنَّه يخرج من قعر الرَّحم (فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ) بفتح الحاء: المرَّة، وبالكسر: اسمٌ للدَّم، والخرقة التي تستثفر [9] بها المرأة والحالة، أو [10] الفتح خطأٌ، والصَّواب: الكسر؛ لأنَّ المُراد بها: الحالة، قاله الخطَّابيُّ، وردَّه القاضي عياضٌ وغيره، بل قالوا: الأظهر الفتح؛ لأنَّ المُراد: إذا أقبل الحيض، وهو الذي في «فرع اليونينيَّة» (فَدَعِي الصَّلَاةَ)؛ أي: اتركيها (وَإِذَا أَدْبَرَتْ)؛ أي: انقطعت (فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ)؛ أي: واغتسلي لانقطاع الحيض، وهذا مُستَفادٌ من أدلَّةٍ أخرى تأتي _إن شاء الله تعالى_ ومفهومه: أنَّها كانت تميِّز بين الحيض والاستحاضة؛ فلذلك وكَّل الأمر إليها في معرفة ذلك (ثُمَّ صَلِّي) أوَّل صلاةٍ تدركينها، وقال مالكٌ في رواية [11] : تستظهر بالإمساك عن الصَّلاة ونحوها ثلاثة أيَّامٍ على عادتها.

(قَالَ) هشامٌ بالإسناد المذكور، عن محمَّدٍ عن أبي معاوية عن هشامٍ: (وَقَالَ أَبِي [12] ) عروة بن الزُّبير: (ثُمَّ تَوَضَّئِي) بصيغة الأمر (لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ)؛ أي: وقت إقبال الحيض، وكاف ((ذلك)) مكسورةٌ كما في «فرع اليوينينيَّة»، وصُحِّح عليه.

وبقيَّة مباحث الحديث تأتي في كتاب «الحيض» [خ¦306] _إن شاء الله تعالى_ وتفاصيل حكمه مستوفاةٌ في كتب الفقه أُشير لشيءٍ منها في محلِّه إن شاء الله تعالى بعون الله، ورواة هذا الحديث ستَّةٌ، وفيه الإخبار والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ في «الطَّهارة»، وكذا التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأبو داود.

[1] «أنَّها»: مثبتٌ من (م).
[2] «الفوقيَّة»: مثبتٌ من (م).
[3] في (م): «للتَّحويل».
[4] في (ص): «للمجهول».
[5] «من»: مثبتٌ من (م).
[6] في (م): «القصَّة».
[7] «لا»: سقط من (د).
[8] في (ص): «أنَّ».
[9] في (ص) و(م): «تستشفر»، وهو تحريفٌ.
[10] في (ص): «إذ».
[11] «في روايةٍ»: سقط من (م).
[12] في (ص): «لي».





228- ( حدَّثَنَا محمَّدٌ ) زاد الأَصِيلي: «ابن سلام»، ولأبي ذرٍّ: «هو ابن سلام».

( هِشَامُ ) زاد الأَصِيلي: «ابن عروة».

( أَبِي حُبَيْشٍ ): بضمِّ الحاء المهملة وفتح الموحَّدة آخره معجمة، اسمه قيس بن المطَّلب بن أسد، وهي غير فاطمة بنت قيس التي طُلِّقَتْ ثلاثًا.

( أُسْتَحَاضُ ): بضمِّ الهمزة وفتح المثنَّاة.

( لاَ ) أي: لا تدعي الصَّلاة.

( ذَلِكِ ): بكسر الكاف.

( عِرْقٌ ) بكسر العين: هو المسمَّى بالعاذل [بالذَّال المعجمة] [1] الذي يخرج منه دم الاستحاضة، وهو في أسفل الفرج.

( حَيْضَتُكِ ) بفتح الحاء.

( ذلكِ الوقتُ ) بكسر [الكاف] [2] . [/ج1ص348/]

[1] ما بين معقوفتين في غير [ع] : (بالمعجمة)
[2] ما بين معقوفتين في [ع] تصحيفًا: (القاف) والمثبت من غيرها





61/228# قال أبو عبد الله: حدَّثني مُحَمَّدٌ، قالَ: حَدَّثَنا أبو مُعاوِيَةَ، قال: أخبرنا هِشامُ بنُ عُرْوَةَ، عن أَبِيهِ:

عن عائشة، قالتْ: جاءَتْ فاطِمَةُ بنت أَبِي حُبَيْشٍ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقالتْ: يا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأدَعُ الصَّلَاةَ؟ فقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «لَا؛ إِنَّما ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذا أَدْبَرَتْ فاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ، ثُمَّ صَلِّي».

