إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: بينما نحن نصلي مع النبي إذ أقبلت عير تحمل طعامًا

936- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، ابن المُهلَّب الأزديُّ البغداديُّ الكوفيُّ الأصل، المُتوفَّى ببغداد سنة أربع عشرة ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ) بن قدامة الكوفيُّ (عَنْ حُصَيْنٍ) بضمِّ الحاء وفتح الصَّاد المُهمَلتين، ابن عبد الرَّحمن الواسطيِّ (عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ) بفتح الجيم وسكون العين، رافعٍ الكوفيِّ (قَالَ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريُّ (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم، وفي نسخةٍ لأبي ذَرٍّ: ((بينا)) (نَحْنُ نُصَلِّي) أي: الجمعة (مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) المراد بالصَّلاة هنا: انتظارها جمعًا بينه وبين رواية عبد الله بن إدريس عن حُصَينٍ عند مسلمٍ: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فهو من باب تسمية الشَّيء باسم ما قاربه، وهذا أليق بالصَّحابة تحسينًا للظَّنِّ بهم، سلَّمنا أنَّه كان في الصَّلاة، لكن يحتمل أنَّه وقع قبل النَّهي، نعم في «المراسيل» لأبي داود عن مقاتل بن حيَّان [1]: أنَّ الصَّلاة حينئذٍ كانت قبل الخطبة، فإن ثبت زال الإشكال، لكنَّه مع شذوذه معضلٌ، وجواب «بينما» قوله: (إِذْ أَقْبَلَتْ عِيرٌ) بكسر العين [2]؛ إبلٌ (تَحْمِلُ طَعَامًا) من الشَّام لدحية الكلبيِّ، أو لعبد الرَّحمن بن عوفٍ، روى الأوَّلَ الطَّبرانيُّ، والثَّانيَ ابنُ مردويه، وجُمِع بينهما باحتمال أن تكون لعبد الرَّحمن، ودحية سفيرٌ، أو كانا مشتركَين (فَالْتَفَتُوا إِلَيْهَا) أي: انصرفوا إلى العير، وفي رواية ابن فُضَيْلٍ في «البيوع» [خ¦2064]: «فانفضَّ النَّاس» أي: فتفرَّقوا، وهو موافقٌ للفظ الآية (حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم إِلَّا اثْنَا [3] عَشَرَ رَجُلًا) في رواية عليِّ بن عاصمٍ عن حُصَيْنٍ: حتَّى لم يبقَ معه إلَّا أربعون رجلًا رواه الدَّارقُطنيُّ، ولو سَلِمَ من ضعف حفظ عليِّ بن عاصمٍ وتفرُّده فإنَّه خالفه [4] أصحاب حُصَيْنٍ كلُّهم لكان من أقوى الأدلَّة للشَّافعيَّة، وردَّ [5] المالكيَّة على الشَّافعيَّة والحنابلة حيث اشترطوا لصحَّة الجمعة أربعين رجلًا لقوله في حديث الباب: «حتَّى ما بقي مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا اثنا عشر رجلًا» [6]، وأُجيب: بأنَّه ليس فيه أنَّه ابتدأها باثني عشر، بل يحتمل عودهم قبل طول الزَّمان، أو عود غيرهم مع سماعهم أركان الخطبة، وقد اختُلِف فيما إذا انفضُّوا فقال الشَّافعيَّة والحنابلة: لو انفضَّ الأربعون أو بعضهم في أثناء الخطبة، أو بينها وبين الصَّلاة، أو في الرَّكعة الأولى ولم يعودوا، أو عادوا بعد طول الفصل استأنف الإمام الخطبة والصَّلاة، ولو انفضَّ السَّامعون للخطبة بعد إحرام تسعةٍ وثلاثين لم يسمعوا الخطبة أتمَّ بهم الجمعة، لأنَّهم إذا لحقوا والعدد تامٌّ صار حكمهم واحدًا، فسقط عنهم سماع الخطبة، أو انفضُّوا قبل إحرامهم [7] استأنف الخطبة بهم، لأنَّه لا تصحُّ الجمعة بدونها وإن قَصُرَ الفصل لانتفاء سماعهم ولحوقهم، وقال أبو حنيفة: إذا نفر النَّاس قبل أن يركع الإمام ويسجد إلَّا النِّساء استقبل