متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

209- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ) بضمِّ المُوَحَّدة وفتح المُعجَمَة في السَّابق، وبفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين [/ج1ص282/] المُهمَلة في اللَّاحق (مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ)؛ بضمِّ السِّين المُهمَلة وفتح الواوِ، وضمِّ نون «النُّعمان»، الأوسيَّ المدنيَّ، صحابيٌّ شهد أُحُدًا وما بعدها، وليس [1] له في «البخاريِّ» سوى هذا الحديث، ولم يروِ عنه سوى بُشَيْرُ بن يَسَارٍ الأوسيُّ المدنيُّ (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ خَيْبَرَ) غير منصرفٍ للعلميَّة والتَّأنيث، وسُمِّيت باسم رجلٍ من العماليق، اسمه خيبرُ، نزلها (حَتَّى إِذَا كَانُوا) الرَّسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم (بِالصَّهْبَاءِ) بالمدِّ (وَهِيَ أَدْنَى)؛ أي: أسفل (خَيْبَرَ)، وطرفها ممَّا يلي المدينة، وعند المؤلِّف في «الأطعمة» [خ¦5384] : وهي على روحةٍ من خيبر، (فَصَلَّى) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وللحَمُّويي: ((نزل فصلَّى)) [2] (الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالأَزْوَادِ): جمع زادٍ وهو: ما يُؤكَل في السَّفر (فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ) عليه الصلاة والسلام (بِهِ)؛ أي: بالسَّويق، (فَثُرِّيَ) بضمِّ المُثلَّثة، مبنيًّا للمفعول، ويجوز تخفيف الرَّاء؛ أي: بُلَّ بالماء؛ لِمَا لحقه من اليبس (فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) منه (وَأَكَلْنَا) منه، زاد في رواية سليمان الآتية [خ¦215] إن شاء الله تعالى: وشربنا، وفي «الجهاد» [خ¦2981] من رواية عبد الوهَّاب: فَلُكْنا وأكلنا وشربنا؛ أي: مِنَ الماء أو من مائع السَّويق، (ثُمَّ قَامَ إِلَى) صلاة (الْمَغْرِبِ فَمَضْمَضَ) قبل الدُّخول في الصَّلاة (وَمَضْمَضْنَا) كذلك (ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) بسبب أكل السَّويق، وفائدة المضمضة منه _وإن كان لا دسم له_ لأنَّه تحتبس بقاياه بين الأسنان [3] ونواحي الفم، فيشتغل ببلعه عن أمر [4] الصَّلاة، وهذا [5] يدلُّ على استحباب المضمضة بعد الطَّعام.

ورواة هذا الحديث الخمسة كلُّهم أجِلَّاء فقهاءُ كبارٌ مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في موضعين من كتاب «الطَّهارة» [خ¦215] ، وموضعين في «الأطعمة» [خ¦5384] ، [خ¦5390] وفي «المغازي» [خ¦4195] و«الجهاد» [خ¦2981] ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الطَّهارة» و«الوليمة»، وابن ماجه.

[1] في (د): «ليس».
[2] قوله: «وللحَمُّويي: «نزل فصلَّى»»، سقط من (ص).
[3] في (د) و(م): «بالأسنان».
[4] في غير (ب) و(س): «أحوال».
[5] في (ص): «هو».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

209-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ، قالَ: أخبَرَنا مالِكٌ، عن يَحْيَىَ بنِ سَعِيدٍ، عن بُشَيْرِ بنِ يَسَارٍ مَوْلَىَ بَنِي حارِثَةَ:

أَنَّ سُوَيْدَ بنَ النُّعْمَانِ أخبَرَهُ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عامَ خَيْبَرَ، حَتَّىَ إذا كانُوا بِالصَّهْباءِ، وَهِيَ أَدْنَىَ خَيْبَرَ، فَصَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَعا بِالأَزْوادِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّيَ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكَلْنا، ثُمَّ قامَ إلى المَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنا، ثُمَّ صَلَّىَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.

