إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كانت فينا امرأة تجعل على أربعاء في مزرعة لها سلقًا

938- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا) بالجمع، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((حدَّثني)) (سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيد بن الحكم بن محمَّد [1] بن أبي مريم الجمحيُّ مولاهم المصريُّ [2] (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ) بفتح الغين المعجمة والسِّين المُهمَلة المُثقَّلة، محمَّد بن مُطَرِّفٍ [3] المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو حَازِمٍ) بالحاء والزَّاي، سلمة بن دينارٍ (عَنْ سَهْلٍ بن سعد) هو ابن مالكٍ الأنصاريِّ السَّاعديِّ، وسقط في رواية غير أبي ذَرٍّ «ابنِ سعدٍ» (قَالَ: كَانَتْ فِينَا امْرَأَةٌ) لم يُعرَف اسمُها (تَجْعَلُ) بالجيم والعين، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((تحقِل)) بالحاء المهملة والقاف المكسورة، وزاد في «اليونينيَّة»: وبالفاء، أي: تزرع (عَلَى أَرْبِعَاءَ) بكسر المُوحَّدة؛ جدولٌ أو ساقيةٌ صغيرةٌ تجري إلى النَّخل، أو النَّهر الصَّغير لسقي الزَّرع (فِي مَزْرَعَةٍ لَهَا) بفتح الرَّاء، وحُكِيَ تثليثها [4] (سِلْقًا) بكسر المُهمَلة وسكون اللَّام منصوبٌ على المفعوليَّة لـ «تجعل» أو «تحقل» على الرِّوايتين، ولأبي ذَرٍّ _وعزاها القاضي عياضٌ للأَصيليِّ كما في «اليونينيَّة»_: ((سلقٌ)) بالرَّفع، وهو يردُّ على العينيِّ وغيره حيث زعم أنَّ الرِّواية لم تجئ بالرَّفع بل بالنَّصب قطعًا، ووجَّهها عياضٌ _كما في الفرع_ بأن يكون مفعولًا لِما لم يُسمَّ فاعله لـ «تُجعَل» [5] أو «تُحقَل» بضمِّ الأوَّل مبنيًّا للمفعول، أو أنَّ [6] الكلام تمَّ بقوله: «في مزرعة»، ثمَّ استأنف لها، فيكون [7] «سلقٌ» مبتدأً، وخبره «لها» مُقدَّمٌ (فَكَانَتْ) أي: المرأة (إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةٍ تَنْزِعُ أُصُولَ السِّلْقِ، فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ، ثُمَّ تَجْعَلُ عَلَيْهِ قَبْضَةً مِنْ شَعِيرٍ) حال كونها (تَطْحَنُهَا) بفتح الحاء المُهمَلة من الطَّحن، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: ((تطبخها)) بالمُوحَّدة والخاء [8] المعجمة من الطَّبخ، والقبضة: بفتح القاف والضَّاد المعجمة بينهما مُوحَّدةٌ ساكنةٌ كما في الفرع، ويجوز الضَّمُّ أو هو الرَّاجح، قال الجوهريُّ: بالضَّمِّ؛ ما قبضت عليه من شيءٍ، يُقال: أعطاه قُبضةً من سَوِيقٍ أو تمرٍ، أو كفًّا منه، وربَّما جاء بالفتح (فَتَكُونُ أُصُولُ السِّلْقِ عَرْقَهُ) بفتح العين وسكون الرَّاء المهملتين، بعدها قافٌ، ثمَّ هاء ضميرٍ: اللَّحم الَّذي على العظم، أي: كانت أصول السِّلق عوض اللَّحم، وللكُشْمِيْهَنِيِّ _كما في «الفتح»_: ((غَرِقةً)) بفتح الغين المُعجَمة وكسر الرَّاء وبعد القاف هاء تأنيثٍ؛ يعني: أنَّ السِّلق يغرق في المرق [9] لشدَّة نضجه، ولأبي الوقت [10] والأَصيليِّ: ((غَرْفَهُ)) بالغين المُعجَمة المفتوحة والرَّاء السَّاكنة وبالفاء [11]، أي: مرقه الَّذي يُغرَف [12]، قال الزَّركشيُّ: وليس بشيءٍ.
(وَكُنَّا نَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَنُسَلِّمُ عَلَيْهَا، فَتُقَرِّبُ ذَلِكَ الطَّعَامَ إِلَيْنَا، فَنَلْعَقُهُ) بفتح العين المهملة (وَكُنَّا نَتَمَنَّى يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِطَعَامِهَا ذَلِكَ).
مطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّهم كانوا بعد انصرافهم من الجمعة يبتغون ما كانت تلك المرأة تهيِّئه من أصول السِّلق، وهو يدلُّ على قناعة الصَّحابة وعدم حرصهم على الدُّنيا رضي الله عنهم.
ورواة الحديث مدنيُّون ما عدا شيخ المؤلِّف فمصريٌّ [13]، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول.
939- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) بفتح الميمين، القعنبيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) هو عبد العزيز بن أبي حازم؛ بالحاء المُهمَلة والزَّاي المُعجَمة، سلمة بن دينارٍ المدنيُّ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ) هو ابن سعدٍ الأنصاريُّ (بِهَذَا) أي: بهذا الحديث السَّابق، فأبو غسَّانٍ وابن أبي حازمٍ عن أبي حازمٍ.
(وَقَالَ) عبد العزيز؛ زيادةً على رواية أبي غسَّان: (مَا كُنَّا نَقِيلُ) بفتح النُّون، أي: نستريح نصف النَّهار (وَلَا نَتَغَدَّى) بالغين المعجمة والدَّال المهملة، أي: نأكل أوَّل النَّهار (إِلَّا بَعْدَ) صلاة (الْجُمُعَةِ) وتمسَّك به الإمام أحمد لجواز صلاة
ج2ص194
الجمعة [14] قبل الزَّوال، وأُجيب بأنَّ المراد بأنَّ قائلتهم [15] وغداءهم عوضٌ عمَّا فاتهم، فالغداء عمَّا فات [16] من أوَّل النهار، والقيلولة عمَّا فات وقت المبادرة بالجمعة عقب الزَّوال، بل ادَّعى الزَّين بن المُنَيِّر: أنَّه يُؤخَذ منه أنَّ الجمعة تكون بعد الزَّوال، لأنَّ العادة في القائلة أن تكون قبل الزَّوال، فأخبر الصَّحابيُّ رضي الله عنه أنَّهم كانوا يشتغلون بالتَّهيُّؤ للجمعة عوض القائلة، ويؤخِّرون القائلة حتَّى تكون بعد صلاة الجمعة [17]. انتهى.
ج2ص195


[1] في غير (م): «محمَّد بن الحكم»، وفي (م): «محمَّد بن عبيد الحكم»، والمثبت موافقٌ لِما في كتب التَّراجم.
[2] في غير (ص) و(م): «البصريُّ»، وهو تحريفٌ.
[3] في غير (د): «مطر»، وليس بصحيحٍ.
[4] في (ص): «تثنيتها».
[5] في (د): «فتعجل»، وهو تحريفٌ.
[6] «أنَّ»: ليس في (د).
[7] في (د) و(م): «أو يكون».
[8] في (د): «وبالخاء».
[9] في (د) و(م): «المرقة».
[10] في (د): «ولأبي ذَرِّ»، وليس بصحيحٍ.
[11] في (د): «والقاف»، وهو تحريفٌ.
[12] في (د) و(ص): «يغرق»، وهو تحريفٌ.
[13] في غير (م): «فبصريٌّ»، وهو تحريفٌ.
[14] في (د): «بجواز الجمعة».
[15] في (ص): «بقائلتهم».
[16] في (ص): «فاتهم».
[17] في (د): «يكون بعد الجمعة».