إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب قول الله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض}

(40) (بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ}) أي: فرغتم من صلاة الجمعة ({فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ}) للتَّكسُّب والتَّصرُّف في حوائجكم ({وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ} [الجمعة: 10] ) أي: رزقه، أو تعليم العلم، والأمر في الموضعين للإباحة بعد الحظر، وقولُ إنَّه للوجوب في حقِّ من يقدر على الكسب قولٌ شاذٌّ [1]، ووهم من زعم أنَّ الصَّارف للأمر عن الوجوب هنا كونه
ج2ص193
ورد بعد الحظر لأنَّ ذلك [2] يستلزم عدم الوجوب، بل الإجماع هو الدَّالُّ على أنَّ الأمر المذكور للإباحة، والَّذي يترجَّح أنَّ في قوله: «انتشروا» و«ابتغوا» إشارةً إلى استدراك ما فاتكم من الَّذي انفضضتم إليه، فينحلُّ إلى أنَّها قضيَّةٌ شرطيَّةٌ، أي: من وقع له في حال خطبة الجمعة وصلاتها زمانٌ يحصل فيه ما يحتاج إليه في [3] أمر دنياه ومعاشه فلا يقطع العبادة لأجله، بل يفرغ منها، ويذهب حينئذٍ ليحصِّل حاجته، وقِيلَ: هو في حقِّ من لا شيء عنده ذلك اليوم، فأمره بالطَّلب بأيِّ صورةٍ اتَّفقت ليفرح [4] عياله ذلك اليوم؛ لأنَّه يوم عيدٍ، وعن بعض السَّلف: من باع أو اشترى بعد الجمعة بارك الله له سبعين مرَّةٍ، وفي حديث أنسٍ مرفوعًا: {وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ} ليس لطلب دنياكم، وإنَّما هو عيادة مريضٍ، وحضور جنازةٍ، وزيارة أخٍ في الله.
ج2ص194


[1] قوله: «وقولُ إنَّه للوجوب في حقِّ من يقدر على الكسب قولٌ شاذٌّ» جاء في (م) لاحقًا عند قوله: «ليحصِّل حاجته».
[2] زيد في (ب) و(س): «لا».
[3] في (د): «من».
[4] في (ص): «لتفرح».