209- ( بُشَيْرِ ) بموحدة مضمومة وشين معجمة.

( يَسَارٍ ) بمثناة من تحت وسين مهملة.

( فَثُرِّيَ ) قال القرطبي: قيَّدْناه بتشديد الراء وتخفيفها، أي: بُلَّ بالماء لما كان لحقه من اليُبس.

قال الخطابي: وهو يدل على أن الوضوء مما مست النار منسوخ؛ لأنَّه متقدم، وخيبر إنَّما كانت سنة سبع.


209# (عَنْ بُشَيْرِ) بموحدة وشين معجمة، مصغَّر.

(ابْنِ يَسَارٍ) بمثناة من تحت مفتوحة وسين مهملة.

(فَثُرِّيَ) نُدِّي بالماء [1] ، ولُيِّنَ حتى صار كالثَّرَى.

قال القرطبي: قيَّدناه بتشديد الراء وتخفيفها. وقال [2] الخطَّابي: هذا يدلُّ على أن الوضوء [3] ممَّا مسَّته النار منسوخٌ؛ لأنه متقدِّم، وخيبرُ إنما كانت سنة [4] سبع.

[1] في (ق): ((ندى الماء)).
[2] في (ق): ((قال)).
[3] في (ق): ((الوصف)).
[4] في (ق): ((منه)).





209- قوله: (عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ [1] ): هذا هو الأنصاريُّ، وهو يحيى بن سَعِيد بن قيس بن عَمرو الأنصاريُّ، أبو سعيد، قاضي السَّفَّاح، عن أنس وابن المُسَيّب، وعنه: مالك، والقطَّان، حافظٌ فقيهٌ، إمامٌ حجَّةٌ، توفِّي سنة (143 هـ ) ، أخرج له الجماعة، ذكره في «الميزان» تمييزًا [2] .

قوله: (عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ): (بُشَيْرِ) ؛ بضمِّ الموحَّدة، وفتح الشِّين المعجمة؛ مصغَّر، و (يَسَارٍ): بالمثنَّاة تحتُ، ثُمَّ سين مهملة، روى عن أبي بردة بن نِيَار [3] ، ورافع بن خديج، وعدَّة، وعنه: يحيى بن سعيد، وابن إسحاق، وجماعة، أخرج له الجماعة، وثَّقه ابن معين، وقال ابن سعد: كان شيخًا كبيرًا فقيهًا، قد أدرك عامَّة الصَّحابة.

قوله: (عَامَ خَيْبَرَ): كانت خيبر في السَّنة السَّابعة، وقيل: آخر السَّادسة، قال مالك: (في السَّادسة) ، وقال الجمهور: في السَّابعة، وقطع ابن حزم: بأنَّها كانت في السَّادسة بلا شكٍّ، انتهى، ولعلَّ الخلاف مبنيٌّ على أوَّل التَّأريخ هل هو من شهر ربيع الأوَّل شهر مقدمه عليه الصَّلاة والسَّلام المدينة، أو من أوَّل المحرَّم من أوَّل السَّنة، وللناس طريقان، والجمهور على أنَّ التَّأريخ وقع من المحرَّم، وابن حزم يرى أنَّه في شهر ربيع الأوَّل حين قدم عليه الصَّلاة والسَّلام، وستأتي المسألة في خيبر والاختلاف في أوَّل التَّأريخ من أيِّ وقت أرَّخوا إن شاء الله تَعَالَى في مكانه.

قوله: (بِالصَّهْبَاءِ): هي -بفتح الصَّاد المهملة، ثُمَّ هاء ساكنة، ثُمَّ موحَّدة، وفي آخره همزة ممدودة- على روحة من خيبر.

قوله: (بِالسَّوِيقِ): هو قمح أو شعير يقلى، ثُمَّ يطحن فيُتزوَّد به، ويُستفُّ بماء يُثرى به، أو بسمن، أو بعسل [4] وسمن، قال ابن دريد: (بنو العنبر يقولونه بالصَّاد) .

