متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

66- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمامُ الأئمَّة، (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريِّ البخاريِّ، ابن أخي أنسٍ لأمِّه، التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وثلاثين ومئةٍ، (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ) بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، اسمه: يزيدُ (مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) بفتح العين (أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ)؛ بالقاف المكسورة، والدَّال المُهمَلَة، اسمه: الحارث بن مالكٍ، أو ابن عوفٍ الصَّحابيِّ (اللَّيْثِيِّ) _بالمُثلَّثة_ البدريِّ في قول بعضهم، المُتوفَّى بمكَّة [1] سنة ثمانٍ وستِّين، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا الحديث، وقد صرَّح أبو مُرَّة في رواية النَّسائيِّ من طريق [2] يحيى بن أبي كثيرٍ عن إسحاق، فقال: عن أبي مرَّة أنَّ أبا واقدٍ حدَّثه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَمَا) بزيادة الميم (هُوَ) مبتدأٌ، خبره: [/ج1ص163/]

(جَالِسٌ) حال كونه (فِي الْمَسْجِدِ) المدنيِّ، (وَالنَّاسُ مَعَهُ) جملةٌ حاليَّةٌ (إِذْ أَقْبَلَ) جوابُ «بينما» (ثَلَاثَةُ نَفَرٍ)؛ بالتَّحريك، ولم يُسَمَّ [3] واحدٌ من الثَّلاثة؛ أي: ثلاثة رجالٍ من الطَّريق، «فدخلوا المسجد»، كما في حديث أنسٍ، فإذا ثلاثة نفرٍ مارِّين، (فَأَقْبَلَ اثْنَانِ) منهم (إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى) مجلس (رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)، و«على» هنا بمعنى: عند، قاله في «الفتح»، وتعقَّبه صاحب «عمدة القاري»: بأنَّه لم تَجِئْ بمعناها، وزاد التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأكثر رواة «المُوطَّأ»: فلمَّا وقفا؛ سلَّما، (فَأَمَّا) بفتح الهمزة، وتشديد الميم تفصيليَّةٌ، (أَحَدُهُمَا) بالرَّفع مبتدأٌ، خبره: (فَرَأَى فُرْجَةً)؛ بضمِّ الفاء (فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا)، وأتى بالفاء في قوله: «فرأى»؛ لتضمُّن «أمَّا» معنى الشَّرط، ولابن عساكر: ((فَرْجةً))؛ بفتح الفاء، وهي والضَّمُّ لغتان؛ وهي: الخلل بين الشَّيئين، قاله النَّوويُّ فيما نقله في «عمدة القاري»، (وَأَمَّا الآخَرُ)؛ بفتح الخاء؛ أي: الثَّاني؛ (فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ) حال كونه (ذَاهِبًا)؛ أي: أدبر مُستمِرًّا في ذهابه ولم يرجع، وإلَّا؛ «فأدبر» بمعنى: مرَّ ذاهبًا، (فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) ممَّا كان مشتغلًا به؛ من تعليم القرآن، أوِ [4] العلم، أوِ الذِّكر، أوِ الخطبة، أو نحو ذلك؛ (قَالَ: أَلَا) _بالتَّخفيف_ حرفُ تنبيهٍ، والهمزة: يحتمل أن تكون للاستفهام، و«لا»: للنَّفي، (أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ)، فقالوا: أَخْبِرْنا عنهم يا رسول الله؛ فقال: (أَمَّا أَحَدُهُمْ؛ فَأَوَى)؛ بقصر الهمزة؛ أي: لجأ (إِلَى اللهِ) تعالى، أوِ انضمَّ إلى مجلس الرَّسول صلى الله عليه وسلم (فَآوَاهُ الله) إليه؛ بالمدِّ؛ أي: جازاه بنظير فعله؛ بأن ضمَّه إلى رحمته ورضوانه، أو يؤويه يوم القيامة إلى ظلِّ عرشه، فنسبة الإيواء إلى الله تعالى مجازٌ؛ لاستحالته في حقِّه تعالى، فالمُرَاد: لازِمه [5] ؛ وهو إرادة إيصال الخير، ويُسمَّى هذا المجازُ مجازَ المُشاكَلَة والمُقابَلَة، (وَأَمَّا الآخَرُ) بفتح الخاء (فَاسْتَحْيَا)؛ أي: ترك المُزاحَمَة حياءً من الرَسول صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه، وعند الحاكم: «ومضى الثَّاني قليلًا، ثمَّ جاء، فجلس»، قال في «الفتح»: فالمعنى: أنَّه استحيا من الذَّهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثَّالث، (فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ)؛ بأن رَحِمَه ولم يعاقبه، فجازاه بمثل ما فعل، وهذا أيضًا: من قبيل المُشاكَلَة؛ لأنَّ الحياء تغيُّرٌ وانكسارٌ يعتري الإنسان من خوف ما يُذَمُّ به، وهذا مُحال على الله تعالى، فيكون مَجازًا عن ترك العقاب، وحينئذٍ فهو من قَبِيل ذكر الملزوم وإرادة اللَّازم، (وَأَمَّا الآخَرُ)؛ وهو الثالث؛ (فَأَعْرَضَ) عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلتفت إليه، بل ولَّى مُدْبِرًا؛ (فَأَعْرَضَ الله) تعالى (عَنْهُ)؛ أي: جازاه بأنْ سخط عليه، وهذا أيضًا: من باب [6] المُشاكَلَة؛ لأنَّ الإعراض هو الالتفات إلى جهةٍ أخرى، وذلك لا يليق بالباري تعالى، فيكون مجازًا عن السُّخط والغضب، ويحتمل أنَّ هذا كان منافقًا، فَأَطْلَعَ اللهُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم على أمره [7] .

ورواة هذا الحديث مدنيُّون، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد، والعنعنة، والإخبار، وتابعيٌّ عن مثله، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦474] ، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ في «الاستئذان»، والنَّسائيُّ في «العلم».

[1] «بمكَّة»: سقط من (ص).
[2] في (ص): «رواية».
[3] في (م): «يسلم».
[4] «القرآن أو»: سقط من (ص) و(م).
[5] في غير (ب) و(س): «لوازمها».
[6] في (ب) و(س): «قبيل».
[7] قوله: «ويحتمل أنَّ هذا كان منافقًا، فَأَطْلَعَ اللهُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم على أمره»، سقط من (ص) و(م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

66-. حدَّثنا إِسْماعِيلُ، قالَ: حدَّثني مالِكٌ، عن إِسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ أَبا مُرَّةَ مَوْلَىَ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طالِبٍ أخبَرَهُ:

عَنْ أَبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَما هو جالِسٌ فِي المَسْجِدِ والنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فأَقْبَلَ اثْنانِ إِلَىَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَهَبَ واحِدٌ، قالَ: فَوَقَفا عَلَىَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فأَمَّا أَحَدُهُما: فَرأَىَ فُرْجَةً [1] فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فيها، وأَمَّا الآخَرُ: فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وأَمَّا الثَّالِثُ: فأَدْبَرَ ذاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «أَلا أُخْبِرُكُمْ عن النَّفَرِ الثَّلاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فأَوَىَ إلىَ اللَّهِ فآواهُ اللَّهُ، وأَمَّا الآخَرُ فاسْتَحْيا فاسْتَحْيا اللَّهُ مِنْهُ، وأَمَّا الآخَرُ فأَعْرَضَ فأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ».

[1] في رواية ابن عساكر: «فَرجة» بفتح الفاء.





66- ( الفُرجة ) بضم الفاء وفتحها. [/ج1ص53/]

( الْحَلْقَةِ ) بإسكان اللام على المشهور. قال العسكري: وهي كلُّ شيء مستدير خالي الوسط، والجمع حَلَق بفتح الحاء واللام. قال: وحكي فتح اللام في الواحد وهو قليل.

( فَأَوَى ) بالقصر، أي: رجع إليه. قال القاضي: أشهر ما يقرأ بقصر الألف من الكلمة الأولى ومدِّها من الثانية المعدَّاة، وإن كان عند أهل اللغة في كل واحدة من الكلمتين الوجهان.

( مَوْلَى عَقِيلِ ) بفتح العين.


لا تتوفر معاينة

66- قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ): تقدَّم أنَّه ابن أبي أويس ابن أخت مالك الإمام.

قوله: (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ): اسم أبي مرَّة يزيد، ويقال: هو مولى أمِّ هانئ أخت عقيل، روى أبو مرَّة هذا عنهما، وعن أبي الدَّرداء، وغيرهم، وعنه: سعيد بن أبي هند، والمقبريُّ، وآخرون، قال الواقديُّ: (إنَّما هو مولى أمِّ هانئ، وإنَّما نُسِب إلى عَقيل؛ لكونه كان يلزمه) ، وكان شيخًا [/ج1ص42/] قديمًا، أخرج له الجماعة، ثقة.

قوله: (عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ): هو بالقاف، واسمه الحارث بن عوف بن أَسِيد، وقيل: الحارث بن مالك، وقيل: عوف بن الحارث، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعن أبي بكر، وعمر، وعنه: ابناه عبد الملك وواقد، وجماعة، قيل: إنَّه شهد بدرًا، وليس بشيء، بل شهد الفتح، ونزل في الآخر بمكَّة، وتُوفِّي بها سنة (68 هـ ) [1] ، أخرج له الجماعة، ولعلَّ الذي شهد بدرًا سميٌّ له، قاله الذهبيُّ في «تجريده».

قوله: (ثَلاَثَةُ نَفَرٍ): هؤلاء الثَّلاثة لا أعرفهم، والنَّفَر؛ بالتحريك: عدَّة رجال من ثلاثة إلى عشرة، قاله الجوهريُّ.

قوله: (فُرْجَةً): تقدَّم الكلام عليها قريبًا.

قوله: (فِي الْحَلْقَةِ): تقدَّم الكلام عليها قريبًا.

قوله: (فَأَوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ): الأولى بالقصر، والثانية بالمدِّ، وهذا لغة القرآن أنَّ اللازم بالقصر، والمتعدِّي بالمدِّ، وحُكِيَ في اللَّازم المدُّ، وفي المتعدِّي القصر، والمشهور الأوَّل.

[1] في (ب): (168 هـ ) .





66- (ثَلَاثَةُ نَفَرٍ): إنْ قلتَ: مميِّزُ (الثَّلاثة) لا بُدَّ أن يكون جمعًا، و (النَّفرُ) ليس بجمعٍ.

قلتُ: النَّفرُ: اسمُ جمعٍ، واسمُ الجمع في وقوعه تمييزًا كالجمع؛ نحو قوله تعالى: {تِسْعَةُ رَهْطٍ} [النمل: 48] ، قال في «الكشَّاف»: (إنَّما جاز تمييز التِّسعة بالرَّهط؛ لأنَّه في معنى الجماعة، [/ص22/] فكأنَّه قيل: تسعة أنفس) انتهى.

(فَأَوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ): الأُولى بالقصر، والثَّانية بالمد، هذا لغةُ القرآن؛ أنَّ اللَّازم بالقصر، والمتعدِّيَ بالمدِّ، وحُكي في اللَّازم المدِّ، وفي المتعدِّي القصر.


66- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) بن أبي أويسٍ، (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) إمامُ الأئمَّة، (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريِّ البخاريِّ، ابن أخي أنسٍ لأمِّه، التَّابعيِّ، المُتوفَّى سنة اثنتين وثلاثين ومئةٍ، (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ) بضمِّ الميم وتشديد الرَّاء، اسمه: يزيدُ (مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) بفتح العين (أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ)؛ بالقاف المكسورة، والدَّال المُهمَلَة، اسمه: الحارث بن مالكٍ، أو ابن عوفٍ الصَّحابيِّ (اللَّيْثِيِّ) _بالمُثلَّثة_ البدريِّ في قول بعضهم، المُتوفَّى بمكَّة [1] سنة ثمانٍ وستِّين، وليس له في «البخاريِّ» إلَّا هذا الحديث، وقد صرَّح أبو مُرَّة في رواية النَّسائيِّ من طريق [2] يحيى بن أبي كثيرٍ عن إسحاق، فقال: عن أبي مرَّة أنَّ أبا واقدٍ حدَّثه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَمَا) بزيادة الميم (هُوَ) مبتدأٌ، خبره: [/ج1ص163/]

(جَالِسٌ) حال كونه (فِي الْمَسْجِدِ) المدنيِّ، (وَالنَّاسُ مَعَهُ) جملةٌ حاليَّةٌ (إِذْ أَقْبَلَ) جوابُ «بينما» (ثَلَاثَةُ نَفَرٍ)؛ بالتَّحريك، ولم يُسَمَّ [3] واحدٌ من الثَّلاثة؛ أي: ثلاثة رجالٍ من الطَّريق، «فدخلوا المسجد»، كما في حديث أنسٍ، فإذا ثلاثة نفرٍ مارِّين، (فَأَقْبَلَ اثْنَانِ) منهم (إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى) مجلس (رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)، و«على» هنا بمعنى: عند، قاله في «الفتح»، وتعقَّبه صاحب «عمدة القاري»: بأنَّه لم تَجِئْ بمعناها، وزاد التِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وأكثر رواة «المُوطَّأ»: فلمَّا وقفا؛ سلَّما، (فَأَمَّا) بفتح الهمزة، وتشديد الميم تفصيليَّةٌ، (أَحَدُهُمَا) بالرَّفع مبتدأٌ، خبره: (فَرَأَى فُرْجَةً)؛ بضمِّ الفاء (فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا)، وأتى بالفاء في قوله: «فرأى»؛ لتضمُّن «أمَّا» معنى الشَّرط، ولابن عساكر: ((فَرْجةً))؛ بفتح الفاء، وهي والضَّمُّ لغتان؛ وهي: الخلل بين الشَّيئين، قاله النَّوويُّ فيما نقله في «عمدة القاري»، (وَأَمَّا الآخَرُ)؛ بفتح الخاء؛ أي: الثَّاني؛ (فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ) بالنَّصب على الظَّرفيَّة (وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَأَدْبَرَ) حال كونه (ذَاهِبًا)؛ أي: أدبر مُستمِرًّا في ذهابه ولم يرجع، وإلَّا؛ «فأدبر» بمعنى: مرَّ ذاهبًا، (فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم) ممَّا كان مشتغلًا به؛ من تعليم القرآن، أوِ [4] العلم، أوِ الذِّكر، أوِ الخطبة، أو نحو ذلك؛ (قَالَ: أَلَا) _بالتَّخفيف_ حرفُ تنبيهٍ، والهمزة: يحتمل أن تكون للاستفهام، و«لا»: للنَّفي، (أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ)، فقالوا: أَخْبِرْنا عنهم يا رسول الله؛ فقال: (أَمَّا أَحَدُهُمْ؛ فَأَوَى)؛ بقصر الهمزة؛ أي: لجأ (إِلَى اللهِ) تعالى، أوِ انضمَّ إلى مجلس الرَّسول صلى الله عليه وسلم (فَآوَاهُ الله) إليه؛ بالمدِّ؛ أي: جازاه بنظير فعله؛ بأن ضمَّه إلى رحمته ورضوانه، أو يؤويه يوم القيامة إلى ظلِّ عرشه، فنسبة الإيواء إلى الله تعالى مجازٌ؛ لاستحالته في حقِّه تعالى، فالمُرَاد: لازِمه [5] ؛ وهو إرادة إيصال الخير، ويُسمَّى هذا المجازُ مجازَ المُشاكَلَة والمُقابَلَة، (وَأَمَّا الآخَرُ) بفتح الخاء (فَاسْتَحْيَا)؛ أي: ترك المُزاحَمَة حياءً من الرَسول صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه، وعند الحاكم: «ومضى الثَّاني قليلًا، ثمَّ جاء، فجلس»، قال في «الفتح»: فالمعنى: أنَّه استحيا من الذَّهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثَّالث، (فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ)؛ بأن رَحِمَه ولم يعاقبه، فجازاه بمثل ما فعل، وهذا أيضًا: من قبيل المُشاكَلَة؛ لأنَّ الحياء تغيُّرٌ وانكسارٌ يعتري الإنسان من خوف ما يُذَمُّ به، وهذا مُحال على الله تعالى، فيكون مَجازًا عن ترك العقاب، وحينئذٍ فهو من قَبِيل ذكر الملزوم وإرادة اللَّازم، (وَأَمَّا الآخَرُ)؛ وهو الثالث؛ (فَأَعْرَضَ) عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلتفت إليه، بل ولَّى مُدْبِرًا؛ (فَأَعْرَضَ الله) تعالى (عَنْهُ)؛ أي: جازاه بأنْ سخط عليه، وهذا أيضًا: من باب [6] المُشاكَلَة؛ لأنَّ الإعراض هو الالتفات إلى جهةٍ أخرى، وذلك لا يليق بالباري تعالى، فيكون مجازًا عن السُّخط والغضب، ويحتمل أنَّ هذا كان منافقًا، فَأَطْلَعَ اللهُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم على أمره [7] .

