متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

169- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريِّ رضي الله عنه (أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ)؛ أي: أبصرت (رَسُولَ اللهِ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((النَّبيَّ)) (صلى الله عليه وسلم وَ) الحال أنَّه قد (حَانَتْ)؛ بالمُهمَلَة؛ أي: قَرُبَتْ (صَلَاةُ الْعَصْرِ)، وهو بالزَّوراء، كما زاده [1] قتادة عند المؤلِّف [خ¦3572] ، سوقٌ بالمدينة، (فَالْتَمَسَ)؛ أي: طلب (النَّاسُ الْوَضُوءَ)؛ بفتح الواو: الماء الذي يُتوضَّأ به، (فَلَمْ يَجِدُوهُ)، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فلم يجدوا)) [2] ؛ بغير الضَّمير المنصوب؛ أي: فلم يصيبوا الماء، (فَأُتِيَ)؛ بضمِّ الهمزة، مبنيًّا للمفعول [/ج1ص253/] (رَسُولُ اللهِ) بالرَّفع مفعولٌ نائبٌ [3] عن الفاعل، (صلى الله عليه وسلم بِوَضُوءٍ)؛ بفتح الواو؛ أي: بإناءٍ فيه ماءٌ؛ ليتوضَّأ به، وفي رواية ابن المُبَارك: فجاء رجلٌ بقدحٍ فيه ماءٌ يسيرٌ، وروى المُهلَّب: أنَّه كان مقدار وضوء رجلٍ واحدٍ، (فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ وَأَمَرَ) عليه الصلاة والسلام (النَّاسَ أَنْ)؛ أي: بأن (يَتَوَضَّؤُوا)؛ أي: بالتَّوضُّؤ (مِنْهُ)؛ أي: من ذلك الإناء، (قَالَ) أنسٌ رضي الله عنه: (فَرَأَيْتُ)؛ أي: أبصرت (الْمَاءَ) حال كونه (يَنْبُعُ)؛ بتثليث المُوحَّدة؛ أي: يخرج (مِنْ تَحْتِ)، وفي روايةٍ: ((يفور من بين)) (أَصَابِعِهِ)، فتوضَّؤوا (حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ)؛ أي: توضَّأ النَّاس ابتداءً من أوَّلهم حتَّى انتهَوا إلى آخرهم، ولم يبقَ منهم أحدُ، والشَّخص الذي هو آخرهم داخلٌ في هذا الحكم؛ لأنَّ السِّياق يقتضي العموم والمُبالَغَة؛ لأنَّ «عندَ» هنا تُجعَل لمُطلَق الظَّرفيَّة، حتَّى تكون بمعنى: «في»، كأنَّه قال: حتَّى توضَّأ الذين هم في آخرهم، وأنسٌ داخل فيهم إذا قلنا: يدخل المُخاطِب _بكسر الطَّاء_ في عموم خطابه، أمرًا أو [4] نهيًا أو خبرًا، وهو مذهب الجمهور، وقال بعضهم: «حتَّى»: حرف ابتداءٍ، مستأنفٌ بعده جملةٌ اسميَّةٌ، أو فعليَّةٌ فعلها ماضٍ؛ نحو: {حتَّى عفَوا} [الأعراف: 95] ، وحتَّى توضَّؤوا، أو مضارعٌ؛ نحو: {حتَّى يقولُ الرَّسول} في قراءة نافعٍ، و«من»: للغاية لا للبيان؛ خلافًا للكرمانيِّ؛ لأنَّها لا تكون للبيان [5] إلَّا إذا كان فيما قبلَها إبهامٌ، ولا إبهامَ هنا.

وبقيَّة المباحث تأتي _إن شاء الله تعالى_ في «علامات النُّبوَّة» [خ¦3573] ، واستُنبِط من هذا الحديث: استحباب التماس الماء لمن كان على غير طهارةٍ، والرَّدُّ على من أنكر المعجزة من المَلَاحِدة، واغتراف المتوضِّئ من الماء القليل. وهو من الرُّباعيَّات، ورجاله ما بين تنيسيٍّ ومدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المصنِّف [6] في «علامات النُّبوَّة» [خ¦3573] ، ومسلمٌ في الفضائل [7] ، والتِّرمذيُّ في «المناقب»، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة» والله تعالى أعلم.

[1] في (ب) و(س): «رواه».
[2] «فلم يجدوا»: سقط من (د).
[3] في (ص) و(م): «ناب».
[4] في (ص) و(م) «و».
[5] «لأنَّها لا تكون للبيان»: سقط من (م).
[6] في (د): «المؤلف».
[7] «في الفضائل»: سقط من (س).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

169-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ، قالَ: أخبَرَنا مالِكٌ، عن إِسْحاقَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي طَلْحَةَ:

عن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ [1] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحانَتْ صَلاةُ العَصْرِ، فالْتَمَسَ النَّاسُ الوَضُوءَ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ذَلِكَ الإِناءِ يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّؤُوا مِنْهُ، قالَ: فَرَأَيْتُ الماءَ يَنْبُعُ [2] مِنْ تَحْتِ أَصابِعِهِ، حَتَّىَ تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ.

[1] في رواية أبي ذر و [عط] : «النَّبيَّ».
[2] أشار في هامش (ب، ص) إلى تثليث الباء من: «ينبع».





169- ( فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ ) بفتح الواو: اسم للماء.

( يَنبُع ) بفتح أوله وضم ثالثه وفتحه أو كسره ثلاث لغات.

( دعا بوَضوء ) بفتح الواو اسم للماء.

( ثم غسل رجله ) كذا بالإفراد لأكثرهم [1] ، ولأبي ذر: «رجليه» بالتثنية.

[1] قال ابن حجر رحمه الله: ليس هذا في محله. اهـ. أي لم ترد هذه اللفظة في هذا الحديث، وإنَّما هي في أحاديث أخرى.





169# (فَالْتَمَسَ النَّاسُ الْوَضُوءَ) بالفتح: اسم للماء، كما مرَّ.

(يَنْبُعُ) بفتح أوله وتثليث ثالثه، لغاتٌ ثلاث.


169- قوله: (الوَضُوءَ): في الحديث هو بفتح الواو: الماء، وقد تقدَّم أعلاه وقبله: (أنَّه يجوز الضَّمُّ) .

قوله: (فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (أُتِيَ): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (رَسُولُ): مرفوع، قائم مقام الفاعل.

قوله: (بِوَضُوءٍ): هو بفتح الواو: وهو الماء، ويجوز الضَّمُّ، وقد تقدَّم أعلاه وقبله مرَّات.

قوله: (يَنْبعُ): هو بضمِّ الموحَّدة، وفتحها، وكسرها، حكاه الجوهريُّ.

قوله: (مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ): اعلم أنَّ في كيفيَّة هذا النَّبْعِ قولين -حكاهما القاضي وغيره-؛ أحدهما -ونقله القاضي عنِ المزنيِّ [1] وأكثر العلماء-: أنَّ معناه: أنَّ الماء كان يخرج مِن نَفس أصابعه الشريفة صلَّى الله عليه وسلَّم، وتَنبع [2] من ذَاتها، قالوا: وهو أعظم في المعجزة من نبعه من حجر، ويؤيِّد هذا: أنَّه جاء في رواية: (فرأيت الماء ينبع من أصابعه) ، والثَّاني: أنَّه يحتمل أنَّ الله تعالى أكثر الماء في ذاته، فصار يفور من بين أصابعه، لا من نفسها، وكِلَاهما معجزة ظاهرة، وآية باهرة، والله أعلم.

فائدة: قال ابن عبد البَرِّ في أوَّل «الاستيعاب» -وقد ساق حديث جَابِرٍ رضي الله عنه: (لو كنَّا مئة ألف؛ لكفانا) - ما لفظه: (وقد ذكرنا طرق ذلك في «التَّمهيد» بما بان به أنَّ ذلك كان منه صلَّى الله عليه وسلَّم مرَّات في مَواطِن شتَّى) انتهى.

وقال شيخنا الشَّارح عنِ ابن حِبَّان -يعني: بكسر الحاء، وتشديد الموحَّدة- في «صحيحه» قال: (وهذا اتفق له صلَّى الله عليه وسلَّم في مواطن متعدِّدة؛ ففي بعضها: «أُتِي بقدح رحراح [3] »، وفي بعضها: «زجاج»، وفي بعضها: «جفنة»، وفي بعضها: «ميضأة»، وفي بعضها: «مزادة»، وفي بعضها: «كانوا خمسَ عشرةَ مئة»، وفي بعضها: «ثمان مئة»، وفي بعضها: «زهاء ثلاث مئة»، وفي بعضها [4] : «ثمانين»، وفي بعضها: «سبعين») انتهى.

