متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

63- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: ((أخبرنا)) [1] (اللَّيْثُ) بن سعدٍ عالم مصر، (عَنْ سَعِيدٍ) بن أبي سعيدٍ _بكسر العين فيهما_ (هُوَ الْمَقْبُرِيُّ)؛ بضم المُوحَّدة، ولفظ: ((هو)) ساقطٌ في رواية أبي ذَرٍّ (عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ)؛ بفتح النُّون وكسر الميم، القرشيِّ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ ومئةٍ، (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه؛ أي: كلامه حال كونه (يَقُولُ: بَيْنَمَا)؛ بالميم، وفي نسخةٍ: ((بَيْنَا)) بغير ميمٍ (نَحْنُ): مبتدأٌ، خبره: (جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَسْجِدِ) النَّبويِّ (دَخَلَ رَجُلٌ): جواب «بينما»، وللأَصيليِّ: ((إذ دخل))، لكنَّ الأصمعيَّ لا يستفصح «إذ» و«إذا» في جواب «بينا» و«بينما»، (عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي) رحبة (الْمَسْجِدِ)، أو ساحته، (ثُمَّ عَقَلَهُ)؛ بتخفيف القاف؛ أي: شدَّ على ساقه مع ذراعه حبلًا بعد أن ثنى ركبته، وفي رواية أبي نعيمٍ: أقبل على بعيرٍ له حتَّى أتى المسجد، فأناخه، ثمَّ عقله، فدخل المسجد، وفي رواية أحمد والحاكم عن ابن عبَّاسٍ: فأناخ بعيره على باب المسجد فعقله، ثمَّ دخل، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يدخل به المسجد، وهو يرفع احتمال دلالة ذلك على طهارة أبوال الإبل، (ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ)؛ استفهامٌ مرفوع على الابتداء، خبره: (مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُتَّكِئٌ) _بالهمزة [2] _ مستوٍ على وطاءٍ، والجملة اسميَّةٌ وقعت حالًا، (بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ)؛ بفتح الظَّاء المُعجَمَة والنُّون؛ أي: بينهم، وزيد لفظ «الظَّهر»؛ ليدلَّ على أن ظهرًا منهم قدَّامه، وظهرًا من وراءه، فهو محفوفٌ بهم من جانبيه، والألف والنُّون فيه؛ للتَّأكيد، قاله صاحب «الفائق»، وقال في «المصابيح»: ثمَّ زيدت الألف والنُّون على «ظهرٍ» [3] عند التَّثنية؛ للتَّأكيد، ثمَّ كَثُرَ حتَّى استُعمِل في الإقامة بين القوم مُطلَقًا. انتهى. فهو ممَّا أُرِيدَ بلفظ التَّثنية فيه معنى الجمع، لكنِ استشكل البدر الدَّمامينيُّ: ثبوت النُّون مع الإضافة، وأُجِيب: بأنَّه مُلحَقٌ بالمُثنَّى، لا أنَّه مُثنَّى [4] ، وحُذِفت منه نون التَّثنية، فصار «ظهرانيهم»، (فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ)، والمُرَاد بـ: «البياض» هنا: المُشرَب بحُمْرَةٍ؛ كما دلَّ عليه رواية الحارث بن [5] عميرٍ حيث قال: الأمغر؛ وهو مُفسَّرٌ بالحُمْرة مع بياضٍ صافٍ، ولا تنافيَ بين وصفه هنا بالبياض وبين ما ورد أنَّه ليس بأبيضَ ولا آدمَ؛ لأنَّ المنفيَّ البياضُ الخالص كلون الجصِّ، وفي كتابي «المنح» من مباحث ذلك ما يكفي ويشفي، ويأتي _إن شاء الله تعالى_ بعون الله نكتٌ من ذلك في «الصِّفة النَّبويَّة» من هذا المجموع، (فَقَالَ لَهُ) صلى الله عليه وسلم (الرَّجُلُ) الدَّاخل: (اِبْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) _بكسر الهمزة، وفتح النُّون_ كما في «فرع اليونينيَّة»، والذي رأيته في «اليونينيَّة»: بهمزة وصلٍ [6] ، وقال الزَّركشيُّ والبرماويُّ: بفتح الهمزة _للنِّداء_ ونصب النُّون؛ لأنَّه مضافٌ، وزاد الزَّركشيُّ: لا على الخبر، ولا على سبيل الاستفهام؛ بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «قد أجبتك»، قال: وفي رواية أبي داودَ: «يا بْن عبد المُطَّلِب»، وتعقَّبه في «المصابيح»: بأنَّه لا دليلَ في شيءٍ ممَّا ذكره على تعيين فتح الهمزة، لكنْ إن ثبتت الرِّواية بالفتح؛ فلا كلامَ، وإلَّا؛ فلا مانع من أن تكون همزة الوصل التي في «ابن» سقطت للدَّرج، وحرف النِّداء محذوفٌ، وهو في مثله قياسٌ مُطَّرِدٌ بلا خلافٍ، انتهى. وللكُشْمِيهَنِيِّ: ((يا بْن عبد المُطَّلِب))؛ بإثبات حرف النِّداء، (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: قَدْ أَجَبْتُكَ)؛ أي: سمعتك، أو المُرَاد: إنشاء الإجابة، أو نزل تقريره للصَّحابة في الإعلام عنه منزلة النُّطق، ولم يجبه عليه الصلاة والسلام بـ: «نعم» [7] ؛ لأنَّه أَخَلَّ بما يجب من رعاية التَّعظيم والأدب؛ حيث قال: «أيُّكُمْ محمَّدٌ؟»، ونحو ذلك، (فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم): وسقط قوله: ((الرَّجل)) إلى آخر التَّصلية عند ابن عساكر، وسقط لفظ: ((الرَّجل)) فقط لأبي الوقت، (إِنِّي سَائِلُكَ) وفي رواية ابن عساكر أيضًا والأَصيليِّ: ((فقال الرَّجل: إنِّي سائلك))، (فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ)؛ بكسر الدَّال الأولى المُثقَّلة، و«الفاء» عاطفةٌ على «سائلُك»، (فَلَا تَجِدْ)؛ بكسرٍ الجيم، والجزم على النَّهيِ، وهو مِنَ الموجدة؛ أي: لا تغضب (عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم له: (سَلْ عَمَّا [8] بَدَا)؛ أي: ظهر (لَكَ، فَقَالَ) الرَّجل: (أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ)؛ أي: بحقِّ ربِّك (وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ: آلله)؛ بهمزة الاستفهام الممدودة، والرَّفعُ على الابتداء، والخبر قوله: (أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم، وفي روايةٍ: ((قال)): (اللهمَّ)؛ أي: يا الله؛ (نَعَمْ)؛ فالميم بدلٌ من حرف النِّداء، وذكر ذلك؛ للتَّبرُّك، وإلَّا؛ فالجواب قد حصل بـ: «نعم»؛ أو استشهد في ذلك بالله؛ تأكيدًا لصدقه، (قَالَ)، وفي رواية ابن عساكر [9] : ((فقال الرَّجل)): (أَنْشُدُكَ)؛ بفتح الهمزة، وسكون النُّون، وضمِّ الشِّين المُعجَمَة؛ أي: أسألك (بِاللهِ)، والباء للقسم، (آللهُ أَمَرَكَ) بالمدِّ (أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ؟) بنون الجمع للأَصيليِّ، واقتصر عليه في «فرع اليونينيَّة»، ولغيره: ((تصلِّي))؛ بتاء الخطاب، وكلُّ ما وجب عليه وجب على أمَّته، حتَّى يقوم دليلٌ على الخصوصيَّة، وللكُشْمِيهَنِيِّ والسَّرخسيِّ: ((الصَّلاة))؛ بالإفراد؛ أي: جنس الصَّلاة، (فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (اللهمَّ نَعَمْ، قَالَ) الرَّجل: (أَنْشُدُكَ بِاللهِ، آلله) بالمدِّ (أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ)؛ بتاء الخطاب، وللأَصيليِّ: ((أن نصوم))؛ بالنُّون، كذا في «الفرع»، والذي في «اليونينيَّة»: ((نصوم))؛ بالنُّون فقط، غير مُكرَّرةٍ [10] (هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟)؛ أي: رمضان من [11] كلِّ سنةٍ، فاللَّام فيهما للعهد، والإشارة لنوعه، لا لعينه، (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (اللهمَّ نَعَمْ. قَالَ) الرَّجل: (أَنْشُدُكَ بِاللهِ، الله) بالمدِّ (أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ)؛ بتاء المُخاطَب؛ أي: بأن تأخذ (هَذِهِ الصَّدَقَةَ) المعهودة؛ وهي الزَّكاة، (مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا)؛ بتاء المُخاطَب المفتوحة، والنَّصب عطفًا على «أن تأخذ» (عَلَى فُقَرَائِنَا؟) من تغليب الاسم للكلِّ بمُقابَلَة الأغنياء؛ إذ خرج مخرج الأغلب؛ لأنَّهم مُعظَم الأصناف الثَّمانية، (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: اللهمَّ نَعَمْ)، ولم يتعرَّض للحجِّ، فقال في «مصابيح الجامع» _كالكرمانيِّ، والزَّركشيِّ وغيرهما [12] _: لأنَّه كان معلومًا عندهم في شريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وكأنَّهم لم يطَّلعوا على ما في «صحيح مسلمٍ»، فقد وقع فيه ذكر «الحجِّ» ثابتًا عن أنسٍ، وكذا في حديث أبي هريرة وابن عبَّاسٍ عنده، وقِيلَ: إنَّما لم يذكره؛ لأنَّه لم يكن فُرِضَ، وهذا بناءٌ على قول الواقديِّ وابن حبيبٍ: إنَّ قدوم [13] ضمامٍ كان سنة خمسٍ، وهو مردودٌ بما في «مسلمٍ»: أنَّ قدومه كان بعد نزول النَّهيِ عن السُّؤال في القرآن، وهي [14] في «المائدة»، ونزولها متأخِّرٌ جدًّا، وبما قد عُلِمَ أنَّ إرسال الرُّسل إلى الدُّعاء إلى الإسلام إنَّما كان ابتداؤه بعد الحديبية، ومُعظَمه بعد فتح مكَّة، وبما في حديث ابن عبَّاسٍ: أنَّ قومه أطاعوه، ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولم يدخل بنو سعدٍ _وهو ابن بكر بن هوازن_ في الإسلام إلَّا بعد وقعة خيبر، وكانت في شوَّال سنة ثمانٍ، والصَّواب: أنَّ قدوم ضمامٍ كان في سنة تسعٍ، وبه جزم ابن إسحاق وأبو عبيدة وغيرهما، (فَقَالَ الرَّجُلُ) المذكور لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (آمَنْتُ) قبلُ [15] (بِمَا)؛ أي: بالذي (جِئْتَ بِهِ) من الوحيِ، وهذا يحتمل أن يكون إخبارًا، وإليه ذهب المؤلِّف، ورجَّحه القاضي عياضٌ، وأنَّه حضر بعد إسلامه مستثبتًا من الرَّسول عليه الصلاة والسلام ما أخبره به رسوله إليهم؛ لأنَّه قال في حديث ثابتٍ عن أنسٍ عند مسلمٍ وغيره: فإنَّ رسولك زعم، وقال في رواية كريبٍ عن ابن عبَّاسٍ عند الطَّبرانيِّ: أتتنا كتبك وأتتنا رسلك، (وَأَنَا رَسُولُ): مبتدأٌ وخبرٌ مضافٌ إلى [16] (مَنْ) بفتح الميم (وَرَائِي مِنْ) بكسرها (قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ) [/ج1ص160/] بالمُثلَّثة المفتوحة، والمُهمَلَة، والمُوحَّدة (أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ)؛ بفتح المُوحَّدة؛ أي: ابن هوازن، وما وقع من السُّؤال والاستفهام على الوجه المذكور؛ فَمِن بقايا جفاء الأعراب الذين وَسِعَهم حلمُه عليه الصلاة والسلام، وليس في رواية الأَصيليِّ: ((وأنا ضِمَامُ...)) إلى قوله [17] : ((بكرٍ)).

