متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

73- وبه قال: (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) أبو بكرٍ عبد الله بن الزُّبَيْر بن عيسى المكِّيُّ، المُتوفَّى سنة تسعَ عشْرةَ ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) ابن عُيَيْنَةَ، (قَالَ: حَدَّثَنِي)؛ بالإفراد، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: ((حدَّثنا)) (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَلَى غَيْرِ مَا)؛ أي: على غير اللَّفظ الذي (حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ، المسوق [1] روايته عند المؤلِّف في «التَّوحيد» [خ¦7529] ، والحاصل: أنَّ ابن عُيَيْنَةَ روى الحديث عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، وساق لفظه هنا: وعن الزُّهريِّ، وساق لفظه في «التَّوحيد»، وسيأتي ما بين الرِّوايتين من التَّخالف في اللَّفظ إن شاء الله تعالى، (قَالَ)؛ أي: إسماعيل بن أبي خالدٍ، (سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المُهمَلَة، والزَّاي (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه؛ أي: كلامه حال كونه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَا حَسَدَ) جائزٌ في شيءٍ (إِلَّا فِي) شأن (اثْنَتَيْنِ) بتاء التَّأنيث؛ أي: خصلتين، وللمؤلِّف في «الاعتصام»: «اثنين» بغير تاءٍ [خ¦7316] ؛ أي: في شيئين؛ (رَجُلٌ) بالرَّفع بتقدير: إحدى الاثنتين خصلةُ رجلٍ، فلمَّا حذف المُضَاف اكتسب المُضَافُ إليه إعرابَه، والجرِّ بدلٌ من «اثنين»، وأمَّا على رواية تاء التَّأنيث؛ فبدلٌ [2] أيضًا على تقدير حذف المُضَاف؛ أي: خصلةُ رجلٍ؛ لأنَّ الاثنتين معناه _كما مرَّ_ خصلتان [3] ، والنَّصب بتقدير: أعني، وهو رواية ابن ماجه، (آتَاهُ الله)؛ بمدِّ الهمزة كاللَّاحقة [4] ؛ أي: أعطاه (مَالًا فَسُلِّطَ)؛ بضمِّ السِّين مع حذف الهاء؛ وهي لأبي ذَرٍّ، وعبَّر بـ: «سُلِّط»؛ ليدلَّ على قهر النَّفس المجبولة على الشُّحِّ، ولغير أبي ذر ممَّا ليس «في اليونينيةَّ» [5] : ((فَسَلَّطَه)) (عَلَى هَلَكَتِهِ)؛ بفتح اللَّام والكاف؛ أي: إهلاكه؛ بأن أفناه كلَّه (فِي الْحَقِّ)، لا في التَّبذير ووجوه المكاره، (وَرَجُلٌ)؛ بالحركات الثَّلاث كما [6] مرَّ (آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ) القرآن، أو كلَّ ما منع من الجهل وزجر عن القبيح، (فَهْوَ يَقْضِي بِهَا) بين النَّاس، (وَيُعَلِّمُهَا) لهم، وأطلق «الحسد»، وأراد به الغبطة، وحينئذٍ فهو من باب [7] : إطلاق المُسبَّب على السَّبب، ويؤيِّده ما عند المؤلِّف في «فضائل القرآن» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «فقال: ليتني أُوتيت مثل ما أُوتِيَ فلانٌ فعملت بمثل ما يعمل» [خ¦5026] ، فلم يتمنَّ السَّلب، بل أن يكون مثله، أو الحسد على حقيقته، وخُصَّ منه المُستثنَى؛ لإباحته؛ كما خُصَّ نوعٌ من الكذب بالرُّخصة وإن كانت جملته محظورةً، فالمعنى هنا: لا إباحة في شيءٍ من الحسد إلَّا فيما كان هذا سبيله؛ أي: لا حسدَ محمودٌ إلَّا في هذين، فالاستثناء على الأوَّل من غير الجنس، وعلى الثَّاني منه، كذا قرَّره الزَّركشيُّ، والبرماويُّ والكرمانيُّ، والعينيُّ. وتعقَّبه [8] البدر الدَّمامينيُّ: بأنَّ الاستثناء متَّصلٌ على الأوَّل قطعًا، وأمَّا على الثَّاني [9] فإنَّه يلزم عليه إباحة الحسد في الاثنتين كما صرَّح به، والحسد الحقيقيُّ _وهو كما تقرَّر: تمنِّي زوال نعمة المحسود عنه وصيرورتها إلى الحاسد_ لا يُباح أصلًا، فكيف يُبَاح تمنِّي زوال نعمة الله [/ج1ص171/] تعالى عن المسلمين القائمين بحقِّ الله فيها؟ انتهى.

[1] في (ص): «المسبوق».
[2] في (ص): «يدل».
[3] في (ص): «خصلتين».
[4] في (ص): «المهمزة اللاحقة».
[5] «ممَّا ليس في اليونينيَّة»: سقط من (س).
[6] في (ب) و(س): «على ما».
[7] في (م): «قبيل».
[8] في (ص): «تعقَّب القول الثَّاني منهما».
[9] قوله: «بأنَّ الاستثناء متَّصلٌ على الأوَّل قطعًا، وأمَّا على الثَّاني»، ليس في (ص).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

73-. حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ، قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ، قالَ: حدَّثنِي [1] إِسْماعيلُ بنُ أبِي خالِدٍ علىَ غَيْرِ ما حَدَّثَناهُ الزُّهرِيُّ، قالَ: سَمعتُ قَيْسَ بنَ أَبِي حازِمٍ، قالَ:

سمعتُ عبدَ الله بنَ مسْعُودٍ، قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ اللهُ مالًا فَسُلِّطَ [/ج1ص25/] علىَ هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فهو يَقْضِي بها وَيُعَلِّمُها».

[1] في رواية أبي ذر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «حدَّثنا».





73- ( لاَ حَسَدَ ) قيل: أراد: الغبطة، وهي تمني مثل ما لَه من غير زوال النعمة عنه، وهذا هو قضية تبويب البخاري، وقيل: بل على حقيقته وهو كلام تام قصد به نفي الحسد أو النهي عنه، ثم قال: [/ج1ص58/] ( إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ ) فأباح هذين وأخرجهما من جملة المنهي عنه، كما رخَّص في نوع من الكذب وإن كانت جملته محظورة، وهو استثناء من غير الجنس على الأول، ومنه على الثاني، وقد رواه عبد الله بن أحمد في «المسند» أنَّه وجد بخط أبيه بلفظ: «لا تنافس بينكم إلا في اثنتين».

( رَجُل ) يجوز فيه ثلاثة أوجه: الجر على البدل من اثنتين، أي: خصلة رجلين، والنصب بإضمار أعني، والرفع على تقدير خصلتين، إحداهما: خصلة رجل ولا بد من تقدير الخصلتين؛ لأن الثنتين هما خصلتان.

( عَلَى هَلَكَتِهِ ) بفتح اللام أي: هلاكه.


73# (لاَ حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) قال الزركشي: قيل: أرادَ: الغِبْطَة، وهي: تمني مثلِ ما له من [1] غير زوال النعمة عنه، وهذا هو قضية تبويب البخاري.

وقيل: بل هو على حقيقته، وهو كلام تام قُصد به نفيُ الحسد، أو النهيُ عنه، ثم قال: ((إلا في اثنتين))، فأباح هذين، وأخرجَهما من جملة المنهيِّ عنه؛ كما رخَّص في نوعٍ من الكذب، وإن كانت جملتُه محظورة، وهو استثناء من غير الجنس على الأول، ومنه على الثاني .

قلت: هكذا رأيت في نسختي منه، وهو مشكلٌ؛ فإن الاستثناء متصل على الأول قطعًا؛ لأنه استثناء مفرَّغ من خبر عام مقدَّر؛ أي: لا غبطة في شيءٍ من الأشياء إلا في اثنتين.

وأما على الثاني: فجَعَله متصلًا يلزم عليه إباحة الحسد في الاثنتين كما صرَّح به.

والحسدُ الحقيقي وهو تمني زوالِ نعمة المحسود عنه، وصيرورتها إلى الحاسد لا يُباح أصلًا، وكيف يُباح تمني زوال نعم [2] الله عن المسلمين القائمين بحقِّ الله فيها [3] ؟

(رَجُلٌ) لا بد من تقدير مضاف؛ أي: خصلةُ رجلٍ؛ لأن المراد بالثنتين: خصلتان، فرجل هذا إمَّا [4] مرفوع؛ أي: أحدُهما [5] خصلةُ رجل، أو مجرورٌ على أن يكون هو وما بعدَه بدلًا، وكلاهما ثابت في النَّسخ، والنصب جائز بإضمارِ أعني.

@%ج1ص84%

(هَلَكَتِهِ) بفتح اللام؛ أي: هلاكه.

[1] في (د): ((في)).
[2] في (د) و(ج): ((نعمة)).
[3] في (د) و(ج): ((فيهما)).
[4] ((إما)): ليست في (ق).
[5] في (د): ((أحدها)).





73- قوله: (حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ): تقدَّم مرَّات أنَّه عَبْد الله بن الزبير، وأنَّه أوَّل شيخ روى عنه البخاريُّ في هذا «الصحيح»، وتقدَّم لم نُسِب.

قوله: (عَلَى غَيْرِ ما حَدَّثَنَاهُ الزُّهرِيُّ): قائل هذا [1] الكلام هو سفيان بن عيينة، يقول سفيان: هو على خلاف حديثي عنِ الزُّهريِّ، وَحَدِيْثه عَن الزُّهريِّ هو في (التوحيد) ، وقد ذكرت فيهِ كلامًا، ولم أر أحدًا تعرَّض لحديثه عَنْ الزُّهريِّ في عبارته في تحديثه عنه، والله أعلم، وَهْوَ مكان مشكل؛ فانظره إن أردته.

قوله: (الزُّهرِيُّ): تقدَّم مرارًا أنَّه ابن شهاب محمَّد بن مسلم، وتقدَّم أعلاه وقبله.

قوله: (قَيْسَ بِنَ أَبِي حازِمٍ): تقدَّم الكلام على قيس، وأنَّ حازمًا؛ بالحاء المهملة وبالزاي فيما مضى مُطوَّلًا.

قوله: (لاَ حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ): المراد -والله أعلم-: شدة الحرص والرغبة، من غير تمنِّي زوالها عَنْ صاحبها؛ وَهْوَ الغبطة، وقد أشار البخاريُّ رحمه الله تعالى في التبويب إليه؛ لأنَّه قال: (باب الاغتباط) ، وفيه قول ثان: وَهْوَ أنَّه تخصيص لإباحة نوع من الحسد، وإخراج له عَنْ جملة ما حُظِر مِنْهُ، كما رُخِّص في نوع من الكذب وإن كانت جملته محظورة؛ فالمعنى: لا إباحة لشيء من الحسد إلَّا فيما كان هذا سبيله؛ أي: لا حسد جائز إلَّا هذا، وقيل: إنَّه استثناء منقطع؛ بمعنى: لكن في اثنتين، قال النوويُّ: (الحسد حقيقيٌّ ومجازيٌّ، فالحقيقيُّ: تمنِّي زوال النعمة عَنْ صاحبها، والإجماع على أنَّ هذا حرام، والمجازيُّ: هو الغبطة؛ وَهْوَ أنْ يتمنَّى مثل النعمة التي على غيره من غير زوالها عن صاحبها، فإن كانت من أمور الدنيا؛ كانت مباحة، أو من أمور الآخرة؛ فمستحبَّة) ، والمراد بالحديث: لا غبطة مستحبَّة محبوبة إلَّا في هاتين الخصلتين وما في معناهما، والله أعلم.

قوله: (رَجُلٌ): قال شيخنا الشارح: (في «رجل» ثلاثة أوجه؛ البدل، وإضمار: أعني، والرفع على تقدير: خصلتين؛ إحداهما: خصلة رجل) انتهى.

وهذا الأخير [/ج1ص45/] فيه نظر، وكأنَّه [2] سقط مِنْهُ شيء، وكذا قال غيره: إنَّ فيه ثلاثة أوجه: الجرَّ بالبدل، والرفع، والنصب على القطع، ولا بدَّ من تقدير: خصلة رجل.

قوله: (عَلَى هَلَكَتِهِ): أي: إهلاكه؛ أي: إنفاقه في الطاعات، وفي كلام بعضهم: أي: على هلاكه، وفي «أفعال ابن القطَّاع»: (وهلكتُ الشيء هلْكًا وهَلاكًا، وأهلكتُه؛ فهلك هو، فالعبارتان صحيحتان؛ لأنَّه يقال: هلك؛ لازمًا ومتعدِّيًا) ، والله أعلم.

قوله: (الْحِكْمَةَ): المراد بـ (الحكمة) -والله أعلم-: القرآن، ويؤيده حديث ابن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُما في «البخاريِّ»: «لا حسد إلَّا في اثنتين، رجل آتاه الله القران»، وقال النوويُّ: (الحكمة: كل ما منع من الجهل، وزجر عَن القبيح) انتهى.

وهذا الذي فهمه البخاريُّ، فإنَّه قال في التبويب: (باب الاغتباط في العلم والحكمة) .

[1] زيد في (ب): (الحديث؛ أي) .
[2] في (ج): (فكأنَّه) .





73- (رَجُل): مجرورٌ بَدَلٌ، فإن قلتَ: رُوي: (اثْنَتَيْنِ) بالتَّأنيثِ [1] ، فما إعرابُه على تلك الروايةِ؟

قلتُ: بَدَلٌ أيضًا على تقدير حذفِ مضافٍ؛ أي: خصلةِ رَجُلٍ؛ لأنَّ (الاثنتين) معناه: خصلتين، انتهى [2] .

والرَّفعُ بإضمارِ مبتدأٍ؛ أي: أحدهُما [3] ، والنَّصبُ بإضمارِ (أعني) [4] .

[1] وهي رواية اليونينية.
[2] انظر «الكواكب الدراري» (2/43).
[3] في النسختين: (إحداهما).
[4] انظر «اللامع الصبيح» (1/381).





73- وبه قال: (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ) أبو بكرٍ عبد الله بن الزُّبَيْر بن عيسى المكِّيُّ، المُتوفَّى سنة تسعَ عشْرةَ ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) ابن عُيَيْنَةَ، (قَالَ: حَدَّثَنِي)؛ بالإفراد، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت: ((حدَّثنا)) (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ عَلَى غَيْرِ مَا)؛ أي: على غير اللَّفظ الذي (حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهابٍ، المسوق [1] روايته عند المؤلِّف في «التَّوحيد» [خ¦7529] ، والحاصل: أنَّ ابن عُيَيْنَةَ روى الحديث عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، وساق لفظه هنا: وعن الزُّهريِّ، وساق لفظه في «التَّوحيد»، وسيأتي ما بين الرِّوايتين من التَّخالف في اللَّفظ إن شاء الله تعالى، (قَالَ)؛ أي: إسماعيل بن أبي خالدٍ، (سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المُهمَلَة، والزَّاي (قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه؛ أي: كلامه حال كونه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَا حَسَدَ) جائزٌ في شيءٍ (إِلَّا فِي) شأن (اثْنَتَيْنِ) بتاء التَّأنيث؛ أي: خصلتين، وللمؤلِّف في «الاعتصام»: «اثنين» بغير تاءٍ [خ¦7316] ؛ أي: في شيئين؛ (رَجُلٌ) بالرَّفع بتقدير: إحدى الاثنتين خصلةُ رجلٍ، فلمَّا حذف المُضَاف اكتسب المُضَافُ إليه إعرابَه، والجرِّ بدلٌ من «اثنين»، وأمَّا على رواية تاء التَّأنيث؛ فبدلٌ [2] أيضًا على تقدير حذف المُضَاف؛ أي: خصلةُ رجلٍ؛ لأنَّ الاثنتين معناه _كما مرَّ_ خصلتان [3] ، والنَّصب بتقدير: أعني، وهو رواية ابن ماجه، (آتَاهُ الله)؛ بمدِّ الهمزة كاللَّاحقة [4] ؛ أي: أعطاه (مَالًا فَسُلِّطَ)؛ بضمِّ السِّين مع حذف الهاء؛ وهي لأبي ذَرٍّ، وعبَّر بـ: «سُلِّط»؛ ليدلَّ على قهر النَّفس المجبولة على الشُّحِّ، ولغير أبي ذر ممَّا ليس «في اليونينيةَّ» [5] : ((فَسَلَّطَه)) (عَلَى هَلَكَتِهِ)؛ بفتح اللَّام والكاف؛ أي: إهلاكه؛ بأن أفناه كلَّه (فِي الْحَقِّ)، لا في التَّبذير ووجوه المكاره، (وَرَجُلٌ)؛ بالحركات الثَّلاث كما [6] مرَّ (آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ) القرآن، أو كلَّ ما منع من الجهل وزجر عن القبيح، (فَهْوَ يَقْضِي بِهَا) بين النَّاس، (وَيُعَلِّمُهَا) لهم، وأطلق «الحسد»، وأراد به الغبطة، وحينئذٍ فهو من باب [7] : إطلاق المُسبَّب على السَّبب، ويؤيِّده ما عند المؤلِّف في «فضائل القرآن» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «فقال: ليتني أُوتيت مثل ما أُوتِيَ فلانٌ فعملت بمثل ما يعمل» [خ¦5026] ، فلم يتمنَّ السَّلب، بل أن يكون مثله، أو الحسد على حقيقته، وخُصَّ منه المُستثنَى؛ لإباحته؛ كما خُصَّ نوعٌ من الكذب بالرُّخصة وإن كانت جملته محظورةً، فالمعنى هنا: لا إباحة في شيءٍ من الحسد إلَّا فيما كان هذا سبيله؛ أي: لا حسدَ محمودٌ إلَّا في هذين، فالاستثناء على الأوَّل من غير الجنس، وعلى الثَّاني منه، كذا قرَّره الزَّركشيُّ، والبرماويُّ والكرمانيُّ، والعينيُّ. وتعقَّبه [8] البدر الدَّمامينيُّ: بأنَّ الاستثناء متَّصلٌ على الأوَّل قطعًا، وأمَّا على الثَّاني [9] فإنَّه يلزم عليه إباحة الحسد في الاثنتين كما صرَّح به، والحسد الحقيقيُّ _وهو كما تقرَّر: تمنِّي زوال نعمة المحسود عنه وصيرورتها إلى الحاسد_ لا يُباح أصلًا، فكيف يُبَاح تمنِّي زوال نعمة الله [/ج1ص171/] تعالى عن المسلمين القائمين بحقِّ الله فيها؟ انتهى.

[1] في (ص): «المسبوق».
[2] في (ص): «يدل».
[3] في (ص): «خصلتين».
[4] في (ص): «المهمزة اللاحقة».
[5] «ممَّا ليس في اليونينيَّة»: سقط من (س).
[6] في (ب) و(س): «على ما».
[7] في (م): «قبيل».
[8] في (ص): «تعقَّب القول الثَّاني منهما».
[9] قوله: «بأنَّ الاستثناء متَّصلٌ على الأوَّل قطعًا، وأمَّا على الثَّاني»، ليس في (ص).





73- ( عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ ) يعني: أنَّ الزُّهريَّ حدَّث سفيان بهذا الحديث بلفظٍ غير الذي حدَّثه إسماعيل.

( لاَ حَسَدَ ): هو تمنِّي زوال النِّعمة عن المنعم عليه، والمراد هنا: الغبطة، أي: تمنِّي حصول مثل ما له من غير زواله عنه، ويجوز إرادة نفي الحسد الحقيقيِّ، ويكون الاستثناء منقطعًا.

( اثْنَتَيْنِ ) بالتَّاء، أي: خصلتين، وفي الاعتصام: «اثنين». [خ:7316]

( رَجُلٌ ) بالرَّفع على التَّاء، أي: خصلة رجل، والجرِّ على عدمها بدلًا، وفي ابن ماجه: بالنَّصب بإضمار أعني.

( فَسَلَّطَهُ ) لأبي ذرٍّ: «فسُلِّط».

( هَلَكَتِهِ ) بفتح اللَّام والكاف، أي: هلاكه. [/ج1ص242/]


24/73# قال أبو عبد الله: حدَّثنا الحُمَيْدِيُّ، قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ، قالَ: حدَّثنِي إِسْماعيلُ بنُ أبِي خالِدٍ قالَ: سَمعتُ قَيْسَ بنَ أَبِي حازِمٍ، قالَ:

سمعتُ عبدَ الله بنَ مسْعُودٍ، قالَ: قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : «لا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ [1] : رَجُلٌ آتاهُ اللهُ مالاً فَسُلِّطَ [2] علىَ هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتاهُ اللهُ [3] الحِكْمَةَ [4] فهو يَقْضِي بها وَيُعَلِّمُها».

الحَسَد هاهنا معناه [5] : شِدَّةُ الحِرص والرغبة، كَنَّى بالحسد عنهما؛ لأنَّهما سببُ الحَسَد والدَّاعي له، ونفسُ [6] الحسد محرَّمٌ محظورٌ.

وأخبرني أبو عمر، عن أبي العبَّاس أحمد بن يحيى قال: الحَسَدُ أن تتمنَّى مَالَ أخيك وتُحبَّ فَقره، وهو محظورٌ، والمنافسة: أن تتمنَّى مثل ماله من غير أن يفتقر، وهو مباحٌ، قال الله تعالى: { وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ } الآية [النساء: 32] ثم قال: { وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ } [النساء: 32] .

ومعنى الحديث: التحريض والترغيب في تعلُّم العلمِ [7] والتَّصدُّق بالمال.

وقد قيل: إنَّ هذا إنَّما هو [8] تخصيص لإباحة نوع من الحَسَد، وإخراجٍ له عن جملة [9] ما حظر منه، كما رخَّص في نوع من الكذب، وإن كانت جملته محظورةً، كقوله صلى الله عليه وسلم : «إنَّ الكذبَ لا يحلُّ إلَّا في ثلاث: الرجلُ [10] يكذبُ في الحرب، والرَّجلُ [11] يُصلح بين اثنين، ويُحدِّثُ أهله فيكْذِبُها، أي يترضَّاها [12] ».

ومعنى قوله: (لا حَسَد) أي: لا إباحة لشيء من نوع الحسد إلَّا فيما كان هذا سبيله.

ووجه الحديث هو المعنى الأول.

@%ص41%

[1] في الأصل (اثنين) والمثبت من (ط).
[2] في (أ) و (ف): (فسلطه).
[3] لفظ الجلالة سقط من (ط)
[4] في النسخ الفروع: (حكمة).
[5] في النسخ الفروع: (معنى الحسد هاهنا).
[6] في (ط)، (ويعتبر) محرفاً.
[7] في (أ): (طلب العلم والتعلم)، وفي غيرها من الفروع: (طلب العلم وتعلمه).
[8] (إنما هو) سقط من (ط).
[9] في (ط): (كمته) تصحيفاً.
[10] في النسخ الفروع: (رجل).
[11] في (ط): (ورجل) بإسقاط اللام.
[12] في (ط): (يَتَراضاها) والحديث أخرجه الترمذي في سننه رقم (1939)، عن أسماء بنت يزيد.





لا تتوفر معاينة

73# البخاري: حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَلَى غَيْرِ

@%ص66%

مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لاَ حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا».

قوله: «عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ» القائل: هو سفيان بن عيينة، يقول سفيان: هو على خلاف حديثي عن الزهري الذي أخرجه البخاري في «كتاب التوحيد»، قاله عياض.

قول عمر: «قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا» أي تعظموا، يقال: ساد قومه يسودهم سيادة، وسؤدداً، فهو سيدهم، وسوده قومه، وهو أسود من فلان، أي أجلُّ منه، والمعنى: من سوده الناس يستحي أن يقعد مقعد المتعلم خوفاً على رئاسته عند العامة.

وقال مالك: «من عيب القاضي أنه إذا عزل لم يرجع إلى مجلسه الذي كان يتعلم فيه».

قال: «وكان الرجل إذا قام من مجلس ربيعة إلى خطة أو حكم لم يرجع إليه بعدها».

وقال يحيى بن معين: «من عاجل الرئاسة فاته علم كثير».

قوله صلى الله عليه وسلم: «لاَ حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ» أي في خصلتين خصلة رجل، أو في طريقين اثنتين طريقة رجل، وشبهه.

ويجوز في «رجل» ثلاثة أوجه: البدل، وإضمار أعني، والرفع على تقدير خصلتين إحداهما خصلة رجل.

قال أبو سليمان الخطابي: «معنى الحسن هنا شدة الحرص والرغبة، وأطلق الحسد عليه لأنهما سببه، ونفس الحسد محرم محظور.

وروي عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب أنه قال: «الحسد أن تتمنى مال أخيك وتحب فقره، وهو محظور، والمنافسة [1] أن تتمنى مثل ماله من غير أن يفتقر وهو مباح، قال الله تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم

@%ص67%

على بعض}، ثم قال: {واسألوا الله من فضله}، قال: ويعني الحديث الترغيب في طلب العلم وتعلمه، والتصدق بالمال.

وقيل: إنه تخصيص إباحة نوع من الحسد كما رخص في نوع من الكذب، قال عليه السلام: «الكذب لا يحل إلا في ثلاث» وذكر الحديث، فكأنه قال: لا إباحة في شيء من الحسد إلا فيما كان هذا سبيله، وقيل: هو استثناء منقطع بمعنى: لكن في اثنتين، لأن الحسد كله مذموم على قول هذا القائل.

قلت: فعلى الأول لفظ الحسد في الحديث استعمل مجازاً، وعلى الثاني والثالث استعمل حقيقة واستثني منه، ويؤيد الأول وجود القرينة الدالة على المجاز وهي ما جاء في بعض طرقه: «فقال رجل ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما عمل».

قال عياض: التقدير لا حسد محموداً أو ممدوحاً إلا هذا.

والحسد على ثلاثة أضرب: محرم، ومباح، ومحمود، فالمحرم تمني زوال النعمة المحسود [عليها] [2] عن صاحبها وانتقالها إلى الحاسد، وأما القسمان الآخران فغبطة، وهو أن يتمنى ما يراه من خير بأحد أن يكون له مثله، فإن كانت من أمور الدنيا فمباحة، وإن كانت من الطاعات فمحمودة.

قال النواوي: الأول حرام بالإجماع، قال بعض العلماء: إذا أنعم الله على أخيك نعمة فكرهتها وأحببت زوالها فهو حرام بكل حال إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر أو من يستعين بها على فتنة وإفساد.

قال الخطابي وغيره: وفي الحديث دليل على أن الغني إذا قام بشروط المال وفعل فيه ما يرضي الله تعالى أفضل من الفقير.

قوله: «عَلَى هَلَكَتِهِ» أي هلاكه، أي إنفاقه في الطاعات.

قوله: «رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ» الحكمة: ما يمنع من الجهل، وقيل: الحكمة الإصابة من غير نبوة، وقيل: الحكمة الفقه في الدين والعلم، وقيل: الفهم عن الله.

وقد خرج البخاري في «فضائل القرآن» وبوب عليه:« باب اغتباط صاحب

@%ص68%

القرآن» من حديث ابن عمر، وابي هريرة، ولفظ حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل، ورجل آتاه الله مالاً فهو يهلكه _ وفي رواية: ينفقه _ في الحق»، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل.

هذا لفظ حديث أبي هريرة، وأخرجه مسلم من حديث ابن عمر بنحوه.

قلت: فعلى هذا يكون المستثنى من الحسد الممنوع ثلاثة أوجه:

أحدها: في العلم، والثاني: في قراءة القرآن، والثالث: في إنفاق المال في القربات.

ونبه بالقراءة على الأعمال البدنية بجملتها، وبالإنفاق على سائر وجوه إنفاق المال في القربات، ويلحق بهذه الثلاثة ما أشبهها، وعن الداودي: المنافسة في جميع الأعمال الصحيحة.

بوب عليه هنا: «باب الاغتباط في العلم والحكمة»، وفي «الزكاة»: «باب إنفاق المال في حقه»، وفي «الأحكام»: «باب أجر من قضى بالحكمة»، وفي «الاعتصام»: «باب ما جاء في اجتهاد القضاء بما أنزل الله، لقوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة:45]»، ومدَحَ النبي صلى الله عليه وسلم صاحبَ الحكمة حين يقضي بها ويعلمها، لا يتكلف من قِبَله.

وأخرجه في «الزكاة» عن ابن المثنى، عن يحيى بن سعيد، وفي البابين عن شهاب بن عباد، عن إبراهيم بن حميد.

ورواه مسلم من حديث ابن مسعود في «الصلاة»، عن أبي بكر، عن وكيع، وعن ابن نُمَير عن أبيه، ومحمد بن بشر، كلهم عن إسماعيل، عن قيس به، ورجال السند تقدم التعريف بهم.

[1] قوله: «والمنافسة» لم يتضح، استدرك من المصادر.
[2] ما بين معقوفتين زيادة لا بد منها، وهو اللفظ الوارد في «عمدة القاري»، وقد وضع في الأصل إشارة لحق على كلمة (المحسود) لكن لم يكتب شيء في الهامش، مما يدل على ضرورة ما أثبته.





73# قوله: (لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ).

قوله: (قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا): أي: في كبر سنِّكم، وقبل بلوغ درجة السِّيادة، فإنَّه إذا كان العلم سببًا للسيادة؛ فهو جدير أن يغتبط له صاحبه؛ لأنَّه

@%ج1ص10%

سبب لسيادته، وقيل: قبل أن تعظموا، تعلَّموه [1] صغارًا قبل أن تصيروا سادة رؤساء يُنظَر إليكم.

قوله: (لَا حَسَدَ): الحسد: تمنِّي الرَّجل أن يتحوَّل إليه نعمة الآخر ويسلبها، والاغتباط ليس يسلب، ولكن يتمنَّى مثله، والمعنى: لا إباحة لشيء من الحسد إلَّا فيما كان هذا سبيله؛ أي: لا حسدَ [2] محمودًا إلَّا هذا.

[1] في (ب): (تعلموا).
[2] في (أ): (حسدًا).





73- وبه قال: ((حدثنا الحُميدي)) ؛ بضم الحاء المهملة: أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عبس المكي، المتوفى سنة تسع عشرة ومئتين، ((قال: حدثنا سفيان)) هو ابن عُيينة، ((قال: حدثني)) بالإفراد، وفي رواية: بالجمع، ((إسماعيل بن أبي خالد على غير ما)) ؛ أي: على غير اللفظ الذي، ((حدَّثَناهُ الزهريُّ)) محمد بن مسلم بن شهاب، المسوق روايته عند المؤلف في (التوحيد) ، يعني: أنَّ ابن عُيينة ذكر أنَّ الزهريَّ حدَّثه بهذا الحديث بلفظ غير اللفظ الذي حدَّثه به إسماعيل، [و] (الزهريُّ) بالرفع فاعلُ (حدَّث) ، و (نا) مفعولُه، والضمير يرجع إلى الحديث.

والغرض من هذا: الإشعارُ بأنَّه سمع ذلك من إسماعيل على وجهٍ غير الوجه الذي سمع من الزهري، إمَّا مغايرةً في اللفظ أو في الإسناد أو غير ذلك، وفائدته: التقوية والترجيح بتعداد الطرق، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان الروايتين وما بينهما من التخالف[/ص48/] في اللفظ.

((قال)) ؛ أي: إسماعيل بن [أبي] خالد، ((سمعت قيس بن أبي حازم)) ؛ بالحاء المهملة والزاي، ((قال: سمعت عبد الله بن مسعود)) رضي الله عنه؛ أي: كلامَه حالَ كونِه ((قال: قال النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم: لا حسدَ)) ، فـ (لا) لنفي الجنس، و (حسد) اسمه مبني على الفتح، وخبرُه محذوف؛ أي: جائز، ((إلَّا في اثنتين)) بتاء التأنيث؛ أي: خصلتين، وللمؤلف: (اثنين) بغير تاء؛ أي: شيئين ((رجلٌ)) بالرفع على تقدير: إحدى الاثنتين خصلةُ رجلٍ، فلمَّا حذف المضاف اكتسب المضاف إليه إعرابَه، والنصب على إضمار (أعني رجلًا) ، وهي رواية ابن ماجه، والجرُّ على أنَّه بدل من (اثنين) [1] ، وعلى رواية (اثنتين) بالتاء؛ فهو بدل أيضًا على تقدير حذف المضاف؛ أي: خصلةُ رجلٍ؛ لأنَّ (اثنتين) معناه: خصلتين، كما مر، ((آتاه الله)) بالمدِّ؛ أي: أعطاه ((مالًا)) من الحلال ((فسُلِّط)) بضمِّ السين، وفي رواية: (فسلَّطه) بالهاء، وعبَّر بـ (سلَّط) ؛ ليدُلَّ على قهر النفس المجبولة على الشُّحِّ ((على هلَكَته)) بفتح اللام والكاف؛ أي: إهلاكه ((في الحق)) لا في التبذير.

((ورجلٌ)) بالأوجه الثلاثة ((آتاه الله)) بالمدِّ أيضًا؛ أي: أعطاه، ((الحكمة)) ؛ أي: القرآن، كما في حديث أبي هريرة: «لا حسد إلَّا في اثنتين؛ رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل والنهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو يهلكه ـ وفي رواية: ينفقه ـ في الحق»، ((فهو يقضي بها)) بين الناس، ((ويعلمها)) لهم، أطلق الحسد وأراد الغبطة، من باب إطلاق اسم المسبب على السبب، ومعنى الحسد هنا: شدة الحرص والرغبة، كنَّى بالحسد عنهما؛ لأنَّهما سببه والداعي إليه، ولهذا سماه المؤلف اغتباطًا، ويدُلُّ له ما ذكره المؤلف في (فضائل القرآن) من حديث أبي هريرة ولفظه: «فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان، فعملت مثل ما يعمل»، فلم يتمنَّ السلب، وإنَّما تمنَّى أن يكون مثلَه، وقد تمنَّى ذلك الصالحون والأخيار.

وفيه قول بأنَّه تخصيصٌ لإباحة نوع من الحسد، وإخراجٌ له عن جملة ما حُظر منه، كما رُخِّص في نوع من الكذب وإن كانت جملتُه محظورة، فالمعنى: لا إباحة في شيء من الحسد إلَّا فيما كان هذا سبيله؛ أي: لا حسد محمودٌ إلَّا هذا، وقيل: إنَّه استثناء منقطع بمعنى: لكن في اثنين، وإذا أنعم الله على أخيك نعمةً فكرهتها وأحببتَ زوالَها فهو حرام، إلَّا نعمة أصابها كافر، أو فاجر، أو مَن يستعين بها على فتنة أو فساد، ويُستدَلُّ بهذا الحديث على أنَّ الغنيَّ الشاكر الذي قام بشروط المال أفضلُ من الفقير الصابر، وتمامه في «عمدة القاري».

[1] في الأصل: (اثنتين)، ولعل المثبت هو الصواب.