قوله: (فَثُرِّيَ): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، مشدَّد، قال الدِّمياطيُّ: (ثرَّيت السَّويق؛ إذا بللته، والموضع أيضًا: رششته) انتهى، وكذا قال غيره ممَّن تقدَّم، ولكنِّي قصدي المحافظة على ذكر حواشيه، والله أعلم، وعن القرطبيِّ أنَّه قال [5] : قيَّدناه بتشديد الرَّاء وتخفيفها.

قوله: (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ): تقدَّم الكلام عليه أعلاه، وقبل ذلك أيضًا.

فائدة: مقصود البخاريِّ رحمه الله بالبابين المتقدِّمين ترك الوضوء ممذَا مسَّت النَّار، وقد صحَّت أحاديث بالوضوء مِنْهُ، وهي عند جمهورَي [6] الصَّحابة والتَّابعين منسوخة، وبذلك قال الأئمَّة الأربعة، وعدم الوضوء هو آخر الأمرين، وقد كان فيه خلاف لبعضهم في الصَّدر الأوَّل، ثُمَّ وقع الإجماع على خلافه، وحمل بعضهم الوضوء على اللُّغويِّ؛ وهو غسل الفم والكفَّين دون الشَّرعيِّ.

ثانية: صحَّ الأمر بالوضوء من لحم الإبل من حديث البراء وجَابِر بن سمرة رضي الله عنهم، وقال به أحمد وجماعة أهل الحديث، وهو قول الشَّافعيِّ في القديم، واختاره من أصحابه من المتأخِّرين النَّوويُّ، وهو مختار، وعامَّة الفقهاء على خلافه، وأنَّ المراد به النَّظافة ونفي الزهومة، والله أعلم.

[1] في (ج): (سعد) في الموضعين، وهو تصحيف.
[2] في (ج): (مميزًا) .
[3] في (ب): (ساد) ، وفي (ج): (سار) ، وكلاهما تحريف.
[4] زيد في (ب): (مشدد) .
[5] زيد في (ج): (فيه) .
[6] في (ب) و (ج): (جمهور) .





209- (فَصَلَّى): إنْ قلتَ: ما هذه الفاءُ؛ إذْ لا يجوزُ أن تكونَ للجزاءِ كما تقرَّرَ في النَّحوِ؟

قلتُ: (إِذَا) ظرفيَّةٌ لا جزائيَّةٌ، والفاءُ للعطفِ المَحْضِ.


209- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاريِّ (عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ) بضمِّ المُوَحَّدة وفتح المُعجَمَة في السَّابق، وبفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين [/ج1ص282/] المُهمَلة في اللَّاحق (مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ)؛ بضمِّ السِّين المُهمَلة وفتح الواوِ، وضمِّ نون «النُّعمان»، الأوسيَّ المدنيَّ، صحابيٌّ شهد أُحُدًا وما بعدها، وليس [1] له في «البخاريِّ» سوى هذا الحديث، ولم يروِ عنه سوى بُشَيْرُ بن يَسَارٍ الأوسيُّ المدنيُّ (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ خَيْبَرَ) غير منصرفٍ للعلميَّة والتَّأنيث، وسُمِّيت باسم رجلٍ من العماليق، اسمه خيبرُ، نزلها (حَتَّى إِذَا كَانُوا) الرَّسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم (بِالصَّهْبَاءِ) بالمدِّ (وَهِيَ أَدْنَى)؛ أي: أسفل (خَيْبَرَ)، وطرفها ممَّا يلي المدينة، وعند المؤلِّف في «الأطعمة» [خ¦5384] : وهي على روحةٍ من خيبر، (فَصَلَّى) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وللحَمُّويي: ((نزل فصلَّى)) [2] (الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالأَزْوَادِ): جمع زادٍ وهو: ما يُؤكَل في السَّفر (فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ) عليه الصلاة والسلام (بِهِ)؛ أي: بالسَّويق، (فَثُرِّيَ) بضمِّ المُثلَّثة، مبنيًّا للمفعول، ويجوز تخفيف الرَّاء؛ أي: بُلَّ بالماء؛ لِمَا لحقه من اليبس (فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) منه (وَأَكَلْنَا) منه، زاد في رواية سليمان الآتية [خ¦215] إن شاء الله تعالى: وشربنا، وفي «الجهاد» [خ¦2981] من رواية عبد الوهَّاب: فَلُكْنا وأكلنا وشربنا؛ أي: مِنَ الماء أو من مائع السَّويق، (ثُمَّ قَامَ إِلَى) صلاة (الْمَغْرِبِ فَمَضْمَضَ) قبل الدُّخول في الصَّلاة (وَمَضْمَضْنَا) كذلك (ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) بسبب أكل السَّويق، وفائدة المضمضة منه _وإن كان لا دسم له_ لأنَّه تحتبس بقاياه بين الأسنان [3] ونواحي الفم، فيشتغل ببلعه عن أمر [4] الصَّلاة، وهذا [5] يدلُّ على استحباب المضمضة بعد الطَّعام.