الظُّهر، وقال صاحباه: إذا نفروا عنه بعدما افتتح الصَّلاة صلَّى الجمعة، وإن [8] نفروا عنه بعد ما ركع وسجد سجدةً بنى على الجمعة في قولهم جميعًا خلافًا لزفر، وقال المالكيَّة: إن [9] انفضُّوا بحيث لا يبقى مع الإمام أحدٌ فلا تصحُّ الجمعة، وإن بقي معه اثنا عشر صحَّت، ويتمُّ بهم [10] جمعةً إذا بقَوا إلى السَّلام، فلو انفضَّ منهم شيءٌ قبل السَّلام [11] بطلت (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا}) هو الطَّبل الَّذي كان يُضرَب لقدوم التِّجارة فرحًا بقدومها وإعلامًا ({انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11] ) لم يقل: إليهما، لأنَّ اللَّهو لم يكن مقصودًا لذاته وإنَّما كان تبعًا للتِّجارة، أو حُذِف لدلالة أحدهما [12] على الآخر؛ أي [13]: وإذا رأوا تجارةً؛ انفضُّوا إليها، وإذا رأوا لهوًا انفضُّوا إليه، أو أُعيد الضَّمير إلى مصدر الفعل المتقدِّم؛ وهو الرُّؤية، أي: انفضُّوا إلى
ج2ص192
الرُّؤية الواقعة على التِّجارة أو اللَّهو، والتَّرديد للدَّلالة على أنَّ منهم منِ انفضَّ لمجرَّد سماع الطَّبل ورؤيته، وقد استشكل الأَصيليُّ حديث الباب، مع وصفه تعالى الصَّحابةَ بأنَّهم {لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ} [النور: 37]، وأجاب باحتمال أن يكون هذا الحديث قبل نزول الآية، قال [14] في «فتح الباري»: وهذا الَّذي يتعيَّن المصير إليه، مع أنَّه ليس في آية «النُّور» التَّصريح بنزولها في الصَّحابة، وعلى تقدير ذلك فلم يكن تقدَّم لهم نهيٌ عن ذلك، فلمَّا نزلت آية الجمعة، وفهموا منها ذمَّ ذلك اجتنبوه [15]، فوُصِفوا بما في آية «النُّور». انتهى.
ورواة الحديث ما بين بغداديٍّ وكوفيٍّ وواسطيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «البيوع» [خ¦2058] و«التفسير» [خ¦4899]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، وكذا النَّسائيُّ فيه وفي «الصَّلاة».
ج2ص193


[1] في (د): «حبَّان»، وهو تصحيفٌ.
[2] «بكسر العين»: ليس في (د).
[3] في غير (ب) و(س): «اثني»، وكذا في الموضع اللَّاحق، وكلاهما صحيحٌ.
[4] في (د) و(ص): «خالف».
[5] زيد في (م): «به».
[6] قوله: «لقوله في حديث الباب: حتَّى ما بقي مع النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلَّا اثنا عشر رجلًا» ليس في (ص) و(م).
[7] زيد في (د) و(م): «به».
[8] في (د) و(ص): «إذا».
[9] في (د): «إذا».
[10] في (م): «لهم».
[11] في (د): «قبل الصَّلاة».
[12] في هامش (ص): (قوله: «أو حُذِف لدلالة أحدهما...» إلى آخره: هذا يشعر بأنَّه كان حقُّ الكلام أن يثنِّي الضَّمير، ولكنَّه حُذِف، وفيه أنَّ المانع من تثنية الضَّمير أنَّ «أو» لأحد الشَّيئين أو الأشياء، فإذا عُطِف بها كان الحكم في عود الضَّمير في الأخبار والحال والوصف مفردًا، ولا تجوز المطابقة، نقول: زيدٌ أو عمرٌو أكرمته، ولا نقول: أكرمتهما لأنَّ ذلك لم يجز، ولذلك أجابوا عن قوله تعالى: {إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا} [النِّساء: 135] بخمسة أوجهٍ، ذكرها المُعرِب في سورة النِّساء؛ منها: أنَّ «أو» بمعنى الواو، ومنها: أنَّ الضَّمير عائدٌ على الغِنى والفقر المدلول عليهما بلفظ «الغنيِّ» و«الفقير»). انتهى عجمي.
[13] «أي»: ليس في (د).
[14] في (م): «و» بدل «قال».
[15] في (م): «اجتنبوا».