قوله: (إنَّما ذلك عِرق) احتجَّ به بعض فقهاء العراق [1] في إيجاب الوُضوء من خروج الدَّم من غير السَّبيلين، وزعم أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم علَّلَ نَقْضَ الطَّهارة بخروج الدَّم [2] من العِرق، وكُلُّ دَمٍ بَرَزَ من البدَن فإنَّما يبرزُ عن [3] عِرق، لأنَّ العروق هي مجاري الدَّم من الجسَد [4] .

قلت: وليس [5] معنى هذا الحديث ما ذُهب [6] إليه، ولا [7] مُرادُ الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك ما [8] توهَّمه، وإنَّما أراد أنَّ هذه العلَّة إنَّما حَدَثَت بها من تَصَدُّع العِرق، وتَصَدُّع العُروق عِلَّةٌ معروفةٌ عند الأطبَّاء، يَحدُثُ ذلك عن غَلَبَةِ الدَّم، فَتَتَصَدَّعُ العُروقُ إذا امتلأت تلك الأوعية، وإنَّما أشار صلى الله عليه وسلم بهذا القول إلى فرق ما بين الحَيْض والاستحاضة ،

@%ص74%

فإنَّ الحَيْضَ مَصَحَّةٌ [9] للبَدَن؛ لأنَّه يجري مَجرى سائر الأثفال من البَوْل والغائط، فيجِدُ البَدَنُ خِفَّةً معه [10] ، وإنَّ الاستحاضة علَّةٌ ومَسْقَمَة كسائر العلل التي يُخاف معها [11] الهلاكُ والتَّلف.

وفي قوله: (إذا أقبلت حيضتُك فَدَعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدَّم، ثمَّ صلِّي) دليلٌ على أنَّها كانت تُميِّزُ دَمَ الاستحاضة من دم الحَيض.

وفيه دلالةٌ على وُجوب تقديم علامة الدَّم على الأيَّام.

[1] في النسخ الفروع: (احتج أهل العراق).
[2] قوله: (من غير السَّبيلين.... بخروج الدَّم) زيادة من (ط).
[3] في (م): (من).
[4] (من الجسد) سقط من (ط).
[5] (وليس) تكررت في (م).
[6] في (أ): (ما ذهبوا).
[7] في (ط): (وما).
[8] (ما) سقطت من (ط).
[9] في (ر): (بصحة).
[10] قوله: (معه) زيادة من (ط).
[11] في النسخ الفروع: (منها).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

228# الحديث الثاني: فاطمة بنت أبي حبيش، قولها: (فَلَا أَطْهُرُ): أي: لا أنظف من الدَّم.

و(العِرْق): العاذل، وهذا العرق فمه في أدنى الرَّحم.