ورواة هذا الحديث الخمسة كلُّهم أجِلَّاء فقهاءُ كبارٌ مدنيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في موضعين من كتاب «الطَّهارة» [خ¦215] ، وموضعين في «الأطعمة» [خ¦5384] ، [خ¦5390] وفي «المغازي» [خ¦4195] و«الجهاد» [خ¦2981] ، وأخرجه النَّسائيُّ في «الطَّهارة» و«الوليمة»، وابن ماجه.

[1] في (د): «ليس».
[2] قوله: «وللحَمُّويي: «نزل فصلَّى»»، سقط من (ص).
[3] في (د) و(م): «بالأسنان».
[4] في غير (ب) و(س): «أحوال».
[5] في (ص): «هو».





209- ( الصَّهْبَاءِ ) بفتح المهملة والمدِّ.

( وَهِيَ أَدْنَى خَيْبَر ) هو مدرج من كلام يحيى بن سعيد.

( فَثُرِّى ) بضمِّ المثلَّثة وتشديد الرَّاء، ويجوز تخفيفها، أي: بُلَّ. [/ج1ص338/]


55/209# قال الإمام أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ، قالَ: أخبَرنا مالِكٌ، عن يَحْيَىَ بنِ سَعِيدٍ، عن بُشَيْرِ بنِ يَسَارٍ [1] ، مَوْلَىَ بَنِي حارِثَةَ:

أَنَّ سُوَيْدَ بنَ النُّعْمَانِ أخبَره: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عامَ خَيْبَرَ، حَتَّىَ إذا كانُوا بِالصَّهْباءِ، وَهِيَ أَدْنَىَ خَيْبَرَ، فَصَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَعا بِالأَزْوادِ، فَلَمْ يُؤْتَ إلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثُـــرِّيَ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَكَلْنا، ثُمَّ قامَ إلى المَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنا، ثُمَّ صَلَّىَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.

قوله: (فثُرِّي) أي: بُلَّ [2] ، ومنه الثَّرى، وهو التراب النَّدِيُّ، وأرضٌ ثَريَاءُ [3] ، أي: ندِية.

وفي صلاته بعد أكل السَّويق من غير إحداث وضوء دليلٌ على أنَّ أمْرَه بالوضوء ممَّا مَسَّت [4] النار [5] ، وممَّا غيَّرت النار [6] منسوخ [7] ؛ وإنَّما كانت خيبر سنة سَبع من مَقْدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة،

@%ص70%

وكان الأمر بالوضوء فيهما متقدِّماً، وهما حديثان، في أحدهما الوضوء ممَّا مسَّت النار، وفي الآخر الوضوء ممَّا غيَّرت النار، والسويق ممَّا قد [8] مسَّته النارُ؛ وإن لم يكن لها فيه بيانُ تغيير، وأمَّا اللحم وإنضاجُه بالطبْخ فهو الذي قد غيَّرته النارُ، والأمران معاً لا تجب فيهما [9] الطَّهارة عند عامَّة العلماء.

[1] في (ر): (بشير بن بشار).
[2] في (ط): (بلَّه).
[3] في (أ): (ثرية) وفي (م): (تربة).
[4] في (ط): (مسته).
[5] انظر: سنن أبي داود رقم (195) وسنن النسائي رقم (171)
[6] انظر: سنن النسائي رقم (174)
[7] انظر: سنن أبي داود رقم (192)
[8] (قد): سقط من (ط).
[9] في (ط): (منهما).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

209# [(الصَّهْبَاء): موضع] على روحة من خيبر، [وفي رواية: (و] هي أدنى خيبر).

قوله: (فَثُرِّيَ): أي: صبَّ عليه ماء ثمَّ لتَّ.

ووجه المضمضة منه: ربَّما احتبس في الأسنان فربما شغل المصلِّي بما يتبعه بلسانه ويمنعه من الخشوع والخضوع.


209- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) ؛ أي: التِّنِّيسي ((قال: أخبرنا مالك)) ؛ أي: ابن أنس الأصبحي، ((عن يحيى بن سعِيد)) ؛ بكسر العين؛ أي: الأنصاري، ((عن بُشَير)) بضم الموحدة، وفتح المعجمة، والتصغير ((بن يَسَار)) ؛ بفتح التحتية والمهملة: الخازن ((مولى بني حارثة)) : كان شيخًا فقيهًا، أدرك عامَّة أصحاب النبي الأعظم عليه السلام: ((أنَّ سُوَيْد)) بضم المهملة، وفتح الواو [1] وسكون التحتية ((بن النُّعمان)) ؛ بضم النُّون: الأنصاري الأوسي المدني، من أصحاب بيعة الرضوان ((أخبره أنَّه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عامَ خيبر)) ؛ بالنصب على الظرفية؛ أي: سنة غزوة رسول الله عليه السلام لها، وكانت سنة سبع، و (خيبر) : بلدة معروفة، بينها وبين المدينة نحو أربع مراحل، وقال أبو عبيد: ثمانية برد، وسميت باسم رجل من العماليق نزلها، واسمه خيبر بن فانية بن مهلائيل، وكان عثمان رضي الله عنه مصَّرها، وهي غير منصرفة؛ للعلمية والتأنيث، فتحها رسول الله عليه السلام، واختلف في فتحها؛ قيل: فتحت عنوة، وقيل: صلحًا، وقيل: بعضها صلحًا وبعضها عنوة، وتمامه في «عمدة القاري»، ((حتى إذا كانوا)) ؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام وأصحابه الكرام، ((بالصَّهْباء)) ؛ بفتح الصَّاد المهملة، وسكون الهاء والموحدة الممدودة ((وهي)) ؛ أي: الصَّهباء ((أدنى خيبر)) ؛ أي: أسفلها وطرفها من جهة المدينة، وعند المؤلف في (الأطعمة) : (وهي على روحة من خيبر) ، وهذه الزيادة مدرجة من قول يحيى بن سعيد، كما عند المؤلف في موضع آخر من (الأطعمة) ، وقال البكري في «معجم البلدان»: (هي على بريد) انتهى ((فصلى)) : الفاء فيه لمحض العطف وليست للجزاء؛ لأنَّ قوله: (إذا كانوا) ليست جزائية، بل هي ظرفية؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام، ((العصر)) ؛ أي: صلاة العصر، وفي رواية: (نزل فصلى العصر) ، فظهر بروايتهما أن الفاء لعطف (فصلى) على (نزل) المقدر لا على (كانوا) ، كما تقدم، أفاده في «عمدة القاري».

