إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: نحن الآخرون السابقون يوم القيامة

876- وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) بكسر الزَّاي، عبد الله بن ذكوان (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ، مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يَقُولُ: نَحْنُ الآخِرُونَ) زمانًا في الدُّنيا (السَّابِقُونَ) أهل الكتاب وغيرهم منزلةً وكرامةً (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) في الحشر والحساب والقضاء لهم قبل الخلائق، وفي دخول الجنَّة، ورواه مسلمٌ بلفظ: «نحن الآخرون من أهل الدُّنيا، والسَّابقون يوم القيامة، المقضيُّ لهم قبل الخلائق [1]».
(بَيْدَ أَنَّهُمْ) بفتح الباء [2] المُوحَّدة وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الدَّال المُهمَلة؛ بمعنى «غير» الاستثنائيَّة، أي: نحن السَّابقون للفضل، غير أنَّ اليهود والنَّصارى (أُوتُوا الْكِتَابَ) التَّوراة والإنجيل (مِنْ قَبْلِنَا) زاد في رواية أبي زرعة الدَّمشقيِّ عن أبي اليمان شيخ المؤلِّف، فيما رواه الطَّبرانيُّ في «مُسنَد الشَّاميِّين» عنه: «وأوتيناه، أي: القرآن من بعدهم» وذكره المؤلِّف من وجهٍ آخر عن أبي هريرة تامًّا بعد أبوابٍ [خ¦896]. (ثُمَّ هَذَا) أي: يوم الجمعة (يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ) وعلينا تعظيمه بعينه، أو الاجتماع فيه، وروى ابن أبي حاتمٍ عن السُّدِّيِّ: أنَّ الله فرض على اليهود الجمعة، فقالوا: يا موسى [3]، إنَّ الله لم يخلق يوم السَّبت شيئًا [4]، فاجعله لنا فجُعِل [5] عليهم. وفي بعض الآثار ممَّا [6] نقله أبو عبد الله الأُبِّيُّ: أنَّ موسى عليه الصلاة والسلام عيَّن لهم يوم الجمعة، وأخبرهم بفضيلته، فناظروه بأنَّ السَّبت أفضل، فأوحى الله تعالى إليه: دعهم وما اختاروا، والظَّاهر: أنَّه عيَّنه لهم؛ لأنَّ السِّياق دلَّ على ذمِّهم في العدول عنه، فيجب أن يكون قد عيَّنه لهم لأنَّه لو لم يعيِّنه لهم ووكِّل التَّعيين إلى اجتهادهم لكان الواجب عليهم تعظيم يومٍ لا بعينه، فإذا أدَّى الاجتهاد إلى أنَّه السَّبت أو الأحد لزم المجتهد ما أدَّى الاجتهاد إليه، ولا يأثم، ويشهد له قوله: «هذا يومهم الَّذي فُرِض عليهم، فاختلفوا فيه» فإنَّه ظاهرٌ أو نصٌّ في التَّعيين، وليس ذلك [7] بعجيبