متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

120- وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ، (قَالَ: حَدَّثَنِي)؛ بالتَّوحيد، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (أَخِي) عبد الحميد بن أبي أويسٍ، (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن السَّابق قريبًا، (عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ) بضمِّ المُوحَّدَة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه أنَّه (قَالَ: حَفِظْتُ عِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((من)) بدل ((عن))، وهي أصرح في تلقِّيه مِنَ [1] النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بلا واسطةٍ، (وِعَاءَيْنِ)؛ بكسر الواو والمدِّ، تثنية وعاءٍ، وهو من باب ذكر المحلِّ وإرادة الحالِّ؛ أي: نوعين من العلم، (فَأَمَّا أَحَدُهُمَا)؛ أي: أحد ما في الوعاءين من نوعيِ العلم؛ (فَبَثَثْتُهُ)؛ بمُوحَّدَةٍ مفتوحة، ومُثلَّثتين، بعدهما مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، ودخلته «الفاء»؛ لتضمُّنه معنى الشَّرط؛ أي: نشرته، زاد الإسماعيليُّ [2] : «فبثثته في النَّاس»، (وَأَمَّا) الوعاء (الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ)؛ أي: نشرته في النَّاس؛ (قُطِعَ)، وفي روايةٍ: ((لَقُطِعَ)) (هَذَا الْبُلْعُومُ)؛ بضمِّ المُوحَّدَة، مرفوع؛ لكونه ناب عن الفاعل، وكنَّى به عن القتل، وزاد في رواية ابن عساكر والأَصيليِّ وأبي الوقت وأبي ذَرٍّ عن [3] المُستملي: ((قال أبو عبد الله))؛ أي: البخاريُّ: ((البلعوم: مجرى الطعام؛ أي: في الحلق، وهو المريء))، قاله القاضي والجوهريُّ وابن الأثير، وعند الفقهاء: الحلقوم: مجرى النَّفَس خروجًا ودخولًا، والمريء: مجرى الطَّعام والشَّراب، وهو تحت الحلقوم، والبلعوم تحت الحلقوم، وأراد بالوعاء الأوَّل: ما حفظه من الأحاديث، وبالثَّاني: ما كتمه من أخبار الفتن وأشراط السَّاعة، وما أخبر به الرَّسول عليه الصلاة والسلام من فساد الدِّين على يدي أغيلمةٍ من سفهاء قريشٍ، وقد كان أبو هريرة يقول: لو شئت أن أسمِّيَهم لَسمَّيتهم، أوِ المُرَاد: الأحاديث التي فيها تبيين أسماء أمراء الجور وأحوالهم وذمُّهم، وقد كان أبو هريرة يكنِّي عن بعض ذلك ولا يصرِّح؛ خوفًا على نفسه منهم؛ كقوله: أعوذ بالله من رأس السِّتِّين وإمارة الصِّبيان، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية؛ لأنَّها كانت سنة ستِّين من الهجرة، واستجاب الله تعالى دعاء أبي هريرة، فمات قبلها بسنةٍ، وسيأتي ذلك مع مزيدٍ له في كتاب «الفتن» [خ¦7058] إن شاء الله تعالى، أوِ المُرَاد به: علم الأسرار الَمصُون عن الأغيار، المختصُّ بالعلماء بالله تعالى من أهل العرفان والمُشاهَدَات والإتقان [4] ، الذي هو نتيجة علم الشَّرائع، والعمل بما جاء به الرَّسول صلى الله عليه وسلم، والوقوف عند ما حدَّهُ، وهذا لا يظفر به إلَّا الغوَّاصُّون في بحر المُجاهَدَات، ولا يسعد به إلَّا المصطَفَون [5] بأنوار المُشاهَدَات، لكن في كون هذا هو المُرَاد نظرٌ؛ من حيث إنَّه لو كان كذلك؛ لَماَ وسع أبا هريرةَ كتمانه، مع ما ذكره من الآية الدَّالَّة على ذمِّ كتمان العلم لا سيَّما هذا الشَّأن الذي هو لبُّ ثمرة العلم [6] وأيضًا فإنَّه نفى بثَّه على العموم من غير تخصيصٍ، فكيف يُستدَلُّ به لذلك؟ وأبو هريرة لم يكشف مستوره فيما أعلم، فمن أين علم أنَّ الذي كتمه هو هذا؟ فمن ادَّعى ذلك؛ فعليه البيان، فقد ظهر أنَّ الاستدلال بذلك لطريق القوم فيه ما فيه، على أنَّهم في غنيةٍ عنِ الاستدلال؛ إذِ الشَّريعة ناطقةٌ بأدلَّتهم، ومن تصفَّح [7] الأخبار وتتبَّع الآثار مع التَّأمُّل والاستنارة بنور الله؛ ظهر له ما قلته، والله يهدينا إلى سواء السَّبيل.

[1] في (د): «عن».
[2] في (ب) و(س): «الأصيلي»، وهو خطأٌ.
[3] في (ب) و(س): «و»، وهو خطأٌ.
[4] في (ص): «الايقان».
[5] في (ص): «المصفون».
[6] قوله: «لا سيَّما هذا الشَّأن الذي هو لبُّ ثمرة العلم»، سقط من (م).
[7] في (ص): «تصحف»، وهوتحريفٌ.





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

120-. حدَّثنا إِسْماعِيلُ، قالَ: حدَّثني [1] أَخِي، عن ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: حَفِظْتُ مِنْ [2] رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِعاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُما فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ [3] هذا البُلْعُومُ [4] .

[1] في رواية الأصيلي: «حدَّثنا».
[2] في رواية أبي ذر والحَمُّويِي والمستملي: «عن».
[3] في رواية [عط] : «لَقُطِعَ».
[4] في رواية أبي ذر ورواية ابن عساكر عن أبي الوقت ورواية الأصيلي و [ح] زيادة: «قال أبو عبد الله: البُلعومُ: مجرى الطعام». كتبت بالحمرة.





120- ( وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ ) بضم الباء: مجرى الطعام في الحَلْق، قيل: هذا في أمر الفتن وتعيين المنافقين والمرتدين ونحوه مما لا تعلُّق له بأمر الدِّين. [/ج1ص78/]


120# (وَأَمَّا الآخَرُ، فَلَوْ بَثَثْتُهُ [1] ) أظهرته وأشعته.

(لقُطِع [2] هَذَا الْبُلْعُومُ) بضم [3] الباء: مجرى الطعام من [4] الحلق [5] .

وهذا محمولٌ على أمرِ الفتن [6] ، وتعيين المنافقين والمرتدين، ونحو ذلك مما [7] لا تعلُّق له بحكم شرعيٍّ، وقد اتخذ الباطنية هذا الكلام وَزَراً في تصحيح باطلهم واعتقادهم أن للشريعة ظاهراً وباطناً بقول أبي هريرة هذا، ولا تمسكَ لهم فيه بوجهٍ.

[1] في (م): ((بينته)).
[2] في المتن: ((قطع)).
[3] في (ق): ((وبضم)).
[4] في (ق): ((في)).
[5] في (د): ((الطعام والحلق)).
[6] في (ق): ((العتق)).
[7] في (م) و(ج): ((ما)).





120- قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ): تقدَّم مرَّات أنَّ هذا ابن أبي أويس، ابن أخت مالك الإمام، وتقدَّم بعض ترجمته، وأنَّ اسم أبي أويس عبد الله.

قوله: (حَدَّثَنِي أَخِي): قال الدِّمياطيُّ في «حاشيته»: (عبد الحميد -يعني: أخاه ابن أبي أويس عبد الله- بن عبد الله بن أويس بن مالك) انتهى، وعبد الحميد هذا هو ابن أخت مالك كأخيه إسماعيل، وتقدَّم نسبه أعلاه، أبو بكر الأصبحيُّ، عن أبيه، وابن عجلان، وابن أبي ذئب، وعنه: أخوه إسماعيل، وأيُّوب بن سليمان، ومحمَّد بن رافع، ثقة، وثَّقه ابن معين وغيره، توفِّي سنة (202 هـ ) ، أخرج له البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والنَّسائيُّ، وابن ماجه، له ترجمة في «الميزان»، ذكر فيها عنِ الأزديِّ كلامًا قبيحًا في حقِّ عبد الحميد، ثمَّ قال الذَّهبيُّ: (وهذه زلَّة قبيحة) ؛ يعني: من الأزديِّ.

قوله: (عَنِ ابنِ [1] أَبِي ذِئْبٍ): تقدَّم أعلاه أنَّه محمَّد بن عبد الرَّحمن، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (وِعَاءَيْنِ): الوِعاء؛ بكسر الواو، قال شيخنا الشَّارح: (ويجوز ضمُّها) انتهى.

ويعني بالوعاءين [2] من العلم: على طريق الاستعارة من الوعاء الذي يُجمَع فيه المتاع.

ثمَّ اعلم أنَّه جاء في غير «البخاريِّ»: «ثلاثة جرب، بثثت منها جرابين، ولو بثثت هذا الثَّالث؛ لقطع هذا»؛ يعني: البلعوم، وجاء في رواية: «خمسة»؛ يعني: جرب، وهذه رُوِّيناها في كتاب «المحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي» لمحمَّد بن خلَّاد الرَّامهُرمزيُّ الحافظ في (باب كثرة الرِّواية) في الجزء السَّادس تجزئة سبعة أجزاء حديثيَّة، قال فيه: (حدَّثنا عبدان: حدَّثنا داهر بن نوح: حدَّثنا عمر بن عَبْد الله البصريُّ: حدثني أبي: أنَّ أبا هريرة حفظ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم خمسة جرب أحاديث، وقال: إنِّي أخرجت منها جرابين، ولو أخرجت الثَّالث؛ لرميتموني بالحجارة) انتهى، وهذا الكتاب رُوِّيته بالقاهرة بقراءتي، وقرأتُ غالبَهُ بالإسكندريَّة عاليًا فيهما، وعندي منه نسخة حسنة في سبعة أجزاء حديثيَّة.

[قوله: (فَبَثَثْتُهُ): أي: أذعته وأشهرته] [3] . [/ج1ص66/]

قوله: (وَأَمَّا الآخَرُ [4] ): قيل: إنَّ الآخر [5] : هو أشراط الساعة، وفساد الدين، وتضييع الحقوق، وتغيير الأحوال؛ كقوله: «يكون فساد الدين على يد أغيلمة من قريش»، وكان أبو هريرة يقول: لو شئت أنْ أسمِّيهم بأسمائهم، لكنَّه خشي على نفسه ولم يصرِّح، وقال أبو العبَّاس ابن تيمية -كما رأيته عنه في فتوى-: (كان فيه ذكر الملاحم، والفتن، ونحوها من الحوادث التي لو أخبر بها قبل وقوعها؛ لأنكرها عليه من العامَّة والولاة من يكره ذلك أو [6] يكذِّبه؛ لاستبعاده ما أخبَر به، وكراهته له، ومثل الفتن التي كانت بين بني أميَّة ومن حاربهم؛ كعبد الله بن الزُّبير وغيره) انتهى.

قوله: (لَقُطِعَ مِنِّي [7] هَذَا الْبُلْعُومُ): هو بضمِّ الموحَّدة، وقد فسَّره البخاريُّ رحمه الله هنا.

[1] (ابن): ليس في (ج) .
[2] في (ج): (بالوعاء) .
[3] ما بين معقوفين ليس في (ب) .
[4] في (ب): (الآخرة) .
[5] في (ب): (الأخيرة) .
[6] في (ب): (و) .
[7] (مني): ليس في «اليونينيَّة» و (ق) .





لا تتوفر معاينة

120- وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ، (قَالَ: حَدَّثَنِي)؛ بالتَّوحيد، وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (أَخِي) عبد الحميد بن أبي أويسٍ، (عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ) محمَّد بن عبد الرَّحمن السَّابق قريبًا، (عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ) بضمِّ المُوحَّدَة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه أنَّه (قَالَ: حَفِظْتُ عِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم) وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((من)) بدل ((عن))، وهي أصرح في تلقِّيه مِنَ [1] النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بلا واسطةٍ، (وِعَاءَيْنِ)؛ بكسر الواو والمدِّ، تثنية وعاءٍ، وهو من باب ذكر المحلِّ وإرادة الحالِّ؛ أي: نوعين من العلم، (فَأَمَّا أَحَدُهُمَا)؛ أي: أحد ما في الوعاءين من نوعيِ العلم؛ (فَبَثَثْتُهُ)؛ بمُوحَّدَةٍ مفتوحة، ومُثلَّثتين، بعدهما مُثنَّاةٌ فوقيَّةٌ، ودخلته «الفاء»؛ لتضمُّنه معنى الشَّرط؛ أي: نشرته، زاد الإسماعيليُّ [2] : «فبثثته في النَّاس»، (وَأَمَّا) الوعاء (الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ)؛ أي: نشرته في النَّاس؛ (قُطِعَ)، وفي روايةٍ: ((لَقُطِعَ)) (هَذَا الْبُلْعُومُ)؛ بضمِّ المُوحَّدَة، مرفوع؛ لكونه ناب عن الفاعل، وكنَّى به عن القتل، وزاد في رواية ابن عساكر والأَصيليِّ وأبي الوقت وأبي ذَرٍّ عن [3] المُستملي: ((قال أبو عبد الله))؛ أي: البخاريُّ: ((البلعوم: مجرى الطعام؛ أي: في الحلق، وهو المريء))، قاله القاضي والجوهريُّ وابن الأثير، وعند الفقهاء: الحلقوم: مجرى النَّفَس خروجًا ودخولًا، والمريء: مجرى الطَّعام والشَّراب، وهو تحت الحلقوم، والبلعوم تحت الحلقوم، وأراد بالوعاء الأوَّل: ما حفظه من الأحاديث، وبالثَّاني: ما كتمه من أخبار الفتن وأشراط السَّاعة، وما أخبر به الرَّسول عليه الصلاة والسلام من فساد الدِّين على يدي أغيلمةٍ من سفهاء قريشٍ، وقد كان أبو هريرة يقول: لو شئت أن أسمِّيَهم لَسمَّيتهم، أوِ المُرَاد: الأحاديث التي فيها تبيين أسماء أمراء الجور وأحوالهم وذمُّهم، وقد كان أبو هريرة يكنِّي عن بعض ذلك ولا يصرِّح؛ خوفًا على نفسه منهم؛ كقوله: أعوذ بالله من رأس السِّتِّين وإمارة الصِّبيان، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية؛ لأنَّها كانت سنة ستِّين من الهجرة، واستجاب الله تعالى دعاء أبي هريرة، فمات قبلها بسنةٍ، وسيأتي ذلك مع مزيدٍ له في كتاب «الفتن» [خ¦7058] إن شاء الله تعالى، أوِ المُرَاد به: علم الأسرار الَمصُون عن الأغيار، المختصُّ بالعلماء بالله تعالى من أهل العرفان والمُشاهَدَات والإتقان [4] ، الذي هو نتيجة علم الشَّرائع، والعمل بما جاء به الرَّسول صلى الله عليه وسلم، والوقوف عند ما حدَّهُ، وهذا لا يظفر به إلَّا الغوَّاصُّون في بحر المُجاهَدَات، ولا يسعد به إلَّا المصطَفَون [5] بأنوار المُشاهَدَات، لكن في كون هذا هو المُرَاد نظرٌ؛ من حيث إنَّه لو كان كذلك؛ لَماَ وسع أبا هريرةَ كتمانه، مع ما ذكره من الآية الدَّالَّة على ذمِّ كتمان العلم لا سيَّما هذا الشَّأن الذي هو لبُّ ثمرة العلم [6] وأيضًا فإنَّه نفى بثَّه على العموم من غير تخصيصٍ، فكيف يُستدَلُّ به لذلك؟ وأبو هريرة لم يكشف مستوره فيما أعلم، فمن أين علم أنَّ الذي كتمه هو هذا؟ فمن ادَّعى ذلك؛ فعليه البيان، فقد ظهر أنَّ الاستدلال بذلك لطريق القوم فيه ما فيه، على أنَّهم في غنيةٍ عنِ الاستدلال؛ إذِ الشَّريعة ناطقةٌ بأدلَّتهم، ومن تصفَّح [7] الأخبار وتتبَّع الآثار مع التَّأمُّل والاستنارة بنور الله؛ ظهر له ما قلته، والله يهدينا إلى سواء السَّبيل.

[1] في (د): «عن».
[2] في (ب) و(س): «الأصيلي»، وهو خطأٌ.
[3] في (ب) و(س): «و»، وهو خطأٌ.
[4] في (ص): «الايقان».
[5] في (ص): «المصفون».
[6] قوله: «لا سيَّما هذا الشَّأن الذي هو لبُّ ثمرة العلم»، سقط من (م).
[7] في (ص): «تصحف»، وهوتحريفٌ.





120- ( حَفِظْتُ عنْ )، للكُشْمِيهنيِّ: «من».

( وِعَاءَيْنِ ) أي: نوعين من العلم من إطلاقه المحلِّ على الحال.

( فَبَثَثْتُهُ ): بفتح الموحَّدة والمثلَّثة بعدها مثلَّثة ساكنة، أي: أذعته ونشرته، زاد الإسماعيليُّ: «في النَّاس».

( قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ ): بضمِّ الباء: كناية عن القتل، وللمُسْتملي: «لقطع هذا» يعني: رأسه، والمراد بهذا الوعاء الذي لم يبثَّه: الأحاديث التي فيها أسامي أمراء الجور وأحوالهم وذمُّهم.

وقد كان أبو هريرة يكنِّي عن بعضه ولا يصرِّح به خوفًا على نفسه كقوله: «أعوذ بالله من رأس السِّتِّين وإمارة الصُّبيان»، يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية فإنَّها كانت سنة ستِّين، واستجاب الله دعاءه فمات قبلها بسنة. [/ج1ص279/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

120# حَدَّثَني إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي أَخِي، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «حَفِظْتُ عنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وِعَاءَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ».

قال أبو عبد الله: البلعوم مجرى الطعام.

الحديث الأول: أخرجه البخاري هنا عن عبد العزيز، عن مالك، وفي «المزارعة» في «باب [ما جاء في الغرس]» [1] عن موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم، وفي «الاعتصام» عن علي، عن سفيان.

وأخرجه مسلم في «الفضائل» عن قتيبة وأبي بكر وزهير، عن سفيان، وعن عبد الله بن جعفر بن يحيى، عن معن، عن مالك، وعن عبد عن عبد الرزاق، عن معمر، كلهم عنه، وله طرق من غير رواية الأعرج.

قوله: «يَشْغَلُهُمُ» هو بفتح الياء الأولى [2]، قال النواوي: وحكي ضمها، وهو ضعيف.

قال الهروي: يقال: أصفق القوم على الأمر، وصفقوا بالبيع والبيعة.

وقال غيره: أصله من تصفيق الأيدي بعضها على بعض من المتبايعين أو عاقدي البيعة عند عقدهم، والسوق مؤنثة وتذكر، سُمِّيت به لقيام الناس فيها على سوقهم.

وكان أبو هريرة من ضعفاء المسلمين وأهل الصفة، وتقدم الكلام على أهل الصفة، وجملة من أحوال أبي هريرة في ترجمة أبي هريرة رضي الله عنه.

وقوله في الحديث الثاني: «إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثاً كَثِيراً أَنْسَاهُ؟ قَالَ: «ابْسُطْ رِدَاءَكَ»، فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ _ وفي غير الصحيح: «فغرف فيه بيديه» _ ثُمَّ قَالَ: «ضُمَّهُ» الحديث.

وفي بعض طرقه عند البخاري: «لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه، ثم يجمعه إلى صدره، فينسى من مقالتي شيئاً أبداً»

@%ص247%

فبسطت نمرة ليس عليَّ ثوبٌ غيرها، حتى قضى النبي صلى الله عليه وسلم مقالته، ثم جمعتها إلى صدري، فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا.

وفي مسلم: «أيكم يبسط ثوبه فيأخذ» فذكره بمعناه، ثم قال: فما نسيت بعد ذلك اليوم شيئاً حدثني به.

ففي قوله: «بعد شيئاً حدثني به» دليل على العموم، وعلى أنه لم ينس بعد ذلك شيئاً سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، لا أنه خاص بتلك المقالة كما يعطيه ظاهر قوله: «من قالته تلك».

ويعضد العموم ما جاء في حديث أبي هريرة أنه شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه ينسى، ففعل ما فعل ليزول عنه النسيان.

وقوله: «ضُمَّهُ» فيه ثلاث لغات في الميم؛ الفتح والكسر والضم، وقال بعضهم: لا يجوز إلا الضم لأجل الهاء المضمومة بعده، واختاره الفارسي، وجوزه صاحب «الفصيح» وغيره.

قوله في الحديث الثالث: «حَفِظْتُ منَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وِعَاءَيْنِ» قال بعضهم: المعنى أن الذي حفظه من السنن المذاعة لو كتبت لاحتمل أن يملأ منها وعاء. وما كتمه من أخبار الفتن، كذلك.

قوله: «لَوْ بَثَثْتُهُ» أي أذعته واشهرته.

قيل: هي أشراط الساعة وفساد الدين، وتضييع الولاة الحقوق؛ كقوله عليه السلام: «يكون فساد الدين على يد أُغَيلِمة من قريش»، وكان أبو هريرة يقول: لو شئت أن أسميهم بأسمائهم، فخشي على نفسه ولم يصرح.

قوله: «قُطِعَ هَذَا البُلْعُومُ» بضم الباء الموحدة، وهو مجرى النفس إلى الرئة، وقال صاحب الصحاح والقاضي: مجرى الطعام في الحلق، وهو المريء، وقد فسره

@%ص248%

البخاري به .

والحديث الثاني: أخرجه هنا كما ذكر، وفي «علامات النبوة».

وفي السند الأول: عبد العزيز بن عبد الله بن يحيى بن عمرو بن أويس بن سعد بن أبي سرح، الأويسي القرشي العامري.

أخرج البخاري في «العلم» وغيره موضع عنه عن مالك بن أنس، وسليمان بن بلال، وإبراهيم بن سعد، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، وعبد الرحمن بن أبي الموالي.

وأخرج في «الإصلاح» عن محمد بن عبد الله مقروناً بالفروي عنه، عن محمد بن جعفر.

قال أبو حاتم: «مديني صدوق»، وعنه قال: «هو أحب إلي من يحيى بن بكير».

روى عنه محمد بن يحيى الذهلي، وأبو زرعة الرازي، والبخاري، وروى أبو داود وابن ماجه عن رجل عنه.

وفي السند الثاني: أحمد بن أبي بكر _ واسمه القاسم _ ابن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف، أبو مصعب القرشي الزهري الفقيه، ويقال: إن اسم أبي بكر: زرارة.

أخرج البخاريُّ هنا وفي «مناقب جعفر بن أبي طالب» وغيره عنه عن المغيرة بن عبد الرحمن، ومحمد بن إبراهيم بن دينار.

وأخرج له مسلم حديثاً واحداً عنه عن مالك، عن سُمَيٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السفر قطعة من العذاب» الحديثَ.

قال الزبير بن بكار: مات وهو فقيه أهل المدينة غير مدافع، ولاه عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس [القضاء] [3] إذ كان والياً على المدينة للمأمون، بعد أن كان على شرطته.

قال أبو حاتم وأبو زرعة: «صدوق»، قال ابن أبي حاتم: «هو أحد من يحمل الموطأ عن مالك».

قال أبو القاسم بن عساكر: روى عن خ م د ت ق، وروى النسائي عن رجل عنه.

توفي [سنة] ثنتين وأربعين ومئتين.

@%ص249%

وفيه: محمد بن إبراهيم بن دينار المدني الحمصي، ويقال: الأنصاري، كان مفتي أهل المدينة مع مالك، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وبعدهما، فقيهاً فاضلاً، له بالعلم عناية.

قال البخاري: «هو معروف الحديث».

قال ابن أبي حاتم: «سألت أبي عنه فقال: كان من فقهاء المدينة في زمن مالك وبعده، وكان ثقة».

أخرج البخاري في «العلم» و«مناقب جعفر» عن أبي مصعب الزهري، عنه، عن ابن أبي ذئب، روى له الجماعة.

[1] ما بين معقوفين زيادة مني، وفي الأصل بياض، كأن المؤلف لم يحضره اسم الباب.
[2] الكلمة في الأصل كأنها: «لالي».
[3] ما بين معقوفتين بياض في الأصل.





لا تتوفر معاينة

120- وبه قال: ((حدثنا إسماعيل)) بن أبي أويس، ((قال: حدثني)) ؛ بالإفراد، وفي رواية: بالجمع، ((أخي)) : عبد الحميد بن أبي أويس، ((عن ابن أبي ذئب)) : محمد بن عبد الرحمن القرشي المدني السابق قريبًا، ((عن سعيد)) بن أبي سعيد ((المقبُري)) ؛ بضم الموحدة، ((عن أبي هريرة)) رضي الله عنه، ((قال: حفظت عن)) ، وفي رواية: (من) ، ((رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ، وهي أصرح لتلقينه من النبي الأعظم عليه السلام بلا واسطة.

((وعاءين)) ؛ بالنصب مفعول (حفظت) ، تثنية وِعاء؛ بكسر الواو مع المد الظرف الذي يحفظ فيه الشيء، جمعه: أوعية، وهو من ذكر المحل وإرادة الحال فيه، والمراد نوعين[/ص75/] من العلم.

((فأما)) للتفصيل، ((أحدهما)) ؛ أي: أحد الوعاءين من نوعي العلم؛ ((فبَثثته)) : جواب (أما) ، ودخلت عليه الفاء؛ لتضمنها معنى الشرط، وهو بموحدة مفتوحة ومثلثتين بعدهما مثناة فوقية؛ أي: نشرته وكشفته، زاد الإسماعيلي: (في الناس) ، ((وأما)) الوعاء ((الآخر)) منهما، ((فلو بثثته)) ؛ أي: نشرته وكشفته للناس؛ ((قطع)) : جواب (لو) ، وفي رواية: (لقطع) باللام، ((هذا البلعومُ)) : مرفوع بإسناد قطع إليه، وهو مفعول ناب عن الفاعل، وفي رواية الإسماعيلي: (لقطع هذا) يعني رأسه، فكنى به عن القتل، فأراد بالأول: الذي حفظه من السنن المذاعة لو كتبت؛ لاحتمل أن يملأ منها وعاء، وبالثاني: ما كتمه من أخبار الفتن، وأشراط الساعة، وما عرف به النبي الأعظم عليه السلام من فساد الدين على يد أغيلمة سفهاء قريش.

وكان أبو هريرة يقول: (لو شئت ان أسميهم بأسمائهم لسميتهم لكني خشيت على نفسي) فلم يصرح بهم، فالأمر بالمعروف على هذا، وكان يقول: (أعوذ بالله من رأس سنة ستين وإمارة الصبيان) ، يشير بذلك إلى خلافة يزيد بن معاوية؛ لأنها كانت سنة ستين من الهجرة، فاستجاب الله دعاءه فمات قبلها، فإنه لو حدث بهذه الأحوال؛ لقطع البلعوم.

وقالت المتصوفة: المراد بالأول: علم الأحكام والإطلاق، وبالثاني: علم الأسرار المصون عن الأغيار المختص بالعلماء بالله من أهل العرفان.

قال القسطلاني في «شرحه»: لكن في كون هذا هو المراد نظر؛ لأنَّه لو كان كذلك؛ لما وسع أبو هريرة كتمانه مع ما ذكره من قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ...} [البقرة: 159] إلى آخر الآيتين الدالة على ذم كتمان العلم، وأيضًا فإنَّه نفى بثه على العموم من غير تخصيص، فكيف يستدل به لذلك، وأبو هريرة لم يكشف مستوره؟! فمن أين علم أن الذي كتمه هو هذا؟!

فمن ادعى ذلك؛ فعليه البيان، فقد ظهر أن الاستدلال به لهم فيه نظر ظاهر، انتهى كلامه.

قلت: وكذا قوله عليه السلام: «من كتم علمًا؛ ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة»، ولو كانت الأحاديث التي لم يحدث بها من الحلال والحرام؛ لما وسعه كتمها بحكم الآية والحديث الدالة على ذم الكتمان، ولا ريب أن أبا هريرة أعلم وأحرى بالأحكام، فلو كان المراد به ذلك؛ لكشفه ونشره بين الناس ودخل تحت الأحاديث الدالة على فضل العلم وتعليمه.

وقال الشيخ الإمام بدر الدين العيني: (إن كان المراد من الثاني هو ما قالته المتصوفة يشترط فيه أن لا تدفعه القواعد الإسلامية ولا تنفيه القوانين الإيمانية؛ إذ ما بعد الحق إلا الضلال) انتهى.

قلت: فأشار به إلى أنه لو كان مطابقًا للشريعة المطهرة؛ فلا يتصور كتمانه من أبي هريرة، وإن كان غير مطابق لها؛ فهو ما قدمناه من أمور الفتن وحكام الجور وغيرها.

((قال أبو عبد الله)) ؛ أي: المؤلف، كما في رواية المستملي، ((البُلعوم)) ؛ بضم الموحدة، ((مجرى الطعام)) ؛ أي: في الحلق وهو المري، كذا فسره القاضي والجوهري، وقال الفقهاء: الحلقوم: مجرى النفس، والمري: مجرى الطعام والشراب، وهو تحت الحلقوم، والبلعوم تحت الحلقوم، وقال ابن بطال: البلعوم: الحلقوم وهو مجرى النفس إلى الرئة، والمري: مجرى الطعام والشراب إلى المعدة فتصل بالحلوق، والمقصود: أنه كنى بذلك عن القتل، كما في «عمدة القاري».

قلت: وما قدمناه هنا يدل على بطلان قول من قال في زماننا: أن ذنوب أهل البيت النبوي صوري لا معنوي؛ أي: بحسب الصورة ذنب لا في المعنى، وأن المغفرة لهم محققة بدون توبة، وأنهم خير الخلق بدون استثناء الأنبياء والمفضلين من الصحابة، مستدلًا بقوله تعالى: {لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب: 33] ، وبقول الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي في «الفتوحات».

قلت: وهذا باطل؛ لأنَّه لم يوجد قول لأحد من المذاهب الأربعة المجمع عليها بذلك، وقد قال النبي الأعظم عليه السلام: «من أحدث شيئًا لم يكن في الشريعة فهو رد»، والآية المستدل بها معناها أنَّه تحرم عليهم الصدقة؛ لأنَّها أوساخ الناس، والتمييز بالعمائم، والتعظيم، والاحترام وغير ذلك، وما ذكره من معناها فهو مردود؛ لأنَّه لم يقل به أحد من المفسرين قديمًا وحديثًا.

وقال عليه السلام: «من فسَّر القرآن برأيه كبَّه الله في النار يوم القيامة»، ويدل لهذا قوله تعالى حكاية عن نوح: {يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [هود: 46] ، فابن نوح لما التجأ [1] إلى الجبل وأنه يعصمه من الماء عند الغرق؛ أخرجه الله تعالى من أهله وجعله في النار، وكذا أبو طالب عمُّ المصطفى عليه السلام، وكذا أبو جهل، وأبو لهب؛ فإنَّهم جميعًا في النار، كما نطق بذلك الكتاب والسنة، فلو كانت الذنوب مغفورة لهم بدون توبة؛ لغفر لهم وأدخلوا الجنة، وهذا يدل على بطلان قوله أيضًا: من أنه لا يختم لأحد منهم بالكفر، وأن الله شاء المغفرة لهم، وبطلان هذا ظاهر؛ فإنَّ الموت على الإيمان أو على الكفر لا يعلمه أحد أصلًا؛ لقوله عليه السلام: «إن العبد ليعمل بعمل أهل النار وإنه من أهل الجنة، ويعمل بعمل أهل الجنة وإنه من أهل النار»، رواه الشيخان.

وقال تعالى: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ} [آل عمران: 129] ، ومشيئته تعالى مختصَّة به لا يعلمها أحد من خلقه، وهو مذهب أهل السنة والجماعة من الماتريدية والأشعرية وإجماع المسلمين، ويدلُّ لذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48] ، فجميع الآيات الدالة على المغفرة مقرونة بالمشيئة، وقال تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب: 30] .

قال الإمام القرطبي: (لو فعل أحدٌ منهم شيئًا يوجب الحدَّ مرة؛ يُحدُّ مرتين؛ لهذه الآية، وقال عليه السلام: «من أبطأ به عمله؛ لم يسرع به نسبه»، ويدل لذلك قوله تعالى: {فَلَاأَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101] ) .

وأما قول الشيخ الأكبر فقد قال علماؤنا الأعلام: يحرم مطالعة كتب الشيخ الأكبر وقد أتى أمر سلطاني بالنهي عن بيعها، وشرائها، ومطالعتها، وقال الإمام الشعراني: في العهود الصغرى أخذ علينا العهود أن نمنع الناس من مطالعة كتب الشيخ الأكبر؛ لعدم فهم معناها، اهـ .

فالتفاضل الحقيقي بين الناس إنَّما هو بالتقوى، فلا يفيد الشريف النسب نسبه إذا لم يكن من أهل التقوى، ويفيد الوضيع النسب بالتقوى، قال الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] ، وقد ألف رسالة في ذلك وذكر الأحاديث الواردة في حق أهل البيت منها منكر، ومنها ضعيف، ومنها موضوع من الشيعة، وقد ركب فيها متن عمياء وخبط خبط عشواء، وقال فيها ولا يدري ما يقول، وقد وافقه عليها بعض ممن يدعي العلم، وكتب له عليها فضلَّ وأضلَّ، وجمهور العلماء الأعلام ورئيسهم الإمام محقق المعقول والمنقول شيخ الإسلام والمسلمين شيخنا الشيخ عبد الله أفندي الحلبي أدمنا بحياته فلم يلتفت إليها، ولا عرجوا عليها، بل ردوها ولم يكتب أحدٌ عليها، ووقع خبط بين العلماء بديارنا الشريفة الشامية من أجل هذه الرسالة البدعة المنكرة، وأجمع الجمهور على بطلانها وردِّها ولله الحمد والمنة.

اللهم إنِّي أسألك علمًا نافعًا، وقلبًا خاشعًا، ورزقًا واسعًا، وعملًا متقبلًا، وجاهًا عريضًا، وأولادًا كثيرة بجاه الأنبياء وأصحابهم والمجتهدين وأتباعهم، وأن يحفظنا من الزيغ والضلال، ويوفقنا لما يحب ويرضى إنه على كل شيء قدير، وصلى الله عليهم أجمعين.

[1] في الأصل (التجئ).