(رَوَاهُ)؛ أي: الحديث السَّابق، وفي رواية ابن عساكر: ((ورواه)) (مُوسَى)؛ أي: ابن إسماعيل، كما في رواية ابن عساكر، وهو أبو سلمة [18] المِنْقَرِيُّ، (وَ) رواه أيضًا: (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ) بن مصعبٍ المَعْنِيُّ؛ بفتح الميم، وسكون العين المُهمَلَة، وكسر النُّون؛ بعدها ياءٌ؛ نسبةً إلى مَعْنِ بن مالكٍ، المُتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين، كلاهما (عَنْ سُلَيْمَانَ)، زاد في رواية أبي ذَرٍّ: ((ابن المغيرة))، كما في «الفرع» كـ: «أصله»، المُتوفَّى سنة خمسين ومئةٍ، وللأَصيليِّ: ((أخبرنا عن [19] سليمان))، (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ؛ بضمِّ الموحَّدة، وبالنُّونين؛ نسبةً إلى بُنَانة، بطنٌ من قريشٍ، أو اسم أمِّه: بُنانةُ، واسم أبيه: أَسْلَمُ، العابد البصريُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وعشرين ومئةٍ، (عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا)؛ أي: بمعناه، وسقط لفظ: ((بهذا)) من رواية أبي الوقت وابن عساكر، وفي روايةٍ: ((مثله))، وحديث موسى بن إسماعيل موصولٌ في «صحيح أبي عوانة»، وحديث عليِّ بن عبد الحميد موصولٌ عند التِّرمذيِّ، وأخرجه عن المؤلِّف.

[1] «ولابن عساكر: أخبرنا»: مثبتٌ من (م).
[2] في (س): «بالهمز».
[3] «على ظهرٍ»: سقط من (ص).
[4] في (م): «لأنَّه ثُنِّي».
[5] زيد في (ب) و(س): «أبي»، وليس بصحيحٍ.
[6] قوله: «والذي رأيته في «اليونينيَّة»: بهمزة وصلٍ»، سقط من (ص).
[7] في (ص): «بتكلُّم».
[8] في (ص): «ما».
[9] «ابن عساكر»: سقط من (س).
[10] «غير مكرَّرة»: سقط من (ص).
[11] في (ص): «في».
[12] في (ص) و(م): «وغيرهم».
[13] في (ب) و(س): «قول».
[14] في (ب) و(س): «وهو».
[15] «قبل»: سقط من (ص) و(م).
[16] «مبتدأٌ وخبرٌ مضاف إلى»: سقط من (ص) و(م).
[17] في (ص): «أبو»، وهو تحريفٌ.
[18] في (ص): «موسى»، وليس بصحيحٍ.
[19] (عن): سقط من (س).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

63-. حدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ، قالَ: حدَّثنا [1] اللَّيْثُ، عن سَعِيدٍ، هُوَ المَقْبُرِيُّ [2] ، عن شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ:

أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بنَ مالِكٍ يَقُولُ: بَيْنَما [3] نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَسْجِدِ، دَخَلَ [4] رَجُلٌ عَلَىَ جَمَلٍ، فأَناخَهُ فِي المَسْجِدِ ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ والنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقُلْنا: هذا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئ. فقالَ لَهُ الرَّجُلُ: ابْنَ [5] عَبْدِ المُطَّلِبِ! فقالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ أَجَبْتُكَ». فقالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [6] : إِنِّي سائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ، فَلا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ. فقالَ: «سَلْ عَمَّا بَدا لَكَ». فقالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فقالَ [7] : «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قالَ [8] : أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَواتِ [9] الخَمْسَ فِي اليَوْمِ واللَّيْلَةِ؟ قالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ [10] هذا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيائنا فَتَقْسِمَها عَلَىَ فُقَرائنا؟ فقالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». فقالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِما جِئْتَ [11] بِهِ، وأَنا رَسُولُ مَنْ وَرائِي مِنْ قَوْمِي، وأَنا ضِمامُ بنُ ثَعْلَبَةَ، أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ [12] .

رَواهُ مُوسَىَ [13] وَعَلِيُّ بنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ سُلَيْمانَ [14] ، عن ثابِتٍ، عن أَنَسٍ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهذا [15] .

[1] في رواية ابن عساكر: «أخبَرَنا».
[2] في رواية أبي ذر: «عن سعيد المَقْبُريِّ».
[3] في نسخة: «بينا» (ص، ب).
[4] في رواية الأصيلي: «إذ دخل».
[5] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «يا ابن».
[6] قوله: «لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» ليس في رواية الأصيلي وابن عساكر و [عط] ، وزاد في (ن) نسبة عدم وجوده إلىَ رواية السَّمعاني عن أبي الوقت أيضًا.
[7] في رواية [عط] : «قال».
[8] في رواية ابن عساكر: «فقال».
[9] هكذا في رواية المستملي أيضًا، وفي رواية الحَمُّويِي والكُشْمِيْهَنِيِّ: «الصلاة».
[10] في (ب، ص): «نصوم» بالنون.
[11] ضُبطت في اليونينية بلفظين: المثبت، و«جِئْتَ ».
[12] قوله: «وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر» ليس في رواية الأصيلي.
[13] في رواية ابن عساكر: «ورواه موسىَ بن إسماعيل».
[14] في رواية أبي ذر زيادة: «بن المغيرة»، وقوله: «رَواهُ مُوسَىَ وَعَلِيُّ بنُ عَبْدِ الحَمِيدِ عَنْ سُلَيْمانَ» ليس في رواية الأصيلي، وعنده مكانه: «وأُخْبِرنا عن سليمان».
[15] لفظة: «بهذا» ليست في رواية ابن عساكر ولا في رواية السَّمعاني عن أبي الوقت، وفي رواية أبي ذر و [ح] و [عط] بدلها: «مِثْلَه».





63- ( حدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ) بفتح الفاء.

( ابْنِ أَبِي نَمِرٍ ) بنون مفتوحة وميم مكسورة.

( ظَهْرَانَيْهِمْ ) بفتح النون: لمن كان بينهم، وهو مما أريد به بلفظ التثنية معنى الجمع.

( فَقَالَ الرَّجُلُ: ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ) هو بفتح الهمزة والنون على النداء المضاف لا على الخبر ولا على الاستفهام، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام بعد: ( قَدْ أَجَبْتُكَ )، ورواية أبي داود: «يا ابن عبد المطلب».

( أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ ) هو بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة، أي: أسألك.

( آللَّهُ ) بالمد مع الرفع. [/ج1ص52/]

( أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ ) بالنون عند الأصيلي، ولغيره بالتاء، قال القاضي: والأول أوجه.

( فَتَقْسِمَهَا ) بفتح التاء، ولم يسأله عن الحج؛ لأنَّه كان معلومًا عندهم من شريعة إبراهيم عليه السلام. [1]

( مَنْ وَرَائِي ) بفتح الميم.

( مِنْ قَوْمِي ) بكسرها.

[1] قال ابن حجر رحمه الله: وأغرب ابن التين فقال: إنما لم يذكره؛ لأنه لم يكن فرض. وكأن الحامل له على ذلك ما جزم به الواقدي ومحمد بن حبيب أنَّ قدوم ضمام كان سنة خمس فيكون قبل فرض الحج، لكنه غلط من أوجه، أحدها: أنَّ في رواية مسلم أن قدومه كان بعد نزول النهي في القرآن عن سؤال الرسول، وآية النهي في المائدة، ونزولها متأخر جدًا. ثانيها: أنَّ إرسال الرسل إلى الدعاء إلى الإسلام إنَّما كان ابتداؤه بعد الحديبية، ومعظمه بعد فتح مكة. ثالثها: أنَّ في القصة أن قومه أوفدوه، وإنما كان معظم الوفود بعد فتح مكة. رابعها: في حديث ابن عباس أن قومه أطاعوه ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولم يدخل بنو سعد _وهو بن بكر بن هوازن_ في الإسلام إلَّا بعد وقعة حنين، وكانت في شوال سنة ثمان كما سيأتي مشروحًا في مكانه إن شاء الله تعالى، فالصواب أنَّ قدوم ضمام كان في سنة تسع، وبه جزم ابن إسحاق وأبو عبيدة وغيرهما، وغفل البدر الزركشي فقال: إنما لم يذكر الحج لأنه كان معلومًا عندهم في شريعة إبراهيم انتهى. وكأنَّه لم يراجع صحيح مسلم فضلًا عن غيره.





63# (ابْنِ أَبي نَمِرٍ) بنون مفتوحة وميم مكسورة.

(بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ) يقال: أقام بين أَظْهُرِ القوم، وبينَ ظَهْرَيْهِم، وبينَ ظَهْرانَيْهِم؛ أي: بينهم [1] ، وإقحامُ الأظهر، وهو جمعُ ظهر على معنى: أن إقامته فيهم على سبيل الاستظهار والاستناد إليهم، ثم زيدت الألف والنون على ظهر عند التثنية [2] للتأكيد [3] ، وكأنَّ معنى التثنية [4] : أن ظهرًا منهم [5] قدامه، وآخر وراءه، فهو محفوف [6] من جانبيه، ثمَّ كثر حتى استُعمل في الإقامة بين القوم مطلقًا.

قلت: ثبوت النون مع الإضافة مشكلٌ.

(فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِب) قال الزركشي: هو بفتح الهمزة والنون على النداء للمضاف،

@%ج1ص76%

لا على الخبر، ولا على الاستفهام؛ بدليل قوله عليه الصلاة والسلام [7] : ((قد أجبتك))، ورواية أبي داود: ((يا [8] ابنَ عبدِ المطلب)).

قلت: إن ثبتت الرواية بفتح الهمزة، فلا كلام، وإلا فلا مانع من أن تكون همزة الوصل التي في ابن سقطت للدرج، وحرف [9] النداء محذوف، وهو في مثله قياس مطَّرِدٌ بلا خلاف، ولا دليل في شيء مما ذكره على تعيين [10] فتح الهمزة.

(أَنْشُدُكَ) بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة؛ أي: أسألك.

(آللَّهُ) بالمد مع الرفع [11] .

(أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ) بالنون عند الأصيلي، وبالتاء عند غيره، قال القاضي: والأولُ أوجه .

(فَتَقْسِمَهَا) بفتح التاء، ولم يسأله عن الحج، كأنه كان معلومًا عندهم في شريعة إبراهيم.

(آمَنْتُ بمَا جِئْتَ بهِ) وليس مستندُه [12] في الإيمان السؤالَ والجوابَ والقسمَ خاصة، بل مستندُه المعجزات التي آمنَ عليها البشر، وإنما هذا السؤالُ والاستفهام على الوجه الذي [13] وقع من بقايا جَفاءِ الأعراب الذين وَسِعَهُمْ حلمُه عليه الصلاة والسلام.

[1] ((أي بينهم)): ليست في (ق).
[2] في (ق): ((التشبه)).
[3] ((للتأكيد)): ليست في (ج).
[4] قوله: ((للتأكيد، وكأَنَّ معنى التثنية)): ليس في (د).
وفي (ق): ((التشبه)).
[5] في (د): ((أن ظهرانيهم)).
[6] في (ق) و(ج): ((مكفوف)).
[7] في (ق): ((عليه السلام)).
[8] ((يا)): ليست في (ق).
[9] في (د): ((وحذف)).
[10] في (ق): ((تعين)).
[11] في (ق): ((الدفع)).
[12] في (ق): ((مسنده)).
[13] ((الذي)): ليست في (د) و(ج).





63- قوله: (الْمَقْبُرِيُّ): تقدَّم الكلام عليه، وعلى بائه، وأنَّها بالضمِّ والفتح والكسر، وأنَّه حكاه ابن مالك في «المثلَّث» له، ولماذا نُسِب إلى المقبرة.

قوله: (دَخَلَ رَجُلٌ): هذا الرجل سيجيء في آخر الحديث أنَّه ضِمَام بن ثعلبة، وقد تقدَّم الكلام عليه أعلاه.

قوله: (مُتَّكِئٌ): هو بهمزة في آخره.

قوله: (بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ): هو بفتح الظاء المعجمة [1] والنُّون؛ أي: بينهم، قال الجوهريُّ: (ويقال: نازل بين ظهريهم وظهرانَيهم؛ بفتح النون، ولا تقل: ظهرانِيهم؛ بكسرها) .

قوله: (ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ): (ابنَ): منصوب؛ لأنَّه منادى مضاف، كذا قرأته، وكذا سمعت الناس يقرؤونه، وقال بعضهم ممَّن [2] عاصرته واجتمعت به مرارًا كثيرة [3] من الفضلاء المصريِّين: إنَّه بفتح الهمزة؛ لأنَّه منادى بالهمزة، والحامل له على ذلك كونه قريبًا، والقريب ينادى بالهمزة، ولم أر هذا الضَّبط لغيره [4] ، ولكنَّه حسن سائغ، والله أعلم.

وقد جاء في «مسلم»: (يا محمَّد) ، وعليه سؤال: وهو أن يقال: كيف لَمْ يخاطبه بالنُّبوَّة ولا بالرِّسالة وقد قال تعالى: {لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} [النور: 63] ؟

والجواب: أنَّه يحتمل أوجهًا؛ أحدها: أنَّه لَمْ يؤمن بعدُ، ثانيها [5] : أنَّه باق على جفاء الجاهليَّة، لكنه لَمْ ينكر عليه ولا ردَّ عليه، فلعلَّه ترك ذلك تأليفًا له على الإسلام، أو كان ذلك قبل النهي عن مخاطبته عليه الصَّلاة والسَّلام بذلك، أو لعلَّ النهي لم يبلغه، والله أعلم. [/ج1ص40/]

قوله: (قَدْ أَجَبْتُكَ): لَمْ يتلفَّظ عليه الصَّلاة والسَّلام بالجواب؛ لأنَّه جعل السُّكوت عند قول أصحابه ما قالوه جوابًا منه عمَّا سألهم عنه، على أنَّه قد جاء في «أبي داود» في هذا الحديث من حديث ابن عبَّاس أنَّه قال: أيُّكم ابن عبد المطَّلب؟ فقال عليه الصَّلاة والسَّلام: «أنا ابن عبد المطَّلب»، فقال: يَا بن عبد المطَّلب...؛ وساق الحديث، وأجاب بعضهم عن جوابه لفظًا على الرِّواية الأولى: بأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام كره ما دعاه به [6] ؛ حيث لَمْ ينسبه إلى ما شرَّفه الله به من النُّبوَّة والرسالة، ونسبه إلى جدِّه.

فإن قيل: فكيف قال عليه الصَّلاة والسَّلام يوم حنين: «أنا النَّبيُّ لا كذب، أنا ابن عبد المطَّلب»؟

قيل: الجواب: أنَّه أشار إلى رؤيا رآها عبد المطَّلب مشهورةٍ كانت إحدى دلائل نبوَّته، فذكَّرهم بها وبخروج الأمر [7] فيها على الصِّدق.

قوله: (فَلاَ تَجِدْ عَلَيَّ): أي: تغضب.

قوله: (بَدَا لَكَ): (بدا) ؛ بغير همز؛ أي: ظهر.

قوله: (آللهُ أَرْسَلَكَ): هو [8] بهمزة الاستفهام أوَّلًا، وكذا (آللهُ أَمَرَكَ) ، وكذا الثالثة، وكذا الرابعة.

قوله: (أَنْشُدُكَ): هو بفتح الهمزة، وضمِّ الشين؛ أي: أسألك، وكذا الثنتان بعد هذه كهَذَه [9] لفظًا ومعنًى.

قوله: (أَنْ نُصَلِّيَ): هي بالنون [10] عنِ الأصيليِّ، ولغيره: بالتاء؛ يعني [11] : المثنَّاة فوق، قال القاضي: (والأوَّل أوجه) .

قوله: (الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ): هو بنصب (الخَمْسَ) صفة لـ (الصَّلواتِ) ، وكسر تاء (الصلواتِ) ، وهو منصوب أيضًا، وعلامة النصب فيه الكسرة، (واعلم أنَّه لَمْ يسأله عنِ الحجِّ؛ لأنَّه كان معلومًا عندهم من شريعة إبراهيم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) [12] .

قوله: (أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ): (أي: من هو من بني سعد بن بكر) [13] ، وبكر هو ابن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس [14] عَيلان.

قوله: (رَوَاهُ مُوسَى [15] ): لعلَّه هو ابن إسماعيل (-وكذا هو في نسخة هي أصلُنا الدمشقيُّ نسبه إلى أبيه-) [16] التَّبُوْذَكيُّ البصريُّ الحافظ، أخرج له الجماعة، تُوفِّي بالبصرة في رجب سنة (223 هـ ) ، ثقةٌ مأمونٌ، ، وقد روى عنه: البخاريُّ، وأبو داود.

(وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ [17] الْحَمِيدِ): أزديٌّ مَعْنيٌّ، يروي عن عبد العزيز الماجشون، وعدَّة، وعنه: البخاريُّ تعليقًا، والدَّارميُّ، وعبَّاس الدُّوريُّ، وخلق، وثَّقه أبو حاتم وغيره، قال النَّسائيُّ: (تُوفِّي سنة «222ه - ») ، أخرج له البخاريُّ تعليقًا، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ.

و (سُلَيْمَان) هو ابن المغيرة القيسيُّ أبو سعيد البصريُّ، لا سليمان بن طرخان أبا المعتمر، ولا سليمان بن داود الصائغ، والثلاثة يروون عن ثابت عن أنس، ولكنَّ هذا الحديث من رواية سليمان بن المغيرة.

وقد أخرج هذا الحديث مسلم في (الإيمان) عن عمرو الناقد [18] ، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، وعن عبد الله بن هاشم، عن بهز؛ كلاهما عن سليمان بن المغيرة عنه به، وأخرجه الترمذيُّ في (الزَّكاة) [19] عنِ البخاريِّ -صاحب «الصَّحيح» هذا- عن عليِّ بن عبد الحميد الكوفيِّ بإسناده نحوه، وقال: (حسن غريب) ، وأخرجه النَّسائيُّ في (الصَّوم) وفي (العلم) عن محمَّد بن مَعْمَر، عن أبي عامر العقديِّ، عن سليمان بن المغيرة نحوه، ورواية موسى هَذِه لَمْ أرها في شيء من الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا، ولم يخرِّجها شيخنا، و [قال بعض حفَّاظ مصر المتأخِّرين: (أخرجها أبو عوانة في «مسنده» وطرقه)] [20] ، وأمَّا رواية عليِّ بن [21] عبد الحميد؛ فقد تقدَّم أعلاه أنَّها رواها الترمذيُّ.

فائدة -وعدت بها فيما مضى [خ¦26] -: التَّبُوْذَكيُّ؛ بفتح التاء المُثنَّاة فوق، ثُمَّ موحَّدة مضمومة، ثُمَّ واو ساكنة، ثُمَّ ذال معجمة مفتوحة، ثُمَّ كاف، وإنَّما قيل له: التَّبُوذَكيُّ؛ لأنَّه اشترى دارًا بتبوذك، وقيل: نزل دارَه قومٌ منها، وقيل: إنَّه نُسب إلى بيع السرجين، وقيل: نسب إلى بيع ما في بطون الدَّجاج من الكبد والقلب والقانصة.

فائدة: إنَّما أتى بهذه المتابعة؛ لأنَّ شريكًا تابعيٌّ صدوق، لكنَّه متكلَّم فيه؛ لسوء [22] حفظه، وقد قال ابن معين مرَّة: (لا بأس به) ، ومرَّة قال هو والنَّسائيُّ: (ليس بالقويِّ) ، وقد وهاه ابن حزم؛ لأجل حديثه في الإسراء، وسيأتي الحديث والكلام [23] على شريك فيه، فثابت بن أسلم البنانيُّ أقوى منه، وإنْ كان له الآخر ترجمة في «الميزان»، إلَّا أنَّه صحَّح عليه، فالعمل على توثيقه، وهو ثابت كاسمه، قال الذهبيُّ: (ولولا ذكر ابن عديٍّ له؛ ما ذكرته) ، فجاء بهذه المتابعة؛ ليقوِّيَ الحديث، والله أعلم.

[1] (المعجمة): ليس في (ب) .
[2] في (ج): (بعض من) ، وكانت كذلك في (أ) قبل الإصلاح.
[3] (مرارًا كثيرة): ليس في (ج) .
[4] في (ب): (بغيره) .
[5] في (ب): (وثانيها) .
[6] (به): ليس في (ج) .
[7] في (ب): (الأثر) .
[8] في (ب): (هي) .
[9] (كهذه): سقط من (ب) .
[10] في (ب): (بالتنوين) .
[11] (يعني): ليس في (ب) .
[12] ما بين قوسين ليس في (ب) ، وفي هامش (ق): (سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن غيلان بن مضر السعدية ظئر النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) .
[13] ما بين قوسين ليس في (ب) .
[14] زيد في (ب): (بن) .
[15] في هامش (ق): (ابن إسماعيل التَّبُوْذَكي) .
[16] ما بين قوسين جاء في (ب) بعد قوله: (ثقة مأمون) ، وسقط من (ج) .
[17] (عبد): ليس في (ب) .
[18] في (ب): (الناقل) .
[19] (في الزكاة): ليس في (ج) .
[20] ما بين معقوفين ليس في (ب) ، (ج) .
[21] (علي بن): ليس في (ب) .
[22] في (ب): (بسوء) .
[23] في (ب): (في الكلام) .





63- (بَيْنَمَا): تقدَّم [1] .

(نَحْنُ): مبتدأٌ، و (جُلُوسٌ): خبرُه.

(ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ): بفتح النُّون؛ لأنَّه منادى مضاف، وفي بعضها: (يَا ابْنَ) بذكرِ كلمةِ النِّداء، قاله الكرمانيُّ، وضبطه الزَّركشيُّ بفتح الهمزة والنُّون على النِّداء المضاف، لا على الخبر، ولا على الاستفهام؛ بدليل قوله عليه الصَّلاة والسَّلام بعدُ: (قَدْ أَجَبْتُكَ)، وروايةُ أبي داودَ: (يَا بْنَ).

(مَنْ وَرَائِي): بفتح الميم، (مِنْ قَوْمِي): بكسرها، وجوَّزَ الكرمانيُّ تنوينَ (رَسُول)، وكسر ميم (منْ وَرَائِي)، وأنَّ (مِنْ قَوْمِي) تأكيدٌ له.

[1] في شرح الحديث رقم (59)، انظر (ص*)، حيث ذكر أنَّ أصله (بين)، وزيدت عليه (ما).





63- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: ((أخبرنا)) [1] (اللَّيْثُ) بن سعدٍ عالم مصر، (عَنْ سَعِيدٍ) بن أبي سعيدٍ _بكسر العين فيهما_ (هُوَ الْمَقْبُرِيُّ)؛ بضم المُوحَّدة، ولفظ: ((هو)) ساقطٌ في رواية أبي ذَرٍّ (عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ)؛ بفتح النُّون وكسر الميم، القرشيِّ المدنيِّ، المُتوفَّى سنة أربعٍ ومئةٍ، (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ) رضي الله عنه؛ أي: كلامه حال كونه (يَقُولُ: بَيْنَمَا)؛ بالميم، وفي نسخةٍ: ((بَيْنَا)) بغير ميمٍ (نَحْنُ): مبتدأٌ، خبره: (جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَسْجِدِ) النَّبويِّ (دَخَلَ رَجُلٌ): جواب «بينما»، وللأَصيليِّ: ((إذ دخل))، لكنَّ الأصمعيَّ لا يستفصح «إذ» و«إذا» في جواب «بينا» و«بينما»، (عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي) رحبة (الْمَسْجِدِ)، أو ساحته، (ثُمَّ عَقَلَهُ)؛ بتخفيف القاف؛ أي: شدَّ على ساقه مع ذراعه حبلًا بعد أن ثنى ركبته، وفي رواية أبي نعيمٍ: أقبل على بعيرٍ له حتَّى أتى المسجد، فأناخه، ثمَّ عقله، فدخل المسجد، وفي رواية أحمد والحاكم عن ابن عبَّاسٍ: فأناخ بعيره على باب المسجد فعقله، ثمَّ دخل، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يدخل به المسجد، وهو يرفع احتمال دلالة ذلك على طهارة أبوال الإبل، (ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ)؛ استفهامٌ مرفوع على الابتداء، خبره: (مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُتَّكِئٌ) _بالهمزة [2] _ مستوٍ على وطاءٍ، والجملة اسميَّةٌ وقعت حالًا، (بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ)؛ بفتح الظَّاء المُعجَمَة والنُّون؛ أي: بينهم، وزيد لفظ «الظَّهر»؛ ليدلَّ على أن ظهرًا منهم قدَّامه، وظهرًا من وراءه، فهو محفوفٌ بهم من جانبيه، والألف والنُّون فيه؛ للتَّأكيد، قاله صاحب «الفائق»، وقال في «المصابيح»: ثمَّ زيدت الألف والنُّون على «ظهرٍ» [3] عند التَّثنية؛ للتَّأكيد، ثمَّ كَثُرَ حتَّى استُعمِل في الإقامة بين القوم مُطلَقًا. انتهى. فهو ممَّا أُرِيدَ بلفظ التَّثنية فيه معنى الجمع، لكنِ استشكل البدر الدَّمامينيُّ: ثبوت النُّون مع الإضافة، وأُجِيب: بأنَّه مُلحَقٌ بالمُثنَّى، لا أنَّه مُثنَّى [4] ، وحُذِفت منه نون التَّثنية، فصار «ظهرانيهم»، (فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ)، والمُرَاد بـ: «البياض» هنا: المُشرَب بحُمْرَةٍ؛ كما دلَّ عليه رواية الحارث بن [5] عميرٍ حيث قال: الأمغر؛ وهو مُفسَّرٌ بالحُمْرة مع بياضٍ صافٍ، ولا تنافيَ بين وصفه هنا بالبياض وبين ما ورد أنَّه ليس بأبيضَ ولا آدمَ؛ لأنَّ المنفيَّ البياضُ الخالص كلون الجصِّ، وفي كتابي «المنح» من مباحث ذلك ما يكفي ويشفي، ويأتي _إن شاء الله تعالى_ بعون الله نكتٌ من ذلك في «الصِّفة النَّبويَّة» من هذا المجموع، (فَقَالَ لَهُ) صلى الله عليه وسلم (الرَّجُلُ) الدَّاخل: (اِبْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) _بكسر الهمزة، وفتح النُّون_ كما في «فرع اليونينيَّة»، والذي رأيته في «اليونينيَّة»: بهمزة وصلٍ [6] ، وقال الزَّركشيُّ والبرماويُّ: بفتح الهمزة _للنِّداء_ ونصب النُّون؛ لأنَّه مضافٌ، وزاد الزَّركشيُّ: لا على الخبر، ولا على سبيل الاستفهام؛ بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «قد أجبتك»، قال: وفي رواية أبي داودَ: «يا بْن عبد المُطَّلِب»، وتعقَّبه في «المصابيح»: بأنَّه لا دليلَ في شيءٍ ممَّا ذكره على تعيين فتح الهمزة، لكنْ إن ثبتت الرِّواية بالفتح؛ فلا كلامَ، وإلَّا؛ فلا مانع من أن تكون همزة الوصل التي في «ابن» سقطت للدَّرج، وحرف النِّداء محذوفٌ، وهو في مثله قياسٌ مُطَّرِدٌ بلا خلافٍ، انتهى. وللكُشْمِيهَنِيِّ: ((يا بْن عبد المُطَّلِب))؛ بإثبات حرف النِّداء، (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: قَدْ أَجَبْتُكَ)؛ أي: سمعتك، أو المُرَاد: إنشاء الإجابة، أو نزل تقريره للصَّحابة في الإعلام عنه منزلة النُّطق، ولم يجبه عليه الصلاة والسلام بـ: «نعم» [7] ؛ لأنَّه أَخَلَّ بما يجب من رعاية التَّعظيم والأدب؛ حيث قال: «أيُّكُمْ محمَّدٌ؟»، ونحو ذلك، (فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم): وسقط قوله: ((الرَّجل)) إلى آخر التَّصلية عند ابن عساكر، وسقط لفظ: ((الرَّجل)) فقط لأبي الوقت، (إِنِّي سَائِلُكَ) وفي رواية ابن عساكر أيضًا والأَصيليِّ: ((فقال الرَّجل: إنِّي سائلك))، (فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ)؛ بكسر الدَّال الأولى المُثقَّلة، و«الفاء» عاطفةٌ على «سائلُك»، (فَلَا تَجِدْ)؛ بكسرٍ الجيم، والجزم على النَّهيِ، وهو مِنَ الموجدة؛ أي: لا تغضب (عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم له: (سَلْ عَمَّا [8] بَدَا)؛ أي: ظهر (لَكَ، فَقَالَ) الرَّجل: (أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ)؛ أي: بحقِّ ربِّك (وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ: آلله)؛ بهمزة الاستفهام الممدودة، والرَّفعُ على الابتداء، والخبر قوله: (أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم، وفي روايةٍ: ((قال)): (اللهمَّ)؛ أي: يا الله؛ (نَعَمْ)؛ فالميم بدلٌ من حرف النِّداء، وذكر ذلك؛ للتَّبرُّك، وإلَّا؛ فالجواب قد حصل بـ: «نعم»؛ أو استشهد في ذلك بالله؛ تأكيدًا لصدقه، (قَالَ)، وفي رواية ابن عساكر [9] : ((فقال الرَّجل)): (أَنْشُدُكَ)؛ بفتح الهمزة، وسكون النُّون، وضمِّ الشِّين المُعجَمَة؛ أي: أسألك (بِاللهِ)، والباء للقسم، (آللهُ أَمَرَكَ) بالمدِّ (أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ؟) بنون الجمع للأَصيليِّ، واقتصر عليه في «فرع اليونينيَّة»، ولغيره: ((تصلِّي))؛ بتاء الخطاب، وكلُّ ما وجب عليه وجب على أمَّته، حتَّى يقوم دليلٌ على الخصوصيَّة، وللكُشْمِيهَنِيِّ والسَّرخسيِّ: ((الصَّلاة))؛ بالإفراد؛ أي: جنس الصَّلاة، (فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (اللهمَّ نَعَمْ، قَالَ) الرَّجل: (أَنْشُدُكَ بِاللهِ، آلله) بالمدِّ (أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ)؛ بتاء الخطاب، وللأَصيليِّ: ((أن نصوم))؛ بالنُّون، كذا في «الفرع»، والذي في «اليونينيَّة»: ((نصوم))؛ بالنُّون فقط، غير مُكرَّرةٍ [10] (هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟)؛ أي: رمضان من [11] كلِّ سنةٍ، فاللَّام فيهما للعهد، والإشارة لنوعه، لا لعينه، (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (اللهمَّ نَعَمْ. قَالَ) الرَّجل: (أَنْشُدُكَ بِاللهِ، الله) بالمدِّ (أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ)؛ بتاء المُخاطَب؛ أي: بأن تأخذ (هَذِهِ الصَّدَقَةَ) المعهودة؛ وهي الزَّكاة، (مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا)؛ بتاء المُخاطَب المفتوحة، والنَّصب عطفًا على «أن تأخذ» (عَلَى فُقَرَائِنَا؟) من تغليب الاسم للكلِّ بمُقابَلَة الأغنياء؛ إذ خرج مخرج الأغلب؛ لأنَّهم مُعظَم الأصناف الثَّمانية، (فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: اللهمَّ نَعَمْ)، ولم يتعرَّض للحجِّ، فقال في «مصابيح الجامع» _كالكرمانيِّ، والزَّركشيِّ وغيرهما [12] _: لأنَّه كان معلومًا عندهم في شريعة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وكأنَّهم لم يطَّلعوا على ما في «صحيح مسلمٍ»، فقد وقع فيه ذكر «الحجِّ» ثابتًا عن أنسٍ، وكذا في حديث أبي هريرة وابن عبَّاسٍ عنده، وقِيلَ: إنَّما لم يذكره؛ لأنَّه لم يكن فُرِضَ، وهذا بناءٌ على قول الواقديِّ وابن حبيبٍ: إنَّ قدوم [13] ضمامٍ كان سنة خمسٍ، وهو مردودٌ بما في «مسلمٍ»: أنَّ قدومه كان بعد نزول النَّهيِ عن السُّؤال في القرآن، وهي [14] في «المائدة»، ونزولها متأخِّرٌ جدًّا، وبما قد عُلِمَ أنَّ إرسال الرُّسل إلى الدُّعاء إلى الإسلام إنَّما كان ابتداؤه بعد الحديبية، ومُعظَمه بعد فتح مكَّة، وبما في حديث ابن عبَّاسٍ: أنَّ قومه أطاعوه، ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولم يدخل بنو سعدٍ _وهو ابن بكر بن هوازن_ في الإسلام إلَّا بعد وقعة خيبر، وكانت في شوَّال سنة ثمانٍ، والصَّواب: أنَّ قدوم ضمامٍ كان في سنة تسعٍ، وبه جزم ابن إسحاق وأبو عبيدة وغيرهما، (فَقَالَ الرَّجُلُ) المذكور لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (آمَنْتُ) قبلُ [15] (بِمَا)؛ أي: بالذي (جِئْتَ بِهِ) من الوحيِ، وهذا يحتمل أن يكون إخبارًا، وإليه ذهب المؤلِّف، ورجَّحه القاضي عياضٌ، وأنَّه حضر بعد إسلامه مستثبتًا من الرَّسول عليه الصلاة والسلام ما أخبره به رسوله إليهم؛ لأنَّه قال في حديث ثابتٍ عن أنسٍ عند مسلمٍ وغيره: فإنَّ رسولك زعم، وقال في رواية كريبٍ عن ابن عبَّاسٍ عند الطَّبرانيِّ: أتتنا كتبك وأتتنا رسلك، (وَأَنَا رَسُولُ): مبتدأٌ وخبرٌ مضافٌ إلى [16] (مَنْ) بفتح الميم (وَرَائِي مِنْ) بكسرها (قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ) [/ج1ص160/] بالمُثلَّثة المفتوحة، والمُهمَلَة، والمُوحَّدة (أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ)؛ بفتح المُوحَّدة؛ أي: ابن هوازن، وما وقع من السُّؤال والاستفهام على الوجه المذكور؛ فَمِن بقايا جفاء الأعراب الذين وَسِعَهم حلمُه عليه الصلاة والسلام، وليس في رواية الأَصيليِّ: ((وأنا ضِمَامُ...)) إلى قوله [17] : ((بكرٍ)).

