إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لا تمنعوا إماء الله مساجد الله

900- وبه قال: (حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى) بن راشد بن بلالٍ القطَّان الكوفيُّ، المُتوفَّى ببغداد سنة اثنتين وخمسين ومئتين، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة اللَّيثيُّ قال: (حَدَّثَنَا) ولابن عساكر: ((أخبرنا)) (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بتصغير العبد، ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطَّاب المدنيُّ (عَنْ نَافِعٍ) ولابن عساكر: ((أخبرنا نافعٌ)) (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب (قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ) هي عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نُفَيْلٍ، أخت سعيد [1]، أحد العشرة المُبشَّرة بالجنَّة، وكانت تخرج إلى المسجد، فلمَّا خطبها عمر شرطت عليه ألَّا يمنعها من [2] المسجد، فأجابها على كرهٍ منه، فكانت (تَشْهَدُ) أي: تحضر (صَلَاةَ الصُّبْحِ وَ) صلاة (الْعِشَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهَا) أي: لامرأة عمر: (لِمَ تَخْرُجِينَ وَ) الحال أن (قَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكِ) الخروج، وكاف «ذلك» مكسورةٌ [3] لأنَّ الخطاب لمُونَّثةٍ (وَيَغَارُ؟) كـ «يخاف» من الغيرة، والقائل لها ذلك كلَّه عمرُ نفسُه كما عند عبد الرَّزَّاق وأحمد، ولا مانع أن يعبِّر عن نفسه بقوله: «إنَّ عمر....» إلى آخره، فهو من باب التَّجريد [4]، وحينئذٍ فيكون الحديث من مُسنَد عمر، وذكره المُزِّيُّ في «الأطراف» في «مُسند [5] ابن عمر».
(قَالَتْ: وَمَا) بالواو، وللأربعة: ((فما)) ((بالفاء)) (يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِي؟) «أنْ»: مصدريَّةٌ في محلِّ رفعٍ على الفاعليَّة، والتَّقدير: فما يمنعه بأن ينهاني؟ أي: بنهيه إيَّاي (قَالَ: يَمْنَعُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ) أي: باللَّيل، حملًا لهذا المُطلَق على المُقيد السَّابق به [خ¦899] والجمعة تخرج عنه لأنَّها نهاريَّةٌ، فحينئذٍ لا يشهدنها، ومن لم يشهدها لا غسلَ عليه، وقرَّره البرماويُّ _كالكرمانيِّ_ بأنَّ قوله: «لا تمنعوا» يشمل اللَّيل والنَّهار، فما سبق في الحديث من ذكر اللَّيل من ذكر فردٍ من العامِّ، فلا يُخصَّص على الأصحِّ في الأصول كحديث: «دباغُها طهورُها» في شاة ميمونة، مع حديث: «أيُّما إهابٍ دُبِغَ فقد طَهُر».
قال: وأمَّا مطابقة الحديث للتَّرجمة فلِمَا فيها [6] من أنَّ النِّساء لهنَّ شهود الجمعة، قال: وأيضًا قد تقرَّر أنَّ شاهد الجمعة يغتسل، فيشملها [7] طلب غسل الجمعة، فدخلت في التَّرجمة.
انتهى.
ج2ص170
ورواة هذا الحديث ما بين كوفيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول، وشيخ المؤلِّف من أفراده.
ج2ص171


[1] في (ب) و(س): «سعد»، وهو تحريفٌ.
[2] «من»: ليس في (ص) و(م).
[3] في هامش (ص): (قوله: «وكاف «ذلك» مكسورةُ» أي: وكذا اللَّام، قال في «الأوضح» وشرحه: إذا كان المشار إليه بعيدًا لَحِقَه؛ أي: اسم الإشارة كافٌ حرفيَّة تتصرَّف تصرُّف الكاف الاسميَّة غالبًا، ولك مع إلحاق الكاف الاسميَّة أن تزيد قبلها لامًا، مُبالَغةً في البعد، وهذه اللَّام أصلها السُّكون كما في «تلك»، وكُسِرت في «ذلك» لالتقاء السَّاكنين، أو فرقًا بينهما وبين لام الجرِّ). انتهى مُلخَّصًا شرح «الأوضح».
[4] في هامش (ص): (قوله: «فهو من باب التَّجريد أو الالتفات» كما في «الفتح»، والالتفات كما في «الإتقان»: نقل الكلام من أسلوبٍ إلى آخر؛ أعني: من التَّكلم أو الخطاب أو الغيبة إلى آخرَ منها بعد التَّعبير بالأوَّل، هذا هو المشهور، قال السَّكَّاكيُّ: أو التَّعبير بأحدها فيما حقَّه التَّعبير بغيره). انتهى عجمي.
[5] «مُسنَد» ليس في (ب).
[6] في (ب) و(س): «فيه».
[7] في (ب) و(س): «فشملها».