ورواة هذا الحديث مدنيُّون، وفيه: التَّحديث بالجمع والإفراد، والعنعنة، والإخبار، وتابعيٌّ عن مثله، وأخرجه المؤلِّف في «الصَّلاة» [خ¦474] ، ومسلمٌ والتِّرمذيُّ في «الاستئذان»، والنَّسائيُّ في «العلم».

[1] «بمكَّة»: سقط من (ص).
[2] في (ص): «رواية».
[3] في (م): «يسلم».
[4] «القرآن أو»: سقط من (ص) و(م).
[5] في غير (ب) و(س): «لوازمها».
[6] في (ب) و(س): «قبيل».
[7] قوله: «ويحتمل أنَّ هذا كان منافقًا، فَأَطْلَعَ اللهُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم على أمره»، سقط من (ص) و(م).





66- (مَوْلَى عَقِيْلٍ) قيل له ذلك للزومه إيَّاه، وإنَّما هو مولى أخته أمِّ هانئ.

( نَفَرٍ ): هو بالتَّحريك: الرِّجال من ثلاثة إلى عشرة.

( فَوَقَفَا ) زاد في «الموطَّأ»: «فلمَّا وقفا سلَّما على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم» أي: على مجلسه، أو على معنى: عند.

( فُرْجَةً ): بضمِّ الفاء وفتحها.

( الْحَلْقَةِ ): بسكون اللَّام في الأشهر، وهي: كلُّ مستدير خالي الوسط، والجمع: حَلَق بفتحتين.

(الآخَرُ ) بفتح الخاء.

( فَأَوَى إِلَى اللَّهِ ): بالقصر، أي: لجأ إليه، أو انضمَّ إلى مجلس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

( فَآوَاهُ اللهُ ): بالمدِّ أي: جازاه بأن ضمَّه إلى رحمته ورضوانه.

