إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: نهى النبي أن يقيم الرجل أخاه من مقعده ويجلس فيه

911- وبالسَّند إليه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) زاد أبو ذَرٍّ: ((هو ابن سلَّامٍ)) أي [1]: بتشديد اللَّام كما في الفرع، وضبطها العينيُّ بالتخفيف، وهو البيكنديُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ) بفتح الميم وسكون المُعجَمة، و«يزيد» من الزِّيادة (قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك (قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا) مولى ابن عمر، حال كونه (يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) بن الخطَّاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) حال كونه (يَقُولُ: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أَخَاهُ) أي: نهى عن إقامة الرَّجل أخاه، فـ «أنْ» مصدريَّةٌ، ولأبوي ذَرٍّ والوقت في نسخةٍ، والأَصيليِّ وابن عساكر: ((أن يقيم الرَّجلُ الرَّجلَ)) (مِنْ مَقْعَدِهِ) بفتح الميم، موضع قعوده (وَيَجْلِسَ فِيهِ) بالنَّصب عطفًا على «أن يقيمَ» أي: وأن يجلس، والمعنى: أنَّ كلَّ واحدٍ منهيٌّ عنه، وظاهر النَّهيِ التَّحريمُ، فلا يُصرَف عنه إلَّا بدليلٍ، فلا يجوز أن يقيم أحدًا من مكانه ويجلس فيه لأنَّ من سبق إلى مُباحٍ فهو أحقُّ به، ولأحمد حديث: «إنَّ الَّذي يتخطَّى رقاب النَّاس، أو يفرِّق بين اثنين بعد خروج الإمام كالجارِّ قُصْبَه في النَّار» وهو بضمِّ القاف، أي: أمعاءه، والتَّفرقة صادقةٌ بأن يزحزح رجلين عن مكانهما ويجلس بينهما، نعم لو قام الجالس باختياره وأجلس غيره فلا كراهة في جلوس غيره، ولو بعث من يقعد له في مكانٍ ليقوم عنه إذا جاء هو جاز أيضًا من غير كراهةٍ، ولو فُرِشَ له نحو سجَّادةٍ فلغيره تنحيتها والصَّلاة مكانها؛ لأنَّ السَّبق بالأجسام [2] لا بما يُفرَش، ولا يجوز له الجلوس عليها بغير رضاه، نعم لا يرفعها بيده أو غيرها لئلَّا تدخل في ضمانه، واستُنبِط من قوله في حديث مسلمٍ السَّابق: «ولكن يقول: تفسَّحوا» أنَّ الَّذي يتخطَّى بعد الاستئذان [3] لا كراهة في حقِّه.
قال ابن جريجٍ: (قُلْتُ لِنَافِعٍ: الْجُمُعَةَ؟ قَالَ: الْجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا) بالنَّصب في الثَّلاثة على نزع الخافض، أي: في الجمعة وغيرها، ولأبي ذَرٍّ: ((الجمعةُ؟ قال: الجمعةُ وغيرُها)) بالرَّفع في الثَّلاثة على الابتداء، و«غيرُها» عُطِف عليه، والخبرُ محذوفٌ، أي: الجمعةُ وغيرُها متساويان في النَّهي عن التَّخطِّي في مواضع الصَّلوات.
ورواة الحديث ما بين بخاريٍّ وحرَّانيٍّ [4] ومكِّيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والسَّماع والقول، وشيخ المؤلِّف رحمه الله من أفراده، وأخرجه مسلمٌ في «الاستئذان».
ج2ص177


[1] «أي»: ليس في (ص) و(م).
[2] في (ص): «بالأجساد».
[3] زيد في (م): «أن».
[4] في (د): «خراسانيٍّ»، وهو تحريفٌ.