((ثم دَعا)) ؛ بفتح الدَّال؛ أي: النبي الأعظم عليه السلام ((بالأزواد)) ؛ جمع زاد؛ بالزاي: وهو طعام يتخذه المسافر في سفره، ((فلم يُؤت)) بضم التحتية ((إلا بالسويق)) : المعلوم مما سبق، ((فأمر به)) عليه السلام بالسويق أن يثرى؛ ((فثُرِّي)) ؛ بضم المثلثة وتشديد الرَّاء المكسورة ويجوز تخفيفها على صيغة المجهول؛ أي: بُلَّ بالماء لما لحقه من اليبس، يقال: ثرَّيته تثرية؛ إذا رششته بالماء، ((فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: من السويق، ((وأكلنا)) ؛ أي: منه، زاد المؤلف في رواية سليمان الآتية: (وشربنا) ، وعنده في (الجهاد) من رواية عبد الوهاب: (فلكَّينا وأكلنا وشربنا) ؛ أي: من الماء أو من مائع السويق، ((ثم قام)) عليه السلام ((إلى)) صلاة ((المغرب)) ؛ أي: أراد أن يصلي صلاة المغرب، فطلب ماء، ((فمضمض)) فاه به قبل أن يشرع في الصلاة، ((ومضمضنا)) كذلك، ((ثم صلى)) ؛ أي: صلاة المغرب، وصلينا خلفه ((ولم يتوضأ)) ؛ أي: بسبب أكل السويق، ولم يأمرنا بالوضوء.

ففيه المطابقة لجزئي الترجمة، وفائدة المضمضة منه وإن كان لا دسم له: أنه لا بد أن تحتبس بقاياه بين الأسنان ونواحي الفم فيشتغل بتتبعه باللسان عن الصلاة.

وفي الحديث: حمل الأزواد في الأسفار، وأن ذلك لا ينافي التوكل، قال المهلب: وفي الحديث: أن الإمام يأخذ المحتكرين بإخراج الطعام عند قلته؛ ليبيعوه لأهل الحاجة، وأن الإمام ينظر لأهل العسكر ليجمع الزاد؛ ليصيب منه من لا زاد معه.

وقال الخطابي: فيه دليل على أن الوضوء مما مست النار منسوخ؛ لأنَّه متقدم، وخيبر سنة سبع، واعترضه ابن حجر: بأنه لا دلالة فيه؛ لأنَّ أبا هريرة حضر بعد فتح خيبر وروى الأمر بالوضوء، كما في «مسلم»، وأنه كان يفتي به بعد النبي عليه السلام، ورده في «عمدة القاري»: بأنه لا يستبعد ذلك؛ لأنَّ أبا هريرة ربما أنه يرويه عن صحابي كان أسلم قبله، فيسنده إلى النبي عليه السلام؛ لأنَّ الصحابة كلهم عدول، واعترض: بأنه لا يستقيم في الذي يقول فيه أبو هريرة: سمعته من النبي عليه السلام.

قلت: وفيه نظر؛ لأنَّه ربما أنه يكون قد سمعه قَبْلُ منه عليه السلام، وسمع صحابيُّ غيره النسخ، ولم يبلغ أبا هريرة، وإن ثبت عند غيره، ويقول: إنِّي سمعته من النبي عليه السلام، والحال أنه منسوخ ولم يبلغه النسخ؛ فليتأمل.

وفي الحديث: جواز أداء صلاتين فأكثر بوضوء واحد، قال ابن حجر: (وفيه: استحباب المضمضة بعد الطعام) ، واعترضه في «عمدة القاري»: بأن المؤلف لم يضع هذا الباب لذلك هنا، وإن كان يفهم منه ذلك، انتهىوتمامه في «عمدة القاري»، والله تعالى الهادي.

[1] في الأصل: (الرَّاء) ، ولعله تحريف عن المثبت.