( فَاسْتَحْيَا ) قال القاضي عياض: أي: ترك المزاحمة حياءً من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ومن الحاضرين. وقال ابن حجر: بل استحيا من الذَّهاب عن المجلس، كما فعل رفيقه الثَّالث، ففي حديث أنس عند الحاكم: «ومضى الثَّاني قليلًا، ثمَّ جاء فجلس».

( فَاسْتَحْيَا مِنْهُ ) أي: رحمه ولم يعاتبه.

( فَأَعْرَضَ ) في حديث أنس: «فاستغنى فاستغنى الله عنه».

( فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ ) أي: سخط عليه، فإطلاق الاستحياء والإعراض على الله من باب المشاكلة. [/ج1ص234/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

66- وبه قال: ((حدثنا إسماعيل)) هو ابن أبي أويس المدني، ((قال: حدثني)) بالإفراد، ((مالك)) الإمام، ((عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة)) الأنصاري البخاري، ابن أخ أنس لأمه، التابعي المتوفى سنة اثنتين وثلاثين ومئة.

((أن أبا مُرَّة)) ؛ بضم الميم وتشديد الراء، اسمه: يزيد، ((مولى عقيل)) ؛ بفتح العين، ((بن أبي طالب)) ، وقيل: مولى أخيه علي، وقيل: مولى أختهما أم هانئ، ((أخبره عن أبي واقد)) ؛ بالقاف المكسورة والدال المهملة، اسمه: الحارث بن عوف أو الحارث بن مالك، أو عوف بن الحارث والأول أصح، الصحابي ((الليثي)) ؛ بالمثلثة، البدري في قول، المتوفى بمكة سنة ثمان وستين، وصرَّح أبو مُرَّة عند النسائي فقال: (عن أبي مُرَّة: أنَّ أبا العالية واقد حدَّثه) ((أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما)) أصله: (بين) زيدت فيه لفظة (ما) ، وهو من الظروف التي لزمت إضافتها إلى الجملة، وفي رواية: (بينا) بدون (ما) وأصلها: (بين) ، فأشبعت فتحة النون بالألف، والعامل فيه معنى المفاجأة ((هو)) مبتدأ، خبره ((جالس)) حال كونه ((في المسجد)) النبوي، ((والناس معه)) جملة حالية، ((إذ أقبل)) جواب (بينما) ، وقدَّمنا: أنَّ الأصمعيَّ لا يستفصح مجيء (إذ) و (إذا) في جواب (بين) ، ((ثلاثة)) فاعل (أقبل) ، ((نفر)) بالتحريك؛ عدة رجال، من الثلاثة إلى العشرة، والمراد: ثلاثة رجال من الطريق، فدخلوا المسجد كما في حديث أنس: (فإذا ثلاثةُ نفرٍ مارين) ، ولم يتعرف أسماؤهم ولا واحدًا.

((فأقبل اثنان)) منهم ((إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد)) منهم، ((قال: فوقفا على)) مجلس ((رسول الله صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: اشترفا عليه، وقال ابن حجر: (على) بمعنى (عند) ، وردَّه في «عمدة القاري»: بأنَّها لم تجئ بمعناها؛ فليحفظ، وفي رواية: (فلما وقفا سلما) .

((فأمَّا)) ؛ بفتح الهمزة وتشديد الميم: تفصيليَّة، ((أحدهما)) بالرفع مبتدأ، خبره قوله: ((فرأى فُرجة)) ؛ بضم الفاء، ((في الحلقة فجلس فيها)) وأتى بالفاء في (فرأى) ؛ لتضمُّن (أمَّا) معنى الشرط، وفي رواية: (فَرجة) ؛ بفتح الفاء، كما مرَّ.

((وأمَّا الآخَر)) ؛ بفتح الخاء؛ أي: الثاني، ((فجلس خلفَهم)) بالنصب على الظرفية، لعلَّه لم يجد فرجة؛ فتأمَّل، ((وأمَّا الثالث؛ فأدبر)) من الإدبار؛ أي: التولِّي، حال كونه ((ذاهبًا)) ؛ أي: أدبر مستمرًا في ذهابه ولم يرجع.

((فلمَّا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم)) مِن حديثه، ((قال: ألَا)) ؛ بالتخفيف حرف تنبيه، ويَحتمل أنْ تكون (الهمزة) للاستفهام و (لا) للنفي، ((أُخبِرُكم عنِ النفر الثلاثة)) ، فقالوا: أخبرنا عنهم يا رسول الله، فقال: ((أمَّا)) ؛ بالتشديد للتفصيل، ((أحدُهم فآوى)) بهمزة مقصورة؛ أي: لجأ، ((إلى الله تعالى)) ، أو دخل مجلس رسول الله عليه السلام ((فآواه)) ؛ بالمد، ((الله إليه)) ؛ أي: جازاه بنظير فِعْله، بأنْ جعله في رحمته ورضوانه، أو يؤويه يوم القيامة إلى ظِلِّ عرشه، فنسبة الإيواء إلى الله[/ص44/] تعالى مجازٌ؛ لاستحالته في حقِّه تعالى، فالمراد لازِمُه، وهو إرادة إيصال الخير، ويسمَّى هذا المجاز: مشاكلةٌ ومقابلةٌ.

((وأمَّا الآخَر)) ؛ بفتح الخاء، ((فاستحى)) ؛ أي ترك المزاحمة؛ حياءً من رسول الله عليه السلام ومن أصحابه، وعند الحاكم: ومضى الثاني قليلًا ثم جاء فجلس، قال في «عمدة القاري»: معناه: استحى مِنَ الذهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثالث، اهـ؛ فليحفظ.

((فاستحيى اللهُ منه)) ؛ أي: جازاه بمثل فعله؛ بأنْ رحمه ولم يعاقبه، وهذا أيضًا من قبيل المشاكلة؛ لأنَّ الحياء تغيُّرٌ وانكسارٌ يَعتري الإنسان مِن خوفِ ما يُذَمُّ به، وهذا محالٌ على الخالق تبارك وتعالى، فيكون مَجازًا عن ترك العقاب للاستحياء، فيكون هذا من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم، كما في «عمدة القاري».

((وأمَّا الآخَر)) ؛ أي: الثالث، ((فأعرض)) عن مجلس النبي الأعظم عليه السلام ولم يلتفت إليه؛ بل ولَّى مُدبرًا، ((فأعرض الله عنه)) ؛ أي: جازاه؛ بأنْ سخط عليه، وهذا أيضًا من باب المشاكلة؛ لأنَّ الإعراض: هو التفات إلى جهة أخرى، وذاك لا يليق في حقِّ الله تعالى، فيكون مَجازًا عن السُّخط والغضب، المجاز عن إرادة الانتقام.

والمراد في مثل هذه الإطلاقات: غاياتها ولوازمها، والعلاقة بين الحقيقي والمجازي اللزوم، والقرينة الصارفة هو العقل، وفي رواية: («وأمَّا الآخَر؛ فاستغنى فاستغنى الله عنه») ، ويَحتمل أنَّه كان منافقًا، فاطلع النبي الأعظم عليه السلام عليه وعلى حاله وأمْره، وتمامُه في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

وفي الحديث الثناءُ على مَن زاحم في طلب الخير، وجوازُ التخطِّي لسَدِّ الخلل ما لم يؤذ [1] ، وأنَّ مَن سبق إلى موضع من المسجد فهو أحقُّ به، وأنَّ من الأدب أن يجلس حيث ينتهي به المجلس، وأنَّ الإنسان إذا فعل قبيحًا؛ جاز أن يُنسب إليه، وأنَّ مَن أعرض عن مجالسة العلماء؛ فإنَّ اللهَ يُعرض عنه، وفيه استحبابُ التحلُّقِ للعلم والذِّكر وغير ذلك، والله أعلم.

[1] في الأصل: ( يؤذي).