(رَوَاهُ)؛ أي: الحديث السَّابق، وفي رواية ابن عساكر: ((ورواه)) (مُوسَى)؛ أي: ابن إسماعيل، كما في رواية ابن عساكر، وهو أبو سلمة [18] المِنْقَرِيُّ، (وَ) رواه أيضًا: (عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ) بن مصعبٍ المَعْنِيُّ؛ بفتح الميم، وسكون العين المُهمَلَة، وكسر النُّون؛ بعدها ياءٌ؛ نسبةً إلى مَعْنِ بن مالكٍ، المُتوفَّى سنة اثنتين وعشرين ومئتين، كلاهما (عَنْ سُلَيْمَانَ)، زاد في رواية أبي ذَرٍّ: ((ابن المغيرة))، كما في «الفرع» كـ: «أصله»، المُتوفَّى سنة خمسين ومئةٍ، وللأَصيليِّ: ((أخبرنا عن [19] سليمان))، (عَنْ ثَابِتٍ) البُنانيِّ؛ بضمِّ الموحَّدة، وبالنُّونين؛ نسبةً إلى بُنَانة، بطنٌ من قريشٍ، أو اسم أمِّه: بُنانةُ، واسم أبيه: أَسْلَمُ، العابد البصريُّ، المُتوفَّى سنة ثلاثٍ وعشرين ومئةٍ، (عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِهَذَا)؛ أي: بمعناه، وسقط لفظ: ((بهذا)) من رواية أبي الوقت وابن عساكر، وفي روايةٍ: ((مثله))، وحديث موسى بن إسماعيل موصولٌ في «صحيح أبي عوانة»، وحديث عليِّ بن عبد الحميد موصولٌ عند التِّرمذيِّ، وأخرجه عن المؤلِّف.

[1] «ولابن عساكر: أخبرنا»: مثبتٌ من (م).
[2] في (س): «بالهمز».
[3] «على ظهرٍ»: سقط من (ص).
[4] في (م): «لأنَّه ثُنِّي».
[5] زيد في (ب) و(س): «أبي»، وليس بصحيحٍ.
[6] قوله: «والذي رأيته في «اليونينيَّة»: بهمزة وصلٍ»، سقط من (ص).
[7] في (ص): «بتكلُّم».
[8] في (ص): «ما».
[9] «ابن عساكر»: سقط من (س).
[10] «غير مكرَّرة»: سقط من (ص).
[11] في (ص): «في».
[12] في (ص) و(م): «وغيرهم».
[13] في (ب) و(س): «قول».
[14] في (ب) و(س): «وهو».
[15] «قبل»: سقط من (ص) و(م).
[16] «مبتدأٌ وخبرٌ مضاف إلى»: سقط من (ص) و(م).
[17] في (ص): «أبو»، وهو تحريفٌ.
[18] في (ص): «موسى»، وليس بصحيحٍ.
[19] (عن): سقط من (س).





63- ( أَبِي نَمِرٍ ): بفتح النُّون وكسر الميم: صحابيٌّ لا يعرف اسمه.

( دَخَلَ ) زاد الأَصِيلي قبله: «إذ».

( بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ ) بفتح النُّون، أي: بينهم، وزيد لفظ الظَّهر ليدلَّ على أنَّ ظهرًا منهم قدَّامه، وظهرًا وراءه، فهو محفوف بهم من جانبيه، والألف والنُّون فيه للتَّأكيد. قاله صاحب «الفائق»

وقال غيره: هو ما أريد به بلفظ التَّثنية معنى الجمع.

( الأَبْيَضُ ) أي: المشرب بحمرة.

( أَبْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ) بفتح الهمزة والنُّون على النِّداء، وللكُشْمِيهنيِّ: «يا ابن» بإثبات حرف النِّداء.

( إِنِّي سَائِلُكَ ) في مسلم أنَّه سأله: من رفع السَّماء وبسط الأرض، وغير ذلك من المصنوعات، ثمَّ أقسم عليه به أن يصدقه عمَّا يسأل عنه.

( فَلاَ تَجِدْ ) أي: لا تغضب، ومادة وجد متَّحدة الماضي والمضارع، مختلفة المصادر بحسب اختلاف المعاني، فيقال في الغضب: مَوْجَدة، وفي المطلوب: وجودًا، [/ج1ص230/]وفي الضَّالة: وجدانًا، وفي الحبِّ: وَجدًا بالفتح، وفي المال: وُجدًا بالضَّمِّ، وفي الغنى: جِدَة بالكسر وتخفيف الدَّال المفتوحة.

وقالوا في المكتوب: وجادة، وهي مولَّدة.

( أَنْشُدُكَ ) بفتح الهمزة وضمِّ المعجمة: من النَّشيد، وهو: رفع الصَّوت، أي: أسألك رافعًا نشيدي.

( آللَّهُ ) بالمدِّ والرَّفع.

( اللَّهُمَّ نَعَمْ ) ذكر ( اللَّهمَّ ) تأكيدًا لصدقه.

( تُصَلِّيْ ) بالتَّاء فيه وفيما بعده، للأَصِيلي بالنُّون فيها. قال عياض: وهو أوجه.

( الصَّلَوَاتِ ) للكُشْمِيهنيِّ والسَّرخسيِّ: «الصَّلاة» على إرادة الجنس، وعند مسلم زيادة السُّؤال عن الحجِّ، ولم يستحضره الزَّركشيُّ.

( آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ )، قيل: خبر لتقدُّم إسلامه، وقيل: إنشاء.

( رَسُولُ مَنْ وَرَائِي ) بفتح ( مَن ) وإضافة ( رسول ).

( بِهَذَا ) أي: بمعناه، وإلَّا فاللَّفظ مختلف، وسقطت هذه من رواية أبي الوقت.

فائدة: الصَّواب أنَّ قدوم ضِمَامٍ كان في سنة تسع، وبه جزم ابن إسحاق وأبو عبيدة وغيرهما.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

63# حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيُّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي المَسْجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَقُلْنَا: هَذَا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ! فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «قَدْ أَجَبْتُكَ». فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي المَسْأَلَةِ، فَلاَ تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ؟ فَقَالَ: «سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ» فَقَالَ: أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ، آللَّهُ أَمَرَكَ أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ نَعَمْ». فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ.

قال البخاري: رَوَاهُ مُوسَى وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

قلت: لما ذكر البخاري في الباب الأول قراءة الشيخ هو قوله: «باب قول المحدث حدثنا وأخبرنا» عقَّب بهذا الباب فذكر القراءة على الشيخ والسماع عليه فقال: «باب القراءة والعرض على المحدث»، قالوا: وسميت عرضاً لأن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرأه كما يعرض القارئ

@%ص21%

على المقرئ، وكان من حقه أن يقدم هذا الباب على باب «قول المحدث ثنا وأنبا» لأن قول المحدث حدثنا وأنبا فرع عن تحمله، هل كان بالقراءة أو بالعرض.

أو يقول: باب قراءة الشيخ، ثم يقول: باب القراءة على المحدث.

وأكثر المحدثين يسمون القراءة على المحدثين عرضاً سواءً كان سماعك بقراءتك أو بقراءة غيرك وأنت تسمع، وسواء كان من كتاب أو حفظ أو كان الشيخ يحفظ أو لا يحفظ لكن يمسك أصله هو أو ثقة غيره.

قال أبو عمرو بن الصلاح: «لا خلاف أنها صحيحة إلا ما روي عَمَّن لا يُعتَدُّ به».

قلت: كأن البخاري _ رحمه الله _ أراد أن يردَّ على هؤلاء الذين ذكر الشيخ ابن الصلاح أنه لا يُعتَدُّ بهم، وهو ظاهر احتجاجه بقوله: «وقال الحسن والثوري ومالك القراءة جائزة» يعني على المحدث، وقد أسند عن كل واحد منهم قوله بعد.

قلت: روينا بسند صحيح إلى محمد بن سعد، أخبرنا مطرف بن عبد الله قال: سمعت مالك بن أنس يقول لبعض من يحتج عليه في العرض أنه لا يجزئه إلا المشافهة فيأبى مالك ذلك عليه، ويحتج بالقراءة على المقرئ إذا قرأت عليه القرآن فسئلت: من أقرأك؟ أليس تقول: فلان، وفلان لم يقرأ عليك قليلاً ولا كثيراً، فإذا قرأت أنت عليه أجزأك وهو القرآن، ألا ترى أنه يجزئك الحديث والقرآن أعظم من الحديث؟ هذا آخر كلامه.

وقد تقدم أن قراءة الشيخ أعلى من القراءة عليه عند الجمهور، وقد حُكِيَ عن مالك أنه استحب القراءة على العالم، وقد تقدم في ترجمة عبد الله بن مَسْلَمَة القَعْنَبي.

وذكر الدارقطني عن كادح بن رحمة [1] قال: قال مالك: «العرض خير من السماع وأثبت».

وذكر الدارقطني في كتاب الرواة عن مالك: كان مالك يذهب إلى أن القراءة على العالم أثبت من قراءة العالم، وذكر فيه أيضاً أنه لما قدم أمير المؤمنين هارون المدينة حضر مالك، فسأله أن يسمع منه محمد والمأمون، فبعثوا إلى مالك فلم يحضر، فبعث إليه أمير

@%ص22%

المؤمنين، فقال: العلم يؤتى إليه ويوقر، فقال: صدق أبو عبد الله، سيروا إليه، فساروا إليه ومؤدبهم، فسألوه أن يقرأ عليهم, فأبى وقال: إن علماء أهل هذا البلد قالوا: إنما يقرأ على العالم ويفتيهم مثل ما يقرأ القرآن على المعلم ويرد، وسمعت ابن شهاب _ بحر العلماء _ يحكي عن سعيد وأبي سلمة وعروة والقاسم وسالم وغيرهم أنهم كانوا يقرؤون على العلماء.

قال ابن بطال: «وما احتج به مالك في الصك يقرأ فيقولون: أشهدنا فلان، حجة قاطعة؛ لأن الإشهاد أقوى حالات الإخبار، وكذلك القراءة عَلَى المقرئ».

وفي الحديث: دليل على قبول خبر الواحد مع غيره من الأحاديث؛ لأن قومه لم يقولوا له: لا نقبل خبرك حتى تأتينا من طريق آخر.

قال بعضهم [2]: وفيه جواز إدخال البعير في المسجد وعقله، ودليل على طهارة روثه لأنه لا يؤمن ذلك من البعير مدة إقامته.

قلت: قد جاء في رواية ابن إسحاق مبيناً كما سيأتي أن ضماماً لما قدم أناخ بعيره على باب المسجد وعقله، فهذا فيه تصريح بأنه لم يدخل به، وما في الأصل هنا محتمل، فليتأمل.

وقول الأعرابي: «أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟»، وقوله: «ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ» وجاء في مسلم: «يا محمد» ولم يخاطبه بالنبوة ولا بالرسالة، إما لأنه لم يؤمن بعد، وإما لأنه باق على جفاء الجاهلية، وقيل: لعله كان قبل النهي عن مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم باسمه قبل نزول قوله تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً} على أحد التفسيرين؛ أي: لا تقولوا: يا محمد؛ بل: يا رسول الله، يا نبي الله.

ويحتمل أن يكون بعد نزولها ولم يبلغه.

قلت: يوهن الثاني كونه لم يذكر فيه رد الصحابة عليه وتعليمه، ولو كان لَنُقِل.

وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: «قَدْ أَجَبْتُكَ»، ولم يذكر فيه التلفظ بالإجابة، فالجواب: أنه جاء في سنن أبي داود في هذا الحديث من رواية ابن عباء أنه قال: «أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم

@%ص23%

«أنا ابن عبد المطلب»، فقال: يا ابن عبد المطلب، وساق الحديث.

قال بعضهم: كره ما دعاه به حيث لم ينسبه إلى ما شرَّفه الله تعالى به من النبوة والرسالة، ونسبه إلى جده.

قال الشيخ المنذري: «وأما قوله _عليه السلام_ يوم حنين: «أنا ابن عبد المطلب» فلم يذكره افتخاراً؛ لأنه كان يكره الانتساب إلى الكفار، لكنه أشار إلى رؤيا رآها عبد المطلب مشهورة كانت إحدى دلائل نبوته فأذكرهم بها، وبخروج الأمر عَلَى الصدق فيها»، وقد ذكره القاضي عياض وغيره.

وقوله: «بَيْنَا» أي: بين أوقات كذا، ثم حذف المضاف.

قوله: «مُتَّكِئٌ» مهموز، يقال: اتكأ على الشيء فهو متكئ، والموضع: متكأ، كله مهموز الآخر، وتوكأت على العصا، وكل من استوى على وطاء فهو متكئ، وهذا المعنى هو المراد في الحديث.

