إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أحب الصلاة إلى الله صلاة داود

1131- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة (قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ) بفتح الهمزة وسكون الواو، الثَّقفيَّ الطَّائفيَّ التَّابعيَّ الكبير، وليس بصحابيٍّ. نعم أبوه صحابيٌّ، و«عمرو» في الموضعين بالواو (أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ
ج2ص314
بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَ لَهُ) أي: لابن عمرو: (أَحَبُّ الصَّلَاةِ) أي: أكثر ما يكون محبوبًا (إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ عليه السلام، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ) أي: أكثر ما يكون [1] محبوبًا (إِلَى اللهِ صِيَامُ) وفي روايةٍ: «وأحبُّ الصَّوم إلى الله صومُ» (دَاوُدَ) واستعمال «أحبُّ» بمعنى: «محبوب» قليلٌ؛ لأنَّ الأكثر في أفعل التَّفضيل أن يكون بمعنى الفاعل، ونسبة المحبَّة فيهما إلى الله تعالى على معنى إرادة الخير لفاعلهما (وَكَانَ) داود عليه الصلاة والسلام (يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ) في الوقت الَّذي ينادي فيه الرَّبُّ تعالى: هل من سائلٍ؟ هل من مستغفرٍ؟ (وَيَنَامُ سُدُسَهُ) ليستريح من نَصَبِ القيام في بقية اللَّيل، وإنَّما كان هذا أحبَّ إلى الله تعالى؛ لأنَّه أخذٌ بالرِّفق على النُّفوس الَّتي يُخشى منها السَّآمة الَّتي هي سببٌ إلى ترك العبادة، والله تعالى يحبُّ أن يوالي فضله، ويديم إحسانه، قاله الكرمانيُّ. وإنَّما كان ذلك أرفق؛ لأنَّ النَّوم بعد القيام يُريح البدن، ويُذهب ضرر السَّهر وذبول الجسم، بخلاف السَّهر إلى الصَّباح، وفيه من المصلحة أيضًا استقبال صلاة الصُّبح وأذكار النَّهار بنشاطٍ وإقبالٍ، وأنَّه [2] أقرب إلى عدم الرِّياء؛ لأنَّ مَن نام السُّدس الأخير أصبح ظاهر اللَّون، سليم القوى، فهو أقرب إلى أن يُخفي عمله الماضي على من يراه، أشار إليه ابن دقيق العيد (وَيَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا) وقال ابن المنيِّر: كان داود عليه الصلاة والسلام يقسم ليله ونهاره لحقِّ ربِّه وحقِّ نفسه، فأمَّا اللَّيل؛ فاستقام له فيه [3] ذلك في كلِّ ليلةٍ، وأما النَّهار؛ فلمَّا تعذَّر [4] عليه أن يُجزِّئه بالصِّيام؛ لأنَّه لا يتبعَّض؛ جعل عوضًا من ذلك أن يصوم يومًا ويفطر يومًا [5]، فيتنزل ذلك منزلة التَّجزئة في شخص اليوم.
ورواة هذا الحديث مكِّيُّون إلَّا شيخ المؤلِّف فمدنيٌّ، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والإخبار، وأخرجه أيضًا في «أحاديث الأنبياء» [خ¦3420]، ومسلم في «الصَّوم» وكذا أبو داود وابن ماجه والنَّسائيُّ فيه وفي «الصَّلاة» أيضًا.
ج2ص315


[1] في غير (د) و(س): «أحبُّ بمعنى».
[2] في غير (ص) و(م): «لأنَّه».
[3] «فيه»: مثبتٌ من (م).
[4] في (د): «فلا يقدر».
[5] «ويفطر يومًا»: ليس في (ص) و(م).