وسيجيء في حديث جَابر في هذا [/ج1ص84/] «الصَّحيح» في حديث جَابر في قصَّة نبع الماء من بين أصابعه صلَّى الله عليه وسلَّم: (أنَّهم كانوا ألفًا وأربع مئة) ، وفي رواية عنه: (أنَّهم كانوا خمسَ عشرةَ مئة) ، وهذه القصَّة كانت بالحُدَيْبِيَة، وفي عِدَّة أصحاب الحُدَيْبِيَة اختلاف، سأذكره في مكانه إنْ شاء الله تَعَالَى وقدَّره.

[1] في (ج): (المزي) .
[2] (وتنبع): ليس في (ج) .
[3] في (ب): (دحراح) ، وفي (ج): (زجاج) .
[4] في (أ): (بعض) .





169- (يَنْبُعُ): حالٌ مِنَ المفعول؛ إذْ (رَأَيْتُ) بمعنى: أبصرتُ لا يَقتضي إلَّا مفعولًا واحدًا.


169- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) الأنصاريِّ رضي الله عنه (أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ)؛ أي: أبصرت (رَسُولَ اللهِ)، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((النَّبيَّ)) (صلى الله عليه وسلم وَ) الحال أنَّه قد (حَانَتْ)؛ بالمُهمَلَة؛ أي: قَرُبَتْ (صَلَاةُ الْعَصْرِ)، وهو بالزَّوراء، كما زاده [1] قتادة عند المؤلِّف [خ¦3572] ، سوقٌ بالمدينة، (فَالْتَمَسَ)؛ أي: طلب (النَّاسُ الْوَضُوءَ)؛ بفتح الواو: الماء الذي يُتوضَّأ به، (فَلَمْ يَجِدُوهُ)، ولغير الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فلم يجدوا)) [2] ؛ بغير الضَّمير المنصوب؛ أي: فلم يصيبوا الماء، (فَأُتِيَ)؛ بضمِّ الهمزة، مبنيًّا للمفعول [/ج1ص253/] (رَسُولُ اللهِ) بالرَّفع مفعولٌ نائبٌ [3] عن الفاعل، (صلى الله عليه وسلم بِوَضُوءٍ)؛ بفتح الواو؛ أي: بإناءٍ فيه ماءٌ؛ ليتوضَّأ به، وفي رواية ابن المُبَارك: فجاء رجلٌ بقدحٍ فيه ماءٌ يسيرٌ، وروى المُهلَّب: أنَّه كان مقدار وضوء رجلٍ واحدٍ، (فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ وَأَمَرَ) عليه الصلاة والسلام (النَّاسَ أَنْ)؛ أي: بأن (يَتَوَضَّؤُوا)؛ أي: بالتَّوضُّؤ (مِنْهُ)؛ أي: من ذلك الإناء، (قَالَ) أنسٌ رضي الله عنه: (فَرَأَيْتُ)؛ أي: أبصرت (الْمَاءَ) حال كونه (يَنْبُعُ)؛ بتثليث المُوحَّدة؛ أي: يخرج (مِنْ تَحْتِ)، وفي روايةٍ: ((يفور من بين)) (أَصَابِعِهِ)، فتوضَّؤوا (حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ)؛ أي: توضَّأ النَّاس ابتداءً من أوَّلهم حتَّى انتهَوا إلى آخرهم، ولم يبقَ منهم أحدُ، والشَّخص الذي هو آخرهم داخلٌ في هذا الحكم؛ لأنَّ السِّياق يقتضي العموم والمُبالَغَة؛ لأنَّ «عندَ» هنا تُجعَل لمُطلَق الظَّرفيَّة، حتَّى تكون بمعنى: «في»، كأنَّه قال: حتَّى توضَّأ الذين هم في آخرهم، وأنسٌ داخل فيهم إذا قلنا: يدخل المُخاطِب _بكسر الطَّاء_ في عموم خطابه، أمرًا أو [4] نهيًا أو خبرًا، وهو مذهب الجمهور، وقال بعضهم: «حتَّى»: حرف ابتداءٍ، مستأنفٌ بعده جملةٌ اسميَّةٌ، أو فعليَّةٌ فعلها ماضٍ؛ نحو: {حتَّى عفَوا} [الأعراف: 95] ، وحتَّى توضَّؤوا، أو مضارعٌ؛ نحو: {حتَّى يقولُ الرَّسول} في قراءة نافعٍ، و«من»: للغاية لا للبيان؛ خلافًا للكرمانيِّ؛ لأنَّها لا تكون للبيان [5] إلَّا إذا كان فيما قبلَها إبهامٌ، ولا إبهامَ هنا.

وبقيَّة المباحث تأتي _إن شاء الله تعالى_ في «علامات النُّبوَّة» [خ¦3573] ، واستُنبِط من هذا الحديث: استحباب التماس الماء لمن كان على غير طهارةٍ، والرَّدُّ على من أنكر المعجزة من المَلَاحِدة، واغتراف المتوضِّئ من الماء القليل. وهو من الرُّباعيَّات، ورجاله ما بين تنيسيٍّ ومدنيٍّ وبصريٍّ، وفيه التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المصنِّف [6] في «علامات النُّبوَّة» [خ¦3573] ، ومسلمٌ في الفضائل [7] ، والتِّرمذيُّ في «المناقب»، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة» والله تعالى أعلم.

[1] في (ب) و(س): «رواه».
[2] «فلم يجدوا»: سقط من (د).
[3] في (ص) و(م): «ناب».
[4] في (ص) و(م) «و».
[5] «لأنَّها لا تكون للبيان»: سقط من (م).
[6] في (د): «المؤلف».
[7] «في الفضائل»: سقط من (س).





169- ( حَانَتْ ) بالمهملة: قربت.

( فَالْتُمِسَ ): بالبناء للمفعول، وللكُشْمِيهنيِّ: «فالتمسوا».

( وَحَانَ ) للكُشْمِيهنيِّ: ( وحانت ).

( فَلَمْ يَجِدُوا ) وله: «فلم يجدوه».

( يَنْبُعُ ): بضمِّ الموحَّدة، ويجوز كسرها وفتحها وأوَّله مفتوح.

( حَتَّى تَوَضّؤوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ ) قال الكرمانيُّ: ( حتَّى ) للتَّدريج، و ( من ) للبيان، أي: توضَّأ النَّاس حتَّى توضَّأ الذين هم عند آخرهم، وهو كناية عن جميعهم، و ( عند ) بمعنى في، لأنَّ ( عند ) وإن كانت [/ج1ص316/]للظَّرفيَّة الخاصَّة، لكنَّ المبالغة تقتضي أن تكون لمطلق الظَّرفيَّة، وكأنَّه قال: الذين هم في آخرهم.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

169- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) أي: التِّنِّيسي ((قال: أخبرنا مالك)) ؛ أي: ابن أنس الأصبحي، ((عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة)) واسمه زيد بن سهل الأنصاري، ((عن أنس بن مالك)) خادم النبي الأعظم عليه السلام الأنصاري رضي الله عنه أنَّه ((قال: رأيت)) ؛ أي: بصرت، فلذا اقتصر على مفعول واحد ((النبيَّ)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ((صلى الله عليه وسلم)) ، وجملة ((وحانت)) ؛ بالمهملة؛ أي: قربت، وفي رواية بإسقاط الواو ((صلاة العصر)) ؛ أي: وقتها: حالية بتقدير (قد) عند البصريين، فالواو للحال، وزاد قتادة: (وهو بالزوراء) ، وهو سوق بالمدينة كما يأتي للمؤلف، ((فالتمس)) أي: طلب ((الناس الوَضوء)) ؛ بفتح الواو: الماء الذي يتوضأ به ((فلم يجدوه)) وفي رواية: (فلم يجدوا) ؛ بدون الضمير المنصوب، وهو من الوجدان بمعنى الإصابة؛ أي: فلم يصيبوا الماء، ((فأُتي)) ؛ بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول، وفي رواية: (فأتوا) ، قال في «عمدة القاري»: (والصحيح من الرواية: «فأُتي»؛ بصيغة المجهول) انتهى ((رسول الله صلى الله عليه وسلم بوَضوء)) ؛ بفتح الواو؛ أي: بإناء فيه الماء الذي يتوضأ به، ولا ينافي ما سبق من أنَّهم لم يجدوا ماء؛ لأنَّ المنفيَّ وجوده لهم، أو لأنَّهم طلبوه بعد ذلك فوجدوه له عليه السلام، وقدَّمنا أنَّه كان ذلك في سوق بالمدينة يسمى الزوراء، ورواه ابن المبارك بلفظ: (فجاء رجل بقدح فيه ماء يسير، فصغر أن يبسط النبيُّ عليه السلام فيه كفه، فضم أصابعه) ، وروى المهلب: (أنَّه كان مقدار وَضوء رجل واحد) ، ورواه المؤلف في باب (الغسل في المخضب) بلفظ: (فأُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمخضب فيه ماء، فصغر أن يبسط فيه كفه) ، ((فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الإناء يده)) ؛ بالنصب على المفعولية؛ أي: يده اليمنى بعد أن ضمَّ أصابعه؛ لصغر الإناء كما سبق، والإشارة إلى الإناء المعبر عنه بالوَضوء بالفتح؛ لأنَّ الماء لا بدَّ له من إناء؛ فافهم.

((وأمر)) النبي الأعظم عليه السلام ((الناس أن)) ؛ أي: بأن ((يتوضؤوا)) فـ (أن) مصدرية؛ أي: بالتوضؤ ((منه)) ؛ أي: من ذلك الإناء، فضمير (يتوضؤوا) يعود على (الناس) ، وكانوا خمس عشرة مئة، وفي بعض الروايات: ثمان مئة، وفي بعضها: زهاء ثلاث مئة، وفي بعضها: ثمانين، وفي بعضها: سبعين، ((قال)) ؛ أي: أنس كما صرح به في رواية: ((فرأيت)) أي: أبصرت ((الماء)) ، وجملة ((يَنبع)) ؛ بفتح التحتية، وتثليث الموحدة؛ أي: يخرج، محلها نصب على الحال، وقد علم أنَّ الجملة الفعلية إذا وقعت حالًا؛ تأتي بلا واو إذا كان فعلها مضارعًا، وإنما لا يجوز أن تكون الجملة مفعولًا ثانيًا لـ (رأيت) ؛ لأنَّ (رأيت) هنا بمعنى أبصرت، فلا تقتضي إلَّا مفعولًا واحدًا كما سبق نظيره؛ فافهم، ((من تحت)) وفي رواية: (ينفجر من أصابعه كأمثال العيون) ، وفي رواية: (يفور من بين) ((أصابعه)) عليه السلام كلها كما يفيده الإطلاق، لكن في رواية: (سكب ماء ركوة، ووضع إصبعه وبسطها، وغمسها في الماء) ، فهي تدل على أن النبع كان من إصبع واحدة، وقد يقال: أطلق البعض وأراد الكل لاستلزام وضع

[/ص134/] الإصبع الواحدة لجميع الأصابع كما في أكثر الروايات، أو يحمل على تعدد القصة؛ لأنَّه عليه السلام وقع له هذا الأمر في مواطن كثيرة؛ فتأمل.

فتوضؤوا ((حتى توضؤوا من عند آخرهم)) ؛ أي: توضأ الناس ابتداء من أولهم حتى انتهوا إلى آخرهم، ولم يبق منهم أحد، والشخص الذي هو آخرهم داخل في هذا الحكم؛ لأنَّ السياق يقتضي العموم والمبالغة؛ لأنَّ (عند) هنا تجعل لمطلق الظرفية حتى تكون بمعنى (في) ، فكأنَّه قال: حتى توضأ الذين هم في آخرهم، وأنس رضي الله عنه داخل في عموم لفظ (الناس) ، ولكن الأصوليين اختلفوا في أن المخاطِب -بكسر الطاء- داخل في عموم متعلق خطابه أمرًا أو نهيًا أو خبرًا أم غير داخل؟ والجمهور: على أنه داخل، كذا قرره في «عمدة القاري»، ثم قال: و (حتى) هنا حرف ابتداء، وهو كناية عن توضؤ جميعهم حتى أنس كما مر؛ يعنيتُبتدَأ بعده الجملة المستأنفة وهي اسمية وفعلية، فالفعلية يكون فعلها ماضيًا ومضارعًا؛ نحو: {حَتَّى عَفَوْا} [الأعراف: 95] ، و«حتى توضؤوا»، ونحو: {حَتَّى يَقُولُ الرَّسُولُ} [البقرة: 214] في قراءة نافع، و (من) للغاية وهو الغالب عليها حتى ادَّعى قوم أنَّ سائر معانيها راجعة إليها، وزعم الكرماني: أنَّ (من) للبيان، وردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّه إنَّما تكون (من) للبيان إذا كان فيما قبلها إبهام، ولا إبهام هنا على أنَّ (من) التي للبيان كثيرًا ما يقع بعد [1] (ما) و (مهما) [2] ؛ لإفراط إبهامهما؛ نحو: {مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ} [فاطر: 2] ، و{مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ} [الأعراف: 132] ، ومع هذا أنكر قوم مجيء (من) للبيان، انتهى.

وتعقَّبه العجلوني، فقال: (وقد يقال: في ضمير «توضؤوا» إبهام، فيصح البيان) انتهى.

قلت: وهو مردود؛ لأنَّ الجماعة الحاضرين يومئذ كلهم معلومون معروفون للنبي الأعظم عليه السلام الدَّال عليهم ضمير (توضؤوا) ، فلا إبهام أصلًا على أنه قد سبق أن عددهم معلوم على اختلاف الروايات، فمن أين جاء الإبهام؟! ولا يقول ذلك إلا من أحاط به الوهم والأوهام.

ونبع الماء من بين أصابعه عليه السلام أعظم معجزة مما أوتيه موسى عليه السلام حين ضرب بعصاه الحجر في الأرض؛ لأنَّ الماء معهود أن يتفجر من الحجارة، وليس بمعهود أن يتفجر من بين الأصابع؛ لأنَّها من لحم ودم، فلم يعهد من غيره عليه السلام، وهذه القضية -كما قاله عياض- رواها الثقات من العدد الكثيرعن الجم الغفير عن الكافَّة متصلًا عمن حدَّث بها من جملة الصحابة، وإخبارهم أن ذلك كان في مواطن اجتماع الكثير منهم من محافل المسلمين، ومجمع العساكر، ولم يُرْوَ عن أحد من الصحابة مخالفة الراوي فيما رواه، ولا إنكار عما ذكر عنهم أنَّهم رأوه كما رآه، فسكوت الساكت منهم كنطق الناطق منهم؛ لأنَّهم المنزهون عن السكوت على الباطل والمداهنة في كذب، وليس هناك رغبة ولا رهبة تمنعهم، فهذا النوع كله ملحق بالقطعي من معجزاته عليه السلام، وبهذا يرد على ابن بطال؛ حيث قال: هذا الحديث شهده جماعة كثيرة من الصحابة إلا أنَّه لم يرو إلَّا من طريق أنس، وذلك -والله أعلم- لطول عمره، ويطلب الناس العلو في السند، انتهى فافهم.

وفي الحديث عدم وجوب طلب الماء للتطهير قبل دخول الوقت؛ لأنَّه عليه السلام لم ينكر عليهم التأخير، فدل على الجواز، وذكر ابن بطال: أنَّ الإجماع على أنَّه إن توضأ قبل الوقت؛ فحسن.

قلت: والتيمم كالوضوء، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، وقال الشافعي: لا يجوز قبل دخول الوقت، ورد: بأنَّه لا فرق بينهما فمن أجاز الوضوء قبل دخول الوقت؛ يلزمه أن يجيز التيمم أيضًا؛ لأنَّه خلف عن الوضوء، والخلف يتبع الأصل فيما هو من لوازمه، وأوصافه، وأحكامه، لا يقال: إن الوضوء لا يحتاج إلى النية، والتيمم محتاج لها؛ لأنَّا [3] نقول: إن الماء خلق مطهرًا بنفسه بنص القرآن، والتراب ليس كذلك، بل هو ملوث، فبهذا الاعتبار احتاج إلى النية؛ فافهم واحفظ.

وفيه دلالة على أنَّه يستحب طلب الماء لمن كان على غير طهارة، وعند دخول الوقت يجب، وفيه رد على من ينكر المعجزة من الملاحدة، وفيه دليل على وجوب المساواة عند الضرورة لمن كان عنده [4] فضلة ماء عن وضوئه، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (بعدها)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في الأصل: (وهما)، ولعل المثبت هو الصواب.
[3] في الأصل: (لأن) .
[4] في الأصل: (في)، ولعل المثبت هو الصواب.