قال الحاكم: فيه دليل على طلب الإسناد العالي، ولو كان الراوي ثقة، إذ البدوي لم يقنعه خبر الرسول عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى رحل بنفسه، وسمع ما بلغه الرسول عنه.

قال أبو الزناد: يؤخذ من قوله: «وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُتَّكِئٌ» جواز الاتكاء بين الناس، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يجلس مختلطاً بهم تواضعاً منه.

وقوله: «بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ» قال القاضي: قال الأصمعي وغيره: بين ظهريهم وظهرانيهم بفتح الظاء والنون، ومعناه: بينهم، قال غيره [3]: والعرب توقع الاثنين موقع الجميع.

قوله: «أَسْأَلُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ»، وفي مسلم: «فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: نعم».

وفيه: جواز الاستحلاف على الخبر، وقيل: هذه الأيمان إنما جرت ها هنا للتأكيد وتقرير الأمر، لا لافتقارٍ إليها، كما أقسم الله تعالى على أشياء كثيرة؛ كقوله: {قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} [يونس:53]، {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} [سبأ:3]، {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} [التغابن:7]، {فورب السماء والأرض إنه لحق}.

وقد تقدم في حديث طلحة بن عبيد الله أن النجدي السائل فيه هو ضِمَام بن ثَعْلَبة، هذا المذكور هنا في حديث الليث عند ابن بطالٍ

@%ص24%

وعند القاضي عياض، وتابعهما النواوي، قال القاضي: «هذا النَّجدي _ يعني الذي في حديث طلحة _ لم يسمه مالك ولا مسلم، وسماه البخاري في حديث أنس من طريق الليث» يريد هذا الحديث.

وخالفهم أبو العباس القرطبي وقال: «يبعد أن يكونا واحداً لتباين ألفاظهما ومساقهما».

وقد عقب مسلم حديث طلحة بحديث أنس، وأوله عن أنس قال: «نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل فيسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد! أتانا رسولك يزعم أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق» وساق الحديث قريباً من هذا الحديث، لكن فيه زيادة ذكر الحج، وسياق مسلم له عقب حديث طلحة يؤنس أيضاً أن الحديثين عنده لضِمَام؛ لأن هذا الثاني لم يُختَلَفْ أنه لضمام.

وقد ذكر ابن إسحاق هذا الحديث، وذكر فيه زيادات، فقال عن ابن عباس قال: بعثت بنو سعدِ بن بكرٍ ضِمَامَ بنَ ثعلبة وافداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم عليه، وأناخ بعيره على باب المسجد ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلاً جلداً أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا ابن عبد المطلب» قال: محمد؟ قال: «نعم»، ثم ذكر الحديث ولفظه أقرب لحديث البخاري، وفيه زيادة: «آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئاً، وأن نخلع هذِه الأنداد؟» ثمَّ ذكر الصلاة، ثمَّ جعل يذكر لَهُ فرائض الإسلام فريضة فريضة، الزكاة والصيام والحج وشرائع الإسلام كلها، ينشده عن كل واحدة، وزاد: «ورب من بعدك؟»، حتَّى إِذَا فرغ قال: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وسأؤدي هذِه الفرائض، واجتنب ما نهيتني عنه، ثمَّ لا أزيد ولا أنقص ،

@%ص25%

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة».

وفيه: «فأتى قومه فقال: بئست اللات والعزى، فقالوا: مه، اتق الجذام، اتق البرص».

وفيه: «وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله».

وفيه: «فوالله ما أمسى في ذَلِكَ اليوم في حاضرته أحدٌ إلا مسلماً».

وقد سقطَ بما بَانَ بحديث ابن إسحاق أسئلةٌ وردت على هذا الحديث من سياق غيره، من كونه لم يذكر فيه لفظ الصيام والحج، ومن قوله: «والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه» مع قوله: «أفلح إن صدق»، مع أنه لم يستوعب فيه الشرائع، فزال ذلك بقوله في حديث ابن إسحاق: «وشرائع الإسلام كلها».

وهذا الذي ذكرناه إنما يتم على القول بأن الحديثين لواحد، وبأن الصحابي ضمضم.

قول من قال: إنه كان أسلم قبل وفوده، وتبويب أبي داود عليه في «السنن»: «باب في المشرك يدخل المسجد» يوافق قول ابن إسحاق.

وقال عياض: «الظاهر أنه لم يأت إسلامه بعدُ، وأنه جاء مستفتياً، ويدل عليه قوله في مسلم: «وزعم رسولك»، قال ابن السكيت وغيره: الزعم قول لا يوثق به.

وقوله في حديث ابن عباس: «فلما فرغ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله».

وأما قول بعضهم: الظاهر أن البخاري فهم إسلام ضمام قبل قدومه، وأنه جاء يعرض عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ولهذا بوب عليه: «باب القراءة والعرض عَلَى المحدث»؛ ولقوله آخر الحديث: «آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي» فضعيفٌ؛ لأنه لا يلزم من تبويب البخاري بما ذكر أنه فهم إسلامه قبل، لأن العرض على المحدث هو القراءة عليه، والقراءة عليه أعم من أيكون تقدمت أو

@%ص26%

ابتدأ الآن على الشيخ بقراءة شيء لم تتقدم قراءته له، ولا نظره.

وأما قوله: «آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ» فيحتمل أنه ابتداء إيمان لا إخبار بإيمان تقدم منه.

وكذلك قوله: «وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي» معناه: أكون رسول من ورائي، قال ابن إسحاق: «وكان قدوم ضمام هذا سنة تسع»، وهو قول أبي عبيدة، والطبري، وقال الواقدي: «كانت سنة خمس».

هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن شريك وثابت عن أنس، وأخرج حديث طلحة في الإيمان وغيره كما سيأتي، والله أعلم.

وفيه: محمد بن سلام بن الفرج، أبو عبد الله البِيْكَنْدِي، السلمي مولاهم، نسب إلى بِيْكَنْد، بلد ببُخَارى على مرحلة منها، وهي الآن خربة.

انفرد به البخاري عن أئمة الكتب الخمسة، قال ابن سرور المقدسي: «سَلَام والد محمد هذا بالتخفيف، وقد يشدِّده من لا يعرف».

وعن سهل بن المتوكل قال: سمعت محمد بن سَلَام يقول: أنا محمد بن سَلَام بالتخفيف، ولم يذكر الخطيب وابن ماكولا فيه غير التخفيف، وكذا غنجار في تاريخ بخارى، وهو أعلم بأهل بلده، وليس في الصحيحين سَلَام مخفف بالاتفاق سوى عبد الله بن سلام الصحابي، ومحمد بن سلام هذا على الأصح.

وعنه قال: «أحفظ نحواً من خمسة آلاف حديث كذباً [4]».

وعنه قال: «أنفقت في طلب العلم أربعين ألفاً، وفي نشره أربعين ألفاً».

وقيل: كانت الجن تحضر مجلسه.

وقالوا: كان أحمد ابن حنبل يعظمه [5].

توفي سنة خمس وعشرين ومئتين.

وفيه: محمد بن الحسن المدني الواسطي القاص، أخرج البخاري له هذا الأثر هنا خاصة، وتوفي سنة تسع وثمانين ومئة، قاله البخاري في «التاريخ».

وقال ابن معين: «هو ثقة»، وقال أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم: «ليس به بأس» .

@%ص27%

وفيه: عوف بن أبي جميلة، يعرف بالأعرابي، ولم يكن أعرابياً، روى عنه الأئمة: الثوري، وشعبة، ويحيى القطان وابن المبارك وغيرهم.

قال أحمد ويحيى: «ثقة»، وقال ابن سعد: «يكنى أبا سهل، مولى لطيِّئ، ثقة كثير الحديث، وقيل كان يتشيع».

توفي سنة ست وأربعين ومئة، روى له الجماعة.

وفيه: الحسن، وقد تقدم.

وفيه: عبد الله بن موسى بن باذام بالمعجمة، العبسي _ بواحدة من أسفل وبالسين المهملة _ مولاهم الكوفي.

سمع هشام بن عروة، والأعمش، وسفيان الثوري، وشعبة وغيرهم.

روى عنه: أحمد، وإسحاق، ومحمد بن يحيى الذهلي.

قال يحيى بن معين وأبو حاتم: «ثقة»، وقال العجلي: «كان ثقة عالماً بالقرآن».

توفي سنة ثلاث عشرة ومئتين، روى عنه البخاري، وروى أيضاً ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن رجل عنه.

وفيه: أبو عاصم الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم بن رافع بن الأسود بن عمرو بن رالان بن ثعلبة بن شيبان، الشيباني البصري.

يقال له: النبيل، سمع ابن عون ومالكاً والثوري وغيرهم.

قال الخليل بن عبد الله القزويني الحافظ: «أبو عاصم النبيل متفق عليه زهداً، وعلماً، وديانة، وإتقاناً».

وقال ابن سعد ويحيى بن معين: «ثقة»، وقال أبو حاتم: «صدوق».

وقيل إن جريج سماه النبيل لأنه لما قدم الفيل البصرة ذهب الناس ينظرون إليه، فقال له ابن جريج: «ما لك لا تنظر؟ فقال: لا أجد منك عوضاً، فقال: أنت نبيل».

وقيل: لأنه كان يلبس الخز وجيد الثياب، فإذا أقبل قال له ابن جريج: «جاء النبيل».

وقيل عنه أنه قال: «ما اغتبت أحداً منذ علمت أن الغيبة حرام».

أخرج البخاري في «الصلاة» و«الزكاة» وغير موضع عنه، وروى في «الجمعة» و«السير» و«التوحيد» و«البيوع» وغيرها عن المُسْنِدي _ عبد الله تقدم في كتاب «الإيمان» _ وعلي المديني، وإسحاق _ غير منسوب، قيل: هو إسحاق بن نصر _ وعمرو بن علي، ويعقوب الدَّورَقي، ومحمد بن المثنى، ومحمد بن معمر عنه عن أيمن بن نابل، وابن جريج، وجرير بن حازم، ومالك، والأوزاعي، وشعبة، والثوري، وزكريا بن إسحاق، وحنظلة بن أبي سفيان، ويزيد بن أبي عبيد.

قلت: وهو أحد الأربعة الذين ألحقوا البخاري بالطبقة الرابعة، فإنه أدرك متأخري التابعين، وهم: مكي بن إبراهيم، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وعصام بن خالد، وأبو عاصم هذا، ومن طريقهم وقع للبخاري الأحاديث الثلاثية، وقال في «الحج»: وقال أبو عاصم، ولم يسنده، وقال هنا: سمعت أبا عاصم، فبيَّن السماع [6].

توفي بالبصرة سنة اثنتي عشرة

@%ص28%

ومئتين، قال البخاري: وهو ابن تسعين سنة سبعة أشهر، روى له الجماعة.

وفيه: شَرِيك بن عبد الله بن أبي نَمِر، القرشي، وقال الواقدي: الليثي، وقال غيره: الكناني، وجده أبو نَمِر شهد أحداً مع المشركين، ثم هداه الله إلى الإسلام، أبو عبد الله المدني.

سمع أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء بن يسار وغيرهم.

روى عنه: مالك، وسعيد المقبري، وإسماعيل بن جعفر، وسليمان بن بلال وغيرهم.

قال ابن سعد: «كان ثقة كثير الحديث».

وقال يحيى بن معين: «ليس به بأس».

وقال ابن عدي: «شريك رجل مشهور من أهل الحديث، حدث عنه الثقات، وحديثه إذا روى عنه ثقة فلا بأس بروايته؛ إلا أن يروي عنه ضعيف».

روى له الجماعة إلا الترمذي، توفي بعد سنة أربعين ومئة.

وفيه [7]: أنس بن مالك بن النَّضْر بن ضَمْضَم _ بفتح الضادين المعجمتين _ ابن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، الأنصاري، يكنى أبا حمزة، وأمه: أم سُلَيم؛ الرُّمَيصاء بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام.

روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفا حديثٍ ومئتا حديثٍ وستةٌ وثمانون حديثاً، اتفقا على مئة وثمانية وستين حديثاً منها، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين حديثاً، ومسلم بأحد وسبعين.

وهو رضي الله عنه من المكثرين، وكان أكثر الصحابة ولداً، وجاء في «صحيح البخاري» عن أنس في حديث: «أن أم سُلَيمٍ قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إنَّ لي خُوَيْصَّةً، قال: «ما هي؟»، قَالَتْ: خَادِمُكَ أَنَسٌ، قال: فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلاَ دُنْيَا إِلَّا دَعَا لِي بِهِ: «اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالاً وَوَلَداً، وَبَارِكْ لَهُ»، قال: فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الأَنْصَارِ مَالاً، وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ: أَنَّهُ دُفِنَ لِصُلْبِي إلى مَقْدَمِ الحَجَّاجِ البَصْرَةَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِئَةٌ» [1982]. '>[8].

وفي حديث لمسلم قال أنس :

@%ص29%

«فواللهِ إن مالي لكثيرٌ، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادُّونَ على نحوِ المئةِ اليومَ» [2481]. '>[9].

خدم أنس النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، وقيل: كان له بستان يحمل في السنة مرتين، وفيه ريحان يجيء منه ريح المسك [3833]، وقال: «حسن غريب». '>[10].

والصحيح أنه توفي بالبصرة خارجها على نحو فرسخ ونصف، سنة ثلاث وتسعين، وثبت في الصحيح أنه كان له قبل الهجرة عشر سنين، فعمره على هذا فوق المئة.

وكني بأبي حمزة _ بالحاء المهملة _ ببقلة كان يحبها [11].

وروى البخاري عن قتادة قال: «لما مات أنس قال مورق: ذهب اليوم نصف العلم، قيل له: كيف ذاك؟ قال: كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث قلنا: تعالَ إلى من سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم».

روى له الجماعة.

وفيه موسى، قال بعض الحفاظ: لعله موسى بن إسماعيل التَّبُوذَكِي، فإنه سمع سليمان بن المغيرة، وتوفي سنة ثلاث وعشرين ومئتين، [و] إنه روى عنه البخاري في «بدء الوحي» وغير موضع، وروى مسلم عن الحسن الحلواني عنه حديثاً واحداً حديث أم زرع.

وفيه: علي بن عبد الحميد بن مصعب، أبو الحسين المعني، نسبة إلى معن، روى عن سليمان بن المغيرة، قال أبو القاسم بن عساكر: «روى عنه البخاري تعليقاً، وتوفي سنة اثنتين وعشرين ومئتين».

وقال أبو الوليد الباجي: لم يذكره الكلاباذي في رجال البخاري، وذكره أبو الحسن وأبو عبد الله.

أخرج البخاري في «العلم» حديث ضمام، ثم قال: إثْرَه ورواه موسى وعلي بن عبد الحميد عن سليمان عن ثابت عن أنس.

وقال ابن سرور المقدسي: «روى عنه أبو حاتم وأبو زرعة وقالا: هو ثقة».

وفيه: سليمان بن المغيرة، أبو سعيد القيسي البصري، مولى بني قيس بن ثعلبة بن بكر بن وائل، سمع الحسن وابن سيرين وثابتاً البُنَاني.

روى عنه الثوري

@%ص30%

وشعبة، اتفقوا على توثيقه، قال أحمد ابن حنبل: «ثبت ثبت، ثقة ثقة».

وقال ابن سعد: «ثقة ثبت».

وقال شعبة: «سيد أهل البصرة».

وقال أبو داود الطيالسي: «كان من خيار الناس».

توفي سنة خمس وستين ومئة، روى له الجماعة، روى له البخاري حديثاً واحداً عن آدم بن أبي إياس، عن سليمان بن المغيرة، عن حميد بن هلال، عن أبي صالح السمان، قال: «رأيت أبا سعيد الخدري في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس» الحديث، ذكره في باب: «يرد المصلي من [مَرَّ] بين يديه».

وذكر أبو مسعود الدمشقي وخلف الواسطي في الأطراف لهما في أثر حديث ضمام قول البخاري: «ورواه موسى وعلي بن عبد الحميد عن سليمان بن المغيرة» فقالا فيه: «ابن المغيرة».

وفيه: ثابت بن أسلم، أبو أحمد البناني البصري العابد، وبنانة هم بنو سعد بن لؤي بن غالب، وأم سعد: بنانة، قاله الخطيب.

وقال الزبير بن بكار: «بنانة أمة لسعد بن لؤي، حضنت بنيه فنسبوا إليها».

سمع ابن عمر، وابن الزبير، وأنساً وغيرهم من الصحابة والتابعين.

روى عنه خلق كثير، قال أحمد ويحيى وأبو حاتم: «ثقة»، ولا خلاف فيه.

توفي سنة ثلاث وعشرين ومئة، روى له الجماعة.

[1] بهامش الأصل بخط مغاير: كادح بن رحمة الزاهد الذي يروي عن الثوري ومسعر قال ابن حبان: يروي عَن الثِّقَات المقلوبات حتى يسبق إلى القلب أنه المعتمد لها، فاستحق الترك، وقال ابن الجوزي: قال أبو الفتح الأزدي: كذاب.اهـ.
[2] كأنه يقصد ابن بطال، كما ذكره ابن الملقن في «التوضيح» (3/287).
[3] في الأصل قبل «غيره» مقدار حرفين، تشبه «كل»، لم يتبين لي وجهها.
[4] كذا في الأصل، ولم أجد كلمة «كذباً» عند أحد غير المصنف، والذي وقفت عليه ممن نقل كلامه هو الإطلاق: «أحفظ نحواً من خمسة آلاف حديث».
[5] هذا السطر أثبت في هامش الأصل، وأشير إليه بلحق.
[6] هذه الفقرة والتي قبلها كتبتا بهامش الأصل.
[7] جاء في هامش الأصل: «تقدم أنس في: باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
[8] أخرجه البخاري [1982].
[9] أخرجه مسلم [2481].
[10] أخرجه الترمذي [3833]، وقال: «حسن غريب».
[11] كذا في الأصل، وهو ما في عمدة القاري، وفي مصادر ترجمة أنس: «يجتنيها»، وفي بعضها: «يجتنبها».





63# قوله (بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ): أي: بينهم، مختلط معهم من تواضعه.

قوله: (قَدْ أَجَبْتُكَ): أمره بالسُّكوت.

قوله: (أيُّكم ابن عبد المطلب؟ فقال له عليه الصلاة والسَّلام: أنا ابن عبد المطلب [1] ): لأنَّه عليه الصلاة والسَّلام كره ما دعاه به؛ حيث لم ينسبه إلى ما شرَّفه الله به من النُّبوة والرِّسالة، ونسبه إلى جدِّه، قال: وكان ضمام رجلًا جلدًا، أشعر، ذا غديرتين، قال: فأتى قومه فقال: بئست اللَّات والعزَّى، فقالوا له: مه، فقال: أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، فو الله ما أمسى ذلك اليوم في حاضرته إلَّا مسلمًا.

[1] في «اليونينيَّة»: (أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ).





63- وبه قال: ((حدثنا عبد الله بن يوسف)) التِّنِّيسي ((قال: حدثنا الليث)) بن سعد الفهمي، وهو من أتباع إمامنا الإمام الأعظم، ((عن سعيد)) بن أبي سعيد؛ بكسر العين فيهما، ((هو المقبُري)) ؛ بضم الموحدة، ولفظ (هو) سقط في رواية.

((عن شريك)) ؛ بفتح المعجمة، ((ابن عبد الله بن أبي نَمِر)) ؛ بفتح النون وكسر الميم، القرشي المدني، المتوفى سنة أربعين ومئة، ((أنه سمع أنس بن مالك)) رضي الله عنه؛ أي: كلامه حال كونه، ((يقول: بينما)) أصله: (بين) زيدت عليها (ما) ظرف زمان، وفي رواية: (بينا) ؛ بغير ميم ((نحن)) مبتدأ خبره قوله: ((جلوس)) ؛ جمع جالس، ((مع النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم في المسجد)) ؛ أي: مسجد رسول الله عليه السلام، فـ (أل) للعهد، ((دخل رجل)) جواب (بينما) ، وفي رواية: (إذ دخل رجل) ، لكن الأصمعي لا يستفصح (إذ) و (إذا) في جواب (بينا) و (بينما) .

((على جَمَل)) صفة لـ (رجل) ، زوج الناقة؛ بفتح الجيم والميم، [و] تسكين الميم لغة، وبه قرأ ابن السماك: {حَتَّى يَلِجَ الْجَمْلُ}؛ بسكون الميم، جمعه جمال، وجمالة، وجمالات، وجمائل، وأجمال.

((فأناخه)) ؛ أي: أبركه على ركبتيه، أصله: فأنْوَخه، قلبت الواو ألفًا بعد نقل حركتها إلى ما قبلَها، ((في)) رحبة ((المسجد)) أو ساحته، ((ثم عَقَلَه)) ؛ بفتح العين المهملة والقاف المخففة؛ أي: شدَّ على ساقه مع ذراعه حبلًا بعد أن ثنى ركبتيه، وفيه جواز إدخال البعير في المسجد، وهو دليل على طهارة أبوال الإبل وأرواثها، وهو قول الإمام محمد الشيباني شيخ الإمام الشافعي.

وقال إمامنا الإمام الأعظم والإمام أبو يوسف: إنَّ أبوالها نجسة نجاسةً مخففة، ولا دليل في الحديث على الطهارة؛ لأنَّه روى أبو نُعيم: (أقبل على بعير له حتى أتى المسجد فأناخه، ثم عَقَله فدخل المسجد) ، وفي رواية أحمد والحاكم عن ابن عباس: (فأناخ بعيره على باب المسجد فعَقَله، ثم دخل) ، وهذا يدل على أنَّه لم يدخل المسجد؛ فتأمل.

((ثم قال لهم: أيُّكم)) استفهام مرفوع على الابتداء، خبره ((محمد؟ والنبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم مُتَّكِئٌ)) ؛ بضم الميم آخره همزة اسم فاعل، أصله: موتكئ، قُلبت الواو تاء، وأُدغمت التاء في التاء؛ أي: استوى على وِطاء، والجملة اسمية وقعت حالًا.

((بين ظهرانيهم)) ؛ بفتح الظاء المعجمة والنون؛ أي: بين أصحابه، وزيد لفظ (الظهر) ؛ ليدل على أنَّ ظهرًا منهم قُدَّامَه وظهرًا منهم وراءَه، فهو محفوفٌ بهم من جانبيه، والألف والنون للتأكيد، وقيل: زيدت الألف والنون على (ظهر) عند التثنية، ثم كثر حتى استُعمل في الإقامة بين القوم مطلقًا؛ أي: فهو ممَّا أُريد بلفظ التثنية فيه معنى الجمع، واستُشكل ثبوت النون مع الإضافة، ودُفع بأنَّه ملحق بالمثنى لا أنَّه مثنًى حقيقةً، وحذفت منه نون التثنية فصار (ظهرانيهم) .

((فقلنا: هذا الرجل)) مبتدأ وخبر، ((الأبيض)) صفة لـ (رجل) ، وقوله: ((المتكئ)) بالرفع صفة لـ (رجل) أيضًا، والمراد بـ (الأبيض) : هو البياض المشرب بحمرة، كما دل عليه رواية الحارث ابن عمير قال: (الأمغر) ، فُسِّر بالحمرة مع بياضٍ صافٍ، ولا تنافي بين وصفه هنا بالبياض وبين ما ورد أنَّه ليس بأبيض، ولا آدم؛ لأنَّ المنفي البياض الخالص كلون الجصِّ كريه المنظر، كلون [البرص] [1] ، كذا في «عمدة القاري».

