متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

161- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) اسمه: عبد الله بن عثمان المروزيُّ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ)؛ أي: ابن المُبارَك، (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ بن شهابٍ، (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (أَبُو إِدْرِيسَ) عائذ الله _بالهمزة والذَّال المُعجَمَة_ ابن عبد الله الخولانيُّ _بالمُعجَمَة_ التَّابعيُّ الجليل، قاضي دمشق لمعاوية، المُتوفَّى سنة ثمانين، (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ)، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت عنِ المُستملي: ((أنَّه قال)): (مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ)؛ بأن يُخرِج ما في أنفه من أذًى بعد الاستنشاق؛ لِما فيه من تنقية مجرى النَّفَس الذي به تلاوة القرآن، وبإزالة ما فيه من الثُّفْل تصحُّ مجاري الحروف، وفيه طرد الشَّيطان؛ لِما [1] عند المؤلِّف رحمه الله في «بدء الخلق» [خ¦3295] : «إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضَّأ [2] ؛ فليستنثر ثلاثًا، فإنَّ الشَّيطان يبيت على خيشومه»، والخيشوم: أعلى الأنف، ونوم الشَّيطان عليه حقيقةٌ أو هو على الاستعارة؛ لأنَّ ما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم قذارةٌ توافق الشَّياطين [3] ، فهو على عادة العرب في نسبتهم المُستخبَث والمُستبشَع [4] إلى الشَّيطان، أو ذلك عبارةٌ عن تكسيله عن القيام إلى الصَّلاة، ولا مانع من حمله على الحقيقة، وهل مبيته لعموم النَّائمين أو مخصوصٌ بمن لم يفعل ما يحترس به [5] في منامه؛ كقراءة آية «الكرسيِّ»؟ وظاهر الأمر فيه: للوجوب، فيلزم من قال بوجوب الاستنشاق لورود الأمر به _كأحمد وإسحاق وغيرهما_ أن يقول به في الاستنثار، وظاهر كلام صاحب «المغني» من الحنابلة أنَّهم يقولون بذلك، وأنَّ مشروعيَّة الاستنشاق لا تحصل إلَّا بالاستنثار، وقول العينيِّ: إنَّ الإجماع قائمٌ على عدم وجوبه، يردُّه تصريح ابن بطَّالٍ: بأنَّ بعض العلماء قال بوجوبه، وقال الجمهور: إنَّ الأمر فيه للنَّدب، مستدلِّين له بما أخرجه التِّرمذيُّ وحسَّنه، والحاكم وصحَّحه، من قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابيِّ: «من توضَّأ كما أمر الله...» فأحال [6] على الآية، وليس فيها ذكر الاستنشاق، (وَمَنِ اسْتَجْمَرَ)؛ أي: مسح محلِّ النَّجو بالجمار؛ وهي الأحجار الصِّغار؛ (فَلْيُوتِرْ)، وحمله بعضهم على استعمال البَخور، فإنَّه يُقال: تجمَّر واستجمر؛ أي: فلْيأخذ ثلاث قطعٍ من الطِّيب ويتطيَّب ثلاثًا أو أكثر وترًا، حكاه ابن حبيبٍ عن ابن عمرَ، ولا يصحُّ، وكذا حكاه ابن عبد البرِّ عن مالكٍ، وروى ابن خزيمة في «صحيحه» عنه خلافه، والأظهر الأوَّل [7] .

[1] في (م): «كما».
[2] «فتوضَّأ»: سقط من (م).
[3] في (ص) و(م): «الشَّيطان».
[4] في (م): «المستشنع».
[5] في (م): «منه».
[6] في (م): «فأحاله».
[7] في (د): «خلافًا، والأوَّل أظهر».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

161-. حدَّثنا عَبْدانُ، قالَ: أخبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ، قالَ: أخبَرَنا يُونُسُ، عن الزُّهْرِيِّ، قالَ: أخبَرَني أبو إِدْرِيسَ:

أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ [1] قالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ».

[1] قوله: «أنَّهُ»: ثابت في رواية أبي ذر عن المُستملي ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت أيضًا.





لا تتوفر معاينة

161# (عَبْدَانُ) بعين مهملة مفتوحة فموحدة [1] ساكنة، غير مصروفٌ.

(فَلْيَسْتَنْثِرْ) يستفْعِل؛ من النثر، وهو رميُ الماء من الأنفِ بعد استنشاقهِ.

قال الخطَّابي: مأخوذ من النَّثْرَة، وهي الأنف.

[1] ((فموحدة)): ليست في (ق).





161- قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ): تقدَّم أنَّه عَبْد الله بن عثمان بن جَبَلَة بن أبي روَّاد العتكيُّ المروزيُّ، وتقدَّم بعض ترجمته، ولم قيل له: عبدان.

قوله: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ): هذا هو عَبْد الله بن المبارك، العالم الزَّاهد، المجاهد المشهور، شيخ خراسان.

قوله: (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) [1] : هو ابن يزيد الأيليُّ، تقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): تقدَّم مرارًا أنَّه أَبُو بكر [2] محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عَبْد الله بن شهاب، العلم [3] ، شيخ الإسلام.

قوله: (أَخْبَرَنِي أَبُو إِدْرِيسَ): هو عائذ الله بن عَبْد الله أَبُو إدريس الخولانيُّ، أحد الأعلام، حديثه عن أبي ذرٍّ عند «مسلم»، وَحديثه عن أبي الدرداء، وحذيفة، وعبادة في «البخاريِّ» و«مسلم»، وعنه: مكحول، والزُّهريُّ، وربيعة بن يزيد [4] ، قال سعيد بن عبد العزيز: (كان عالم أهل الشام بعد أبي الدرداء) ، قيل: ولد يوم حُنين، ومات سنة (80 هـ ) ، روى له الجماعة.

قوله: (أَبَا هُرَيْرَةَ): تقدَّم مرارًا أنَّه عبد الرَّحمن بن صخر على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا.

[1] زيد في (ج): (هذا) .
[2] (أبو بكر): ليس في (ب) .
[3] في (ج): (العالم) .
[4] في (أ) و (ب): (مزيد) ، والمثبت من المصادر هو الصواب.





لا تتوفر معاينة

161- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) اسمه: عبد الله بن عثمان المروزيُّ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ)؛ أي: ابن المُبارَك، (قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ) بن يزيد الأيليُّ، (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمِ بن شهابٍ، (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالتَّوحيد (أَبُو إِدْرِيسَ) عائذ الله _بالهمزة والذَّال المُعجَمَة_ ابن عبد الله الخولانيُّ _بالمُعجَمَة_ التَّابعيُّ الجليل، قاضي دمشق لمعاوية، المُتوفَّى سنة ثمانين، (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ)، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت عنِ المُستملي: ((أنَّه قال)): (مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ)؛ بأن يُخرِج ما في أنفه من أذًى بعد الاستنشاق؛ لِما فيه من تنقية مجرى النَّفَس الذي به تلاوة القرآن، وبإزالة ما فيه من الثُّفْل تصحُّ مجاري الحروف، وفيه طرد الشَّيطان؛ لِما [1] عند المؤلِّف رحمه الله في «بدء الخلق» [خ¦3295] : «إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضَّأ [2] ؛ فليستنثر ثلاثًا، فإنَّ الشَّيطان يبيت على خيشومه»، والخيشوم: أعلى الأنف، ونوم الشَّيطان عليه حقيقةٌ أو هو على الاستعارة؛ لأنَّ ما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم قذارةٌ توافق الشَّياطين [3] ، فهو على عادة العرب في نسبتهم المُستخبَث والمُستبشَع [4] إلى الشَّيطان، أو ذلك عبارةٌ عن تكسيله عن القيام إلى الصَّلاة، ولا مانع من حمله على الحقيقة، وهل مبيته لعموم النَّائمين أو مخصوصٌ بمن لم يفعل ما يحترس به [5] في منامه؛ كقراءة آية «الكرسيِّ»؟ وظاهر الأمر فيه: للوجوب، فيلزم من قال بوجوب الاستنشاق لورود الأمر به _كأحمد وإسحاق وغيرهما_ أن يقول به في الاستنثار، وظاهر كلام صاحب «المغني» من الحنابلة أنَّهم يقولون بذلك، وأنَّ مشروعيَّة الاستنشاق لا تحصل إلَّا بالاستنثار، وقول العينيِّ: إنَّ الإجماع قائمٌ على عدم وجوبه، يردُّه تصريح ابن بطَّالٍ: بأنَّ بعض العلماء قال بوجوبه، وقال الجمهور: إنَّ الأمر فيه للنَّدب، مستدلِّين له بما أخرجه التِّرمذيُّ وحسَّنه، والحاكم وصحَّحه، من قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابيِّ: «من توضَّأ كما أمر الله...» فأحال [6] على الآية، وليس فيها ذكر الاستنشاق، (وَمَنِ اسْتَجْمَرَ)؛ أي: مسح محلِّ النَّجو بالجمار؛ وهي الأحجار الصِّغار؛ (فَلْيُوتِرْ)، وحمله بعضهم على استعمال البَخور، فإنَّه يُقال: تجمَّر واستجمر؛ أي: فلْيأخذ ثلاث قطعٍ من الطِّيب ويتطيَّب ثلاثًا أو أكثر وترًا، حكاه ابن حبيبٍ عن ابن عمرَ، ولا يصحُّ، وكذا حكاه ابن عبد البرِّ عن مالكٍ، وروى ابن خزيمة في «صحيحه» عنه خلافه، والأظهر الأوَّل [7] .

[1] في (م): «كما».
[2] «فتوضَّأ»: سقط من (م).
[3] في (ص) و(م): «الشَّيطان».
[4] في (م): «المستشنع».
[5] في (م): «منه».
[6] في (م): «فأحاله».
[7] في (د): «خلافًا، والأوَّل أظهر».





لا تتوفر معاينة

46/161# قال الإمام أبو عبد الله: حدَّثنا عَبْدانُ، قالَ: حدثنا عَبْدُ اللهِ: حدثنا يُونُسُ، عن الزُّهْرِيِّ، قالَ: أخبَرني أبو إِدْرِيسَ:

أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم : أَنَّهُ قالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ».

الاستنثار: نَفْضُ ما في الأنف [1] بعد

@%ص63%

استنشاق الماء، وقد [2] أوجبه بعضُ الفقهاء، ورأى الصلاة فاسدةً إنْ لم يستنثر المتوضِّئُ، والحديثُ حُجَّةٌ له؛ لأنَّ ظاهرَ الأمر الإيجابُ.

والاستجمار: الاستنجاء بالأحجار؛ ومنه رَمي الجمار في الحجِّ، وهي الحَصَا التي يُرمى بها في أيَّام مِنىً، هكذا فَسَّره مالك بن أنس، وكذلك قاله أبو عبيد [3] وغيره.

وأخبرني عبد الرحمن بن الأسد، قال: حدَّثنا الدَّبَرِيُّ، عن عبد الرزَّاق، قال: سُئل مَعْمر عن الاستجمار، قال: يريد المجمر. وهو [4] غلط.

وفي قوله: (مَن استجمر فليوتر) دليل على وجوب استيفاء عدد الثلاث في الاستنجاء؛ إذ [5] كان معقولاً أنَّه لم يُرد به الوتر الذي هو واحدٌ فَرد [6] ؛ لأنَّه زيادةُ وَصفٍ [7] على اسم [8] ، والاسم لا يحصل بأقلَّ من واحد، فعُلم أنَّه إنَّما قصد به ما زاد على الواحد، وأدناه [9] الثلاث.

[1] في النسخ الفروع زيادة: (قلت أنا: مأخوذ من النثرة، وهو الأنف).
[2] في النسخ الفروع: (ولهذا).
[3] في النسخ الفروع: (أبو عبيدة)، وانظر غريب الحديث لأبي عبيد: 1/102
[4] في (ر): (وهذا).
[5] في الأصل: (إذا) والمثبت من (ط).
[6] في (ط): (فقط).
[7] (وصف) سقطت من (ط)، وفي النسخ الفروع: (صفة).
[8] في النسخ الفروع: (على الاسم).
[9] في النسخ الفروع: (وأقله).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

161- وبه قال: ((حدثنا عَبْدان)) ؛ بفتح المهملة، وسكون الموحدة: هو لقب عبد الله بن عثمان المروزي ((قال: أخبرنا عبد الله)) : هو ابن المبارك ((قال: أخبرنا يونس)) : هو ابن يزيد الأيلي، ((عن الزهري)) : محمد بن مسلم بن شهاب ((قال: أخبرني)) بالإفراد ((أبو إدريس)) : عائذ الله؛ بالهمزة، والذال المعجمة، ابن عبد الله الخولاني؛ بالمعجمة، التابعي القاضي بدمشق لمعاوية رضي الله عنهما، المتوفى بقرية داريا الكبرى من أعمال دمشق سنة ثمانين، وقبره معروف يزار ويتبرك به: ((أنَّه سمع أبا هريرة)) : عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه، ((عن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم أنَّه قال)) وسقط لفظ: (أنَّه) في رواية: ((من توضأ)) كلمة (من) : موصولة تتضمن معنى الشرط، ولهذا دخلت الفاء في جوابه، وهو قوله: ((فليستنثر)) ؛ أي: فليخرج الماء من الأنف بعد الاستنشاق مع ما في الأنف من مخاط، وغبار، ونحوه، وذلك لما فيه من المعونة على القراءة، وتنقية مجرى النفس الذي به التلاوة، وبإزالة ما[/ص124/]فيه من التفل تصح مجارى الحروف، أو لما فيه من التنظيف وطرد الشيطان؛ لأنَّه روي عن أبي هريرة -كما أخرجها المؤلف في (بدء الخلق) -: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضَّأ؛ فليستنثر ثلاثًا؛ فإن الشيطان يبيت على خيشومه»، والخيشوم: أعلى الأنف، ونوم الشيطان عليه حقيقة، أو هو على الاستعارة؛ لأنَّ ما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم قذارة توافق الشياطين، فهو على عادة العرب في نسبتهم المستخبث والمستبشع إلى الشيطان، أو ذلك عبارة عن تكسُّله عن القيام إلى الصلاة، قلت: وهذا هو الظاهر، ولا مانع من حمله على الحقيقة.

وهل مبيته لعموم النائمين أو مخصوص بمن لم يفعل ما يحترس به في منامه كقراءة آية الكرسي؟

قلت: والظاهر: أنَّه مخصوص بذلك؛ فليحفظ.

وقدَّمنا أنَّ الأَولى أن يدخل إصبعه في أنفه؛ لأنَّه قد يوجد فيه بعض وسخ لزج لا يخرجه الماء، بل الإصبع، ثم هذا الأمر عند الإمام الأعظم والجمهور للندب، ويدلُّ له ما رواه الترمذي وحسنه،والحاكم وصحَّحه من قوله عليه السلام للأعرابي: «توضَّأ كما أمرك الله تعالى»، فأحاله على الآية، وليس فيها ذكر الاستنشاق، ولأن غسله باطن الوجه غير مأخوذ علينا في الوضوء، لكن ظاهر الأمر: أنَّه للوجوب، فيلزم من قال: بوجوب الاستنشاق؛ لورود الأمر به كأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وابن المنذر أنَّه يقول: بوجوب الاستنثار لذلك، ولأن الاستنثار إنَّما يكون من الاستنشاق، فلذا لم يذكره هنا، وهو ظاهر كلام صاحب «المغني» من الحنابلة، وقال ابن بطال: وقد أوجب بعض العلماء الاستنثار لظاهر الحديث، وبما تقرر يعلم بطلان قول النووي: الإجماع على عدم وجوبه قائم، وليس القائل بالإجماع صاحب «عمدة القاري»، كما توهمه القسطلاني.

وأجاب ابن حجر عن حديث الأعرابي: بأنَّه يحتمل أن يراد بالأمر ما هو أعمُّ من آية الوضوء، فقد أمر الله باتباع نبيه، وهو المبيِّن عن الله تعالى أمره، ولم يحكِ أحدٌ ممَّن وصف وضوءه عليه السلام أنَّه ترك الاستنشاق، بل ولا المضمضة، وهو يردُّ على من لم يوجب المضمضة أيضًا، وثبت الأمر بها أيضًا في «سنن أبي داود».

وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتجَّ على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به إلا لكونه لا يعلم خلافًا في أن تاركه لا يعيد، وهذا دليل فقهي، فإنَّه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة ولا التابعين إلا عن عطاء، وثبت عنه: أنَّه رجع عن إيجاب الإعادة.

وردَّه في «عمدة القاري»: بأن القرينة الحالية والمقالية ناطقة صريحًا بأنَّ المراد من قوله عليه السلام للأعرابي: «كما أمرك الله»: الأمر المذكور في آية الوضوء، وليس فيها ما يدلُّ على وجوب الاستنشاق، بل ولا على المضمضة، ولأنَّه لو كان الأمر أعم لبيَّن له عليه السلام كيفية الوضوء، ولما أحاله على الآية.

وقوله: (ولم يحك أحد...) إلخ: مردود؛ بأن الأعرابي قد ترك الاستنشاق والمضمضة؛ لأنَّه لم يوجد في الآية ذكرهما، فعمل بالآية حيث أحاله عليه السلام عليها، وقول ابن المنذر...إلخ: يدلُّ على ما قلناه، وإن استدلَّ القائل على وجوبهما بمواظبة النبي عليه السلام عليهما من غير ترك، فإنَّه يلزمه أن يقول بوجوب التسمية أيضًا؛ لأنَّه لم ينقل أنَّه عليه السلام ترك التسمية فيه، ومع هذا فهي سنة أو مستحبة عند الجمهور حتى عند إمام هذا القائل الشافعي، انتهى بزيادة، وتمامه في «كشف الحجاب عن العوام».

ولم يذكر في هذه الرواية عددًا، وقد ورد في رواية سفيان عن أبي الزناد، ولفظه: «وإذا استنثر؛ فليستنثر وترًا»، أخرجه الحميدي في «مسنده»، وأصله لمسلم، وقوله: (وترًا) شامل للواحد والثلاث وما فوقهما من الأوتار، وورد في رواية للمؤلف [1] : «فليستنثر ثلاثًا»، كما ذكرناها، ويمكن أن تكون هذه الرواية مبينة لتلك الرواية، فتكون السنة فيه ثلاثًا كالاستنشاق؛ فافهم.

والمستحب: أن يستنثر بيده اليسرى، وقد بوَّب عليه النسائي، ويكره أن يكون بغير يده؛ لأنَّه يشبه فعل الدابة، وقيل: لا يكره.

((ومن)) : موصولة تتضمن معنى الشرط ((استجمر)) : من الاستجمار؛ وهو مسح محل البول والغائط بالجمار؛ وهي الأحجار الصغار، لكن المراد الأعم يقال: الاستطابة والاستجمار والاستنجاء؛ لتطهير محل الغائط والبول، والاستجمار مختص بالمسح بالأحجار، والاستطابة والاستنجاء يكونان بالماء والأحجار، وقال ابن حبيب: وكان ابن عمر رضي الله عنهما يتأوَّل الاستجمار هنا على إجمار الثياب بالمجمر، ونحن نستحب الوتر في الوجهين جميعًا، يقال في هذا: تجمر واستجمر، فيأخذ ثلاث قطع من الطيب أو يتطيب مرات واحدة بعد الأولى، وحكي ذلك عن مالك، لكن هذا لا يصح، والأظهر الصحيح: الأول، وإنما سُمِّي التمسح بالجمار التي هي الأحجار الصغار [استجمارًا] ؛ لأنَّه يطيب المحل كما يطيبه الاستجمار بالبخور، ومنه سميت: جمار الحج؛ وهي الحصيات التي نرمي بها، أو هو محمول على تجمير سرير الميت عند الغسل إن لو صح ما قاله ابن حبيب، لكن نص غير واحد أنَّه غير مراد، والمراد ما ذكرناه؛ فليحفظ؛ فافهم.

وجواب الشرط قوله: ((فليوتر)) ؛ أي: فليجعل الحجارة التي يستنجي بها فردًا إما واحدة أو ثلاثًا أو خمسًا، والواحد يطلق عليه: وتر بإجماع أهل اللغة؛ فافهم.

ففيه دليل ظاهر، وحجة مستقيمة لإمامنا رأس المجتهدين الإمام الأعظم وأصحابه: إلى أن الاستنجاء ليس فيه عدد مسنون؛ لأنَّ الإيتار يقع على الواحد كما يقع على الثلاث، والحديث دال على الإيتار فقط.

فإن قيل: تعيين الثلاث من نهيه عليه السلام عن أن يستنجي بأقل من ثلاث أحجار.

قلت: لمَّا دل حديث أبي هريرة الصحيح: «من فعل؛ فقد أحسن، ومن لا؛ فلا حرج» على عدم اشتراط التعيين؛ حمل هذا على أن النهي فيه كان لأجل الاحتياط؛ لأنَّ التطهير غالبًا إنَّما يحصل بالثلاث، ونحن أيضًا نقول: إذا تحقق شخص أنَّه لا يطهر إلا بالثلاث؛ يتعين عليه الثلاث، والتعيين ليس لأجل التوقيت فيه، وإنما هو للإنقاء الحاصل فيه حتى إذا احتاج إلى رابع أو خامس وهلمَّ جرًّا؛ يتعين عليه ذلك؛ فافهم، وهو مذهب مالك وغيره.

وزعم البرماوي وتبعه العجلوني بأنَّه يلزم استعمال الأمر في حقيقته ومجازه معًا، وهو مردود، بل هو من باب عموم المجاز، وهو أن تجعل الحقيقة فردًا من أفراد ذلك المجاز، كما عرف في كتب الأصول، كما لا يخفى على من له أدنى وصول؛ فافهم.

وبما قررناه؛ اندفع قول الخطابي: فيه دليل على وجوب عدد الثلاث؛ إذ إنَّه لم يرد به الوتر الذي هو واحد فرد؛ لأنَّه زيادة صفة على الاسم، والاسم لا يحصل بأقل من واحد، يعلم أنَّه إنَّما قصد به ما زاد على الواحد وأدناه ثلاث؛ فانظر وتعجب من هذه المكابرة والمحاولة.

وفي الحديث: دلالة على نفي وجوب الاستنجاء للإتيان فيه بحرف الشرط، وهو ظاهر، وقدر بعضهم فقال: ومن أراد أن يستجمر؛ فليوتر، فلا يبقى فيه دلالة على وجوب الاستجمار، فثبت أنَّ الاستنجاء بالماء وبالأحجار سنة لا واجب، وهو مذهب إمامنا الإمام الأعظم والجمهور خلافًا للشافعي؛ فليحفظ.

[1] في الأصل: (المؤلف)، ولعل المثبت هو الصواب.