228- وبه قال: ((حدثنا محمَّد) 9 غير منسوب عند الأكثرين، وللأصيلي: (محمَّد بن سلَام) ، ولأبي ذر: (محمَّد) هو ابن سلام، ولغيرهما: (محمَّد) ؛ يعني: ابن سلَام؛ بتخفيف اللام، البيكندي ((قال: حدثنا)) ولابن عساكر: (أخبرنا) ((أبو معاوية)) هو محمَّد بن خازم؛ بالمعجمتين، الضرير، ((قال: حدثنا هشام)) ؛ أي: ابن عروة، كما عند الأصيلي، ((عن أبيه)) أي: عروة بن الزبير، ((عن عائشة)) الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها ((قالت)) أي: عائشة: ((جاءت فاطمة بنت)) وفي رواية: (ابنة) ((أبي حبيش)) ؛ بضمِّ الحاء المهملة، وفتح الموحدة، وسكون التحتية، آخره معجمة، القرشية الأسدية، واسم أبي حبيش قَيْس بن عبد المطلب بن أسد، هذا هو الصواب، وقد ذكره الذهبي في «التجريد»، كذا في «عمدة القاري»، فما زعمه ابن حجر من أنه قَيْس بن المطلب، وتبعه العجلوني خطأ؛ فافهم، ثم قال في «عمدة القاري»: (وهي غير فاطمة بنت قَيْس التي طُلِّقت ثلاثًا) انتهى، ((إلى النبيِّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) وهو متعلق بقوله: (جاءت) ((فقالت)) أي: فاطمة: ((يا رسول الله؛ إني امرأة)) وكلمة (إنَّ) لا تستعمل إلا عند إنكار المخاطب لقوله [1] أو التردد فيه، وما كان لرسول الله عليه السلام إنكار لاستحاضتها ولا تردد فيها، فوجه استعمالها ههنا يكون لتحقيق نفس القضية؛ إذ كانت بعيدة عن الوقوع نادرة الوجود؛ فلذلك أكدت قولها بكلمة (إن) ، كذا في «عمدة القاري»، ((أُسْتَحاض)) ؛ بضمِّ الهمزة، وسكون السين المهملة، وفتح المثناة الفوقية، قال الجوهري: (استحيضت المرأة؛ أي: استمر بها الدم بعد أيامها، فهي مستحاضة، وفي الشرع الحيض: الدم الخارج من الرحم، وهو موضع الولد لا يعقب ولادة مقدار وقت معلوم) ، وقال الإمام الكرخي: (الحيض دم تصير به المرأة بالغة بابتداء خروجه، والاستحاضة: اسم للدم الذي تراه في أيام أقل الحيض، أو في الزائد على أكثره، وكذا ما تراه الحامل، وما تراه المعتادة فوق عادتها وتجاوز العشرة، وكذا ما تراه قبل أن تبلغ تسع سنين، وكذا ما تراه النفساء زائدًا على عادتها وتجاوز الأربعين، وكذا ما زاد على الأربعين في النفاس، وكذا ما تراه الآيسة وهي أن تبلغ من السن ما لا تحيض مثلها فيه، أو هو مقدر بخمس وخمسين، فإن ذلك كله دم استحاضة لا يمنع صلاةً، ولا صومًا، ولا وطئًا، وسيأتي تمامه.

ووجه بناء الفعل للفاعل في الحيض، وللمفعول في الاستحاضة، فيقال: استحيضت أنَّه لما كان الأول معتادًا معروفًا؛ نسب إليها، والثاني لما كان نادرًا غير معروف الوقت وكان منسوبًا إلى الشيطان كما جاء أنها ركضة من الشيطان؛ بُنِيَ لما لم يسم فاعله، والسين فيه يجوز أن تكون للتحوُّل كما في استحجر الطين، وهنا أيضًا تحول دم الحيض إلى غير دمه؛ وهو دم الاستحاضة؛ فافهم، كذا قرره في «عمدة القاري»، والله أعلم.

((فلا أطهُر)) ؛ بضمِّ الهاء؛ أي: لا ينقطع دمي على العادة ،بل يستمر، ((أفأدع)) ؛ أي: أفأترك ((الصَّلاة؟)) فرضها ونفلها، وقد وجد في هذا التركيب الهمزة وهي تقتضي عدم المسبوقية بالغير، والفاء وهي تقتضي المسبوقية به، فكيف يجتمعان؟

وأجاب الكرماني: (بأن الهمزة مقحمة، وتوسطها جائز بين المعطوفين إذا كان عطف الجملة على الجملة؛ لعدم انسحاب ذكر الأول [/ص207/]

على الثاني، أو الهمزة ليست باقية على صرافة الاستفهامية؛ لأنَّها للتقرير هنا، فلا تقتضي الصدارة، أو هو عطف على مقدر؛ أي: أيكون لي حكم الحائض فأدع الصَّلاة؟) انتهى.

قال في «عمدة القاري»: (هذا سؤال على استمرار حكم الحائض في حالة دوام الدم وإزالته وهو كلام من تقرر عنده أن الحائض ممنوعة من الصَّلاة) انتهى.

والحاصل: أن في مثل هذا التركيب وجهين؛ أحدهما وعليه جمع: أن الهمزة مقدمة من تأخي؛ ر لصدارتها، وثانيهما وعليه جرى الإمام الزمخشري: أن الفاء للعطف على مقدر بين الهمزة والفاء؛ أي: أيكون لي حكم الحائض فأدع الصَّلاة؟

((فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: لا)) ؛ هي حرف من حروف الجواب التي يستغنى بها عما بعدها؛ أي: لا تدعي الصَّلاة أيام استحاضتك، ومثل الصَّلاة الصوم؛ أي: بل صلي وصومي ولو قطر الدم على الحصير، ((إنما ذلكِ)) بكسر الكاف ((عِرْق)) ؛ بكسر العين المهملة، وسكون الراء، وهو المسمى بالعاذِل؛ بالعين المهملة، والذال المعجمة المسكورة، وقد تهمل، وباللام أو بالراء؛ أي: دم عرق؛ لأنَّ الخارج ليس بعرق، كذا في «عمدة القاري»، وقال البيضاوي: (معنى «إنما ذلكِ عرق»؛ أي: أنه دم عرق انشق وليس بحيض، فإنه دم تميزه القوة المولدة هيأه الله تعالى من أجل الجنين، ويدفعه إلى الرحم في مجال مخصوصة، فيجتمع فيه، ولذلك سمي حيضًا من قولهم: استحوض الماء؛ أي: اجتمع، فإذا كثر وامتلأ الرحم ولم يكن فيه جنين، أو كان أكثر مما يحتمله الرحم؛ فإنه ينصب منه) انتهى ((وليس بحيض)) ؛ لأنَّ الحيض يخرج من أصل الرحم، وهذا يخرج من قعر الرحم، فهو دم عرق لا دم حيض، ((فإذا أقبلت)) أي: وجدت ((حَِيضتك؛ )) ؛ بفتح الحاء المهملة وكسرها، فالفتح للمرة، والكسر اسم للدم والخرقة التي تستثفر بها المرأة والحالة، وقال الخطابي: (المحدثون يقولون: بالفتح، وهو خطأ، والصواب الكسر؛ لأنَّ المراد بها الحالة) ، ورده القاضي عياض وغيره وقالوا: (الأظهر الفتح، وهو الموجود في «فرع اليونينية»؛ لأنَّ المراد إذا أقبل الحيض) ، كذا في «عمدة القاري»؛ ((فدعي الصَّلاة)) ؛ أي: اتركيها، ومثلها الصوم، والطواف، وغيرهما، ففيه: نهي المستحاضة عن الصَّلاة في زمن الحيض وهو نهي تحريم، ومقتضاه فساد الصَّلاة هنا بالإجماع، ويستوي فيها الفرض والنفل؛ لظاهر الحديث، ويتبعها الطواف، وصلاة الجنازة، وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر، وغيرها، ((وإذا أدبرت)) من الإدبار؛ وهو انقطاع الحيض؛ أي: إذا انقطعت حيضتك، وعلامة إدبار الحيض وانقطاعه والحصول في الطهر الزمان والعادة، فهو الفيصل بينهما، فإذا أضلت عادتها؛ تحرَّت، وإن لم يكن لها ظن؛ أخذت بالأقل، هذا مذهب الإمام الأعظم وأصحابه رضي الله عنه، وقال الشافعي: علامة انقطاع الحيض والحصول في الطهر أن ينقطع خروج الدم والصفرة والكدرة سواء خرجت رطوبة بيضاء أو لم يخرج شيء أصلًا، قاله النووي، وقال البيهقي: (التريَّة: رطوبة خفيفة لا صفرة ولا كدرة تكون على النفطة أثر لا لون، وهذا بعد انقطاع الحيض) ، قال في «عمدة القاري»: (التَرِيَّة؛ بفتح المثناة الفوقية، وكسر الراء، وتشديد الياء آخر الحروف) ، قال ابن الأثير: (التريَّة؛ بالتشديد: ما تراه بعد الحيض، والاغتسال منه من كدرة أو صفرة، وقيل: هو البياض الذي تراه عند الطهر، وقيل: هي الخرقة التي تعرف به المرأة حيضها من طهرها، والتاء فيه زائدة؛ لأنَّه من الرؤية، والأصل فيها الهمزة، ولكنهم تركوه وشددوا الياء، فصارت اللفظة كأنها فعيلة، وبعضهم يشدد الراء والياء) انتهى والله أعلم، ((فاغسلي عنك)) بكسر الكاف ((الدم)) وظاهره مشكل؛ لأنَّه لم يذكر الغسل ولا بد بعد انقضاء الحيض من الغسل، وأجيب: بأن الغسل وإن لم يذكر في هذه الرواية؛ فقد ذكر في رواية أخرى صحيحة، قال فيها: (فاغتسلي) ، والحديث يفسِّر بعضه بعضًا، وجواب آخر: وهو أن يحمل الإدبار على انقضاء أيام الحيض والاغتسال.

وقوله: (واغسلي عنك) محمول على دم يأتي بعد الغسل، والأول أوجه وأصح، وأما قول بعضهم: (فاغسلي عنك الدم) ؛ أي: واغتسلي؛ فغير موجَّه أصلًا، كذا في «عمدة القاري».

قلت: وأراد بقوله: (بعضهم) ابن حجر العسقلاني، فإنه لعدم اطلاعه [2] على الرواية الأخرى قال: أي: واغتسلي، ولا ريب في عدم توجيهه أصلًا؛ لأنَّه يخلُّ في الحكم، والإحالة بالدليل على المجهول لا يفيد شيئًا، فلا شك أن الدليل الصريح المذكور هو التحقيق، فكلام ابن حجر غير حقيق، وكلام «عمدة القاري» في غاية من التدقيق؛ فافهم.

((ثم صلي)) ؛ أي: الصَّلاة التي تدركينها [3] أوَّلًا، ففيه: أن الصَّلاة تجب بمجرد انقطاع دم الحيض، وأنها إذا مضى زمن حيضها؛ وجب عليها أن تغتسل في الحال لأوَّل صلاة تدركها، ولا يجوز لها بعد ذلك أن تترك صلاةً ولا صومًا، ويكون حكمها حكم الطاهرات؛ فلا يستظهر بشيء أصلًا، هذا مذهب الإمام الأعظم وأصحابه، وهو رواية عن مالك، وبه قال الشافعي، وفي رواية عن مالك: (أنها تترك الصَّلاة إلى انتهاء خمسةَ عشرَ يومًا، وهو أكثر مدة الحيض عنده) انتهى، ((قال)) أي: هشام بن عروة بالإسناد المذكور فهو موصول كما بينه الترمذي في روايته ((وقال أبِي)) بكسر الموحدة؛ أي: عروة بن الزبير: ((ثم توضئي)) بصيغة الأمر ((لكل)) وقت ((صلاة)) فرض، لا لكل صلاة فرض ولا نفل، فإنما كان وضوءها للوقت، فيبقى ببقائه ما لم تُحدِث حدثًا غيره، يدل لهذا ما رواه سبط ابن الجوزي عن الإمام الإعظم: أنه عليه السلام قال: «المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة»، وفي «شرح مختصر الحافظ الطحاوي»: روى الإمام الأعظم عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها: أن النبيَّ عليه السلام قال لفاطمة بنت أبي حبيش: «توضئي لوقت كل صلاة»، ولا شك أن هذا محكم لا يحتمل غيره بالنسبة إلى كل صلاة؛ لأنَّه لا يحتمل غيره بخلاف حديث: «توضئي لكل صلاة»، فإن الصَّلاة ـ أي: لفظ الصَّلاة ـ شاع استعمالها في لسان الشرع والعرف في وقتها، فمن الأول: قوله عليه السلام: «إن للصلاة أوَّلًا وآخرًا»؛ أي: لوقتها، فوجب حمل حديث: «توضئي لكل صلاة» على المحكم؛ لأنَّ (اللام) للوقت؛ كما في قوله تعالى: {لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] ؛ أي: زوالها، يقال: آتيك لصلاة الظهر؛ أي: وقتها، فكان ما رواه الشافعي نصًّا محتملًا للتأويل، وما رواه الإمام الأعظم مفسَّرٌ لا يحتمل التأويل، فيترجح عليه كما عرف في موضعه، على أن الحفاظ اتفقوا على ضعف حديث الشافعي، كذا حكاه النووي في «المهذب»، وباقي أصحاب الأعذار في حكم المستحاضة، فالدليل يشملهم، وسيأتي بقية الكلام عليه؛ فافهم، ((حتى يجيء ذلكِ)) بكسر الكاف ((الوقت)) ؛ أي: وقت إقبال الحيض، وادَّعى قوم من المحدثين: أن قوله: (ثم توضئي...إلى آخره) من كلام عروة موقوفًا عليه، وقال الكرماني: (السياق يقتضي الرفع إلى رسول الله عليه السلام) ، وقال ابن حجر: (لو كان من كلامه؛ لقال: ثم تتوضأ؛ بصيغة الإخبار، فلما أتى بصيغة الأمر؛ شاكل الأمر الذي في المرفوع وهو (اغسلي) قلت: وردهما في «عمدة القاري» فقال: (كلام كل من الكرماني وهذا القائل احتمال، فلا يقع به القطع، [/ص208/] ولا يلزم من مشاكلة الصيغتين) ، واعترضه العجلوني بقوله: (لم يدَّعيا القطع، بل أرادا الظهور).

قلت: لو أرادا الظهور لا القطع؛ لصرحا بالظهور، وعدم تصريحهما بالظهور دليل على ادعائهما القطع، وهو ممنوع، بل احتمالهما أيضًا ممنوع، والحق ما عليه الجماعة المحققون من أن قوله: (ثم توضئي...) إلخ من كلام عروة موقوفًا عليه بدليل ظاهر السياق، فإن ظاهره يدل على أنه موقوف على عروة؛ لأنَّ قوله: (قال: وقال أبي) يدل على ذلك، فإنه لو كان من المرفوع؛ لم يقل (قال: وقال أبي) ؛ بل أسقطها، ووصله.

وقوله: (ثم توضئي...) إلخ؛ مقول القول، ودعوى ابن حجر: أنه لو كان هذا كلام عروة؛ لقال: ثم تتوضأ؛ بصيغة الإخبار، فلما أتى بصيغة الأمر؛ شاكل الأمر الذي هو المرفوع، وهو قوله: (فاغسلي) ممنوع؛ لأنَّه لا يلزم من إتيانه بصيغة الأمر أن يكون مرفوعًا، وإنما أتي به بهذه الصيغة؛ لإفادة أنها مأمورة بالوضوء لوقت كل صلاة بدليل آخر غير هذا من الأحاديث التي أوردناها، والمشاكلة لا تدل على الرفع؛ لأنَّه يقع في الكلام كثير [4] مما ظاهره المشاكلة، ويكون الأمر على خلافه، فالحق ما عليه القوم من المحدثين من أنه موقوف على عروة، وليس من المرفوع، كما لا يخفى؛ فليحفظ.

قال في «عمدة القاري»: (وفي الحديث: جواز استفتاء المرأة بنفسها ومشافهتها الرجال فيما يتعلق بأمر من أمور الدين، وفيه: جواز استماع صوت المرأة عند الحاجة الشرعية، وفيه: دليل على نجاسة الدم، وفيه: دليل واضح على إيجاب الوضوء من خروج الدم من غير السبيلين؛ لأنَّه عليه السلام علل نقض الطهارة بخروج الدم من العرق، وكل دم يبرز من البدن؛ فإنما يبرز من عرق؛ لأنَّ العروق هي مجاري الدم من الجسد) ، وقال الخطابي: (وليس معنى الحديث ما ذهب إليه هؤلاء، ولا مراد رسول الله عليه السلام من ذلك ما توهموه، وإنما أراد أن هذه العلة إنَّما حدثت بها من تصدع العرق، وتصدُّع العرق علة معروفة عند الأطباء يحدث ذلك عند غلبة الدم، فتتصدَّع العروق إذا امتلأت تلك الأوعية) .

ورده في «عمدة القاري»: (بأنه ليس معنى الحديث ما ذهب إليه الخطابي؛ لأنَّه قيَّد إطلاق الحديث، وخصَّص عمومه من غير مخصص، وهو ترجيح بلا مرجح وهو باطل) انتهى.

قلت: على أن قوله عليه السلام في الحديث: «إنما ذلك عرق» يشمل جميع العروق التي في الجسد؛ لأنَّه قد أتى به نكرة، وهي في مثله تعمُّ، وإنما أراد عليه السلام بيان الحيض والاستحاضة، فبيَّن أن الاستحاضة هي التي تخرج من عروق البدن؛ لأنَّه مركَّب على العروق، وهي مجاري الدم، فكل دم يخرج؛ فإنما يخرج من العروق، وأما الحيض؛ فإنه يخرج من الرحم فقط، فما قاله الخطابي، وتبعه الكرماني غير ظاهر، وإنما هو من التعصُّب بمكان؛ لأنَّه كلام بارد، وبحث جامد، وهذا دأب الشافعية في الكلام، والله الموفق الموصل لكل مرام.

[1] في الأصل: (لدخوله)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (اضطلاعه)، وليس بصحيح.
[3] في الأصل: (تدركيها)، وليس بصحيح.
[4] في الأصل: (كثيرًا)، ولعل المثبت هو الصواب.