((فقال له)) عليه السلام ((الرجل)) المذكور: ((أَبنَ عبد المطلب)) ؛ بفتح الهمزة والنون: منادى مضاف، أصله: يا ابن عبد المطلب، فحذف حرف النداء، وفي رواية: (يا ابن عبد المطلب) ، وفي رواية: بكسر الهمزة وفتح النون.

((فقال له النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك)) ؛ أي: سمعتك، أو المراد إنشاء الإجابة أو نزل تقريره للصحابة في الإعلام عنه منزلة النطق، وإنَّما لم يجبه بنعم؛ لأنَّه أخلَّ بما يجب من رعاية التعظيم والأدب؛ حيث قال: (أيُّكم محمد؟) ، وقال تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} [النور: 63] ، فحقُّه أن يخاطبه بالرسالة أو بالنبوة، فلما قال: (أيُّكم محمد؟) ؛ علم عليه السلام أنَّه باقٍ على جفاء الجاهلية، فلم ينكر عليه ولم يرد عليه، أو أنَّه لم يكن آمَنَ، أو كان ذلك قبل النهي عن مخاطبته عليه السلام بذلك، أو لم يبلغه.

وقال أيضًا: (ابن عبد المطلب) وكان عليه السلام يكره الانتساب إلى الكفار، لعله أراد تطابق الجواب للسؤال بقوله: أيُّكم بابن عبد المطلب؟ فأجابه عليه السلام: أنا ابن عبد المطلب، وإنَّما كره هنا ذلك وقال يوم حنين: أنا ابن عبد المطلب؛ للإشارة إلى رؤيا رآها عبد المطلب مشهورة كانت إحدى دلائل نبوته فذكرهم بها، وبخروج الأمر على الصدق.

((فقال الرجل)) المذكور ((للنبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ، وسقط في رواية قوله: (الرجل...) إلخ، وفي أخرى: لفظ (الرجل) فقط، ((إني سائلُك)) جملة اسمية مؤكدة بـ (إن) مقول القول، ((فمشدِّدٌ عليك في المسألة)) ؛ بكسر الدال الأولى المثقلة، والفاء عاطفة على (سائلك) ، ((فلا تجِدْ)) ؛ بكسر الجيم والجزم على النهي، وهي من الوجدة؛ أي: لا تغضب، ((عليَّ في نفسك، فقال)) عليه السلام له: ((سل عمَّا بدا)) من البُدُوِّ؛ أي: ظهر، ((لك، فقال)) الرجل المذكور: ((أسألك بربك)) ؛ أي: بحقِّ ربِّك، الباء للقسم، ((ورب من قبلك، آللهُ)) ؛ بهمزة الاستفهام الممدودة والرفع على الابتداء، وقوله: ((أرسلك)) خبره، وعند مسلم: (فبالذي خلق الأرض ونصب هذه الجبال، آللهُ أرسلك) ، ((إلى الناس كلهم)) الإنس والجن، ((فقال)) عليه السلام، وفي رواية: (قال) .

((اللَّهُمَّ)) ؛ أي: يا الله، ((نعم)) الميم بدل عن حرف النداء، وذكر ذلك؛ ليدل على تيقن المجيب في الجواب المقترن به؛ كأنه ينادي تعالى متشهدًا على ما قاله في الجواب، وهذه الأيمان المذكورة إنَّما ذكرت للتأكيد وتقرير الأمر.

((قال)) وفي رواية: (فقال الرجل المذكور) ، ((أَنْشُدُك)) ؛ بفتح الهمزة، وإسكان النون، وضم المعجمة؛ أي: أسألك، ((بالله)) الباء للقسم، ((آللهُ أمرك)) ؛ بمدِّ الهمزة، وفيه همزتان الأولى للاستفهام والثانية للجلالة، ((أن نصلي الصلوات الخمس)) ؛ بنون الجمع، وفي رواية: بتاء الخطاب، وفي رواية: الصلاة بالإفراد؛ أي: جنس الصلاة، وكلُّ ما وجب عليه فهو واجب على أمته حتى يقوم دليل الخصوصية، وفي رواية ثابت عن أنس بلفظ: (أن علينا خمس صلوات يومَنا وليلتَنا) ؛ فافهم.

((في اليوم والليلة، قال)) عليه السلام: ((اللَّهُمَّ)) ؛ أي: يا الله، ((نعم، قال)) الرجل المذكور: ((أنشدك)) ؛ أي: أسألك ((بالله)) باؤه للقسم، ((آللهُ)) بالمدِّ، ((أمرك أن تصوم)) ؛ بتاء الخطاب، وفي رواية: بالنون، ((هذا الشهر من السنة)) ؛ أي: رمضان من كلِّ سنة، فـ (اللام) فيهما للعهد، والإشارة لنوعه لا لعينه.

((قال)) عليه السلام: ((اللهمَّ)) ؛ أي: يا الله، ((نعم، قال)) الرجل المذكور: ((أَنشدك)) أسألك ((بالله، آللهُ)) ؛ بالمدِّ، ((أمرك أن تأخذ)) ؛ بتاء المخاطب؛ أي: بأن تأخذ، ((هذه الصدقة)) المعهودة؛ وهي الزكاة، ((من أغنيائنا فتقسمَها)) ؛ بتاء المخاطب المفتوحة، والنصب عطفًا على (أن تأخذ) ، ((على فقرائنا)) من تغليب الاسم للكل بمقابلة الأغنياء؛ إذ خرج مخرج الأغلب؛ لأنَّهم الأغلب من الأصناف الثمانية.

((فقال النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) له: ((اللَّهُمَّ)) ؛ أي: يا الله، ((نعم)) ؛ أي: اشهد على ما قلت في الجواب، قال أكثر الشُّرَّاح: ولم يتعرَّض للحجِّ؛ لأنَّه كان معلومًا عندهم في شريعة إبراهيم.

قال في «عمدة القاري»: وهو مذكور في «صحيح مسلم بن الحجاج القشيري»، فقد وقع فيه ذكر الحجِّ ثابتًا عن أنس ابن مالك، وكذا في حديث أبي هريرة وابن عباس أيضًا عند مسلم، وقيل: إنَّما لم يذكره؛ لأنَّه لم يكن فُرِضَ، أو لأنَّه لم يكن من أهل الاستطاعة.

((فقال الرجل)) المذكور لرسول الله عليه السلام: ((آمنتُ بما)) ؛ أي: بالذي، ((جئتَ به)) من الوحي، واختُلف هل كان مسلمًا عند قدومه أم [لا] ؛ فقال جماعة: إنَّه كان مسلمًا قبل وفوده، وإليه ذهب المؤلف وبوَّب له: باب القراءة والعرض على المحدِّث، مستدلًا بقوله: (آمنت بما جئت به) ، وبقوله: ((وأنا رسول من)) مبتدأ وخبر مضاف إلى (مَن) بفتح الميم ((ورائي)) ؛ أي: مَن خلفي، (مِن) ؛ بكسر الميم، ((قومي)) ، وإنَّ هذا إخبارٌ، ورجَّحَه القاضي عياض، وقال جماعة: إنَّه لم يكن مسلمًا وقت قدومه، وإنَّما كان إسلامه بعدَه؛ لأنَّه كان متثبتًا، ويدل عليه ما في حديث ابن عباس رواه ابن إسحاق: (أنَّ بني سعد بن بكر بعثوا ضِمام بن ثعلبة...) الحديث، وفي آخره: (حتى إذا فرغ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله) .

وأجابوا عن قوله: (آمنت) : بأنَّه إنشاء وابتداء الإيمان، لا إخبار بإيمانٍ تقدم، وكذلك قوله: (وأنا رسول مَن ورائي) ، وبأنَّه لا يلزم مِن تبويب المؤلف له أنَّه كان مسلمًا؛ لأنَّ العرض على المحدث هو القراءة عليه أعمّ من أن يكون تقدمت له أو ابتدأها.

وقالوا: قد بوَّب أبو داود عليه: باب المشرك يدخل المسجد، وهو يدل على أنَّه لم يكن مسلمًا قبل قدومه، والظاهر: أنَّه قبل قدومه لم يكن

[/ص42/] الإيمان محققًا عنده، فلمَّا سأل النبيَّ عليه السلام؛ تحقَّق عنده وجدَّد إيمانه؛ فليحفظ.

((وأنا ضِمام بن ثعلبة)) ؛ بكسر الضاد المعجمة، وبالثاء المثلثة، والباء الموحدة المفتوحة، ((أخو بني سعد بن بكر)) بن هوازن، وهم أخوال رسول الله عليه السلام، قدم على النبي الأعظم عليه السلام، بعثه إليه بنو سعد، فسأل عن الإسلام، ثم رجع إليهم فأخبرهم به فأسلموا.

وقال ابن عباس: ما سمعنا بوافد قط أفضل من ضِمام، وكان قدومه سنة تسع، قاله ابن إسحاق والطبري، وقال الواقدي: كان سنة خمس، وفيه نظر لما في «مسلم»: أنَّ قدومه كان بعد نزول النهي عن السؤال في القرآن، وهو في (المائدة) ، ونزولها متأخِّرٌ جدًّا، وبما قد عُلِمَ أنَّ إرسال الرسل إلى الدعاء إلى الإسلام إنَّما كان ابتداؤه بعد الحديبية، ومعظمه كان بعد فتح مكة.

وبما في حديث ابن عباس: أنَّ قومه أطاعوه ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولم يدخل بنو سعد في الإسلام إلا بعد وقعة خيبر، وكان في شوال سنة ثمان، فالمعتمد: أنَّ قدوم ضِمام كان في سنة تسع، وبه جزم أبو عبيدة وغيره؛ فافهم.

وفي الحديث دليل لما ذهب إليه العلماء من أنَّ العوام المقلِّدين مؤمنون، وقبول خبر الواحد، وجواز تسمية الأدنى للأعلى دون أنْ يُكنِّيه إلَّا أنَّه نُسخ في حقِّه عليه السلام، وجواز الاتِّكاء بين الناس في المجالس، وجواز تعريف الرجل بصِفته من البياض والحمرة، والطول والقصر، والاستحلاف على الخبر؛ ليُعلم اليقين، وفيه التعريف بالشخص، وفيه النسبة إلى الأجداد.

فائدة: هل النجدي السائل في حديث طلحة بن عبيد الله السابق هو ضِمام بن ثعلبة أو غيره، قال جماعة: إنَّه هو إيَّاه، والنجدي هو ضِمام بن ثعلبة، وإليه مال ابن عبد البر والقاضي عياض، وقيل: غيره، والله أعلم.

((رواه)) ؛ أي: هذا الحديث، وفي رواية: (ورواه) بالواو ((موسى)) بن إسماعيل، كما في رواية أبو سلمة المنقري التَّبُوذَكِي، ((و)) رواه أيضًا ((علي بن الحُميد)) ؛ بضم الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية، بن مصعب المَعْنِي؛ بفتح الميم، وسكون العين المهملة، وكسر النون، بعدها ياء؛ نسبة إلى مَعَن بن مالك، المتوفى سنة اثنتين وعشرين ومئتين؛ كلاهما ((عن سليمان)) زاد في رواية: (ابن المغيرة) أبي سعيد القيسي البصري، المتوفى سنة خمسين أو خمس وستين ومئة، وفي رواية: (أخبرنا سليمان) ، ((عن ثابت)) هو البُنانيُّ؛ بضم الموحدة وبالنونين؛ نسبة إلى (بنانة) بطن من قريش، أو اسم أمه (بنانة) ، واسم أبيه: أسلم، العابد البصريُّ، المتوفَّى سنة ثلاث وعشرين ومئة.

((عن أنس)) بن مالك رضي الله عنه، ((عن النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم بهذا)) ؛ أي: بمعناه، وفي رواية: (مثله) ، وحديث موسى بن إسماعيل موصولٌ في «صحيح أبي عَوانة»، وحديث علي بن الحُميد موصولٌ عند الترمذي أخرجه عن المؤلف.

[1] في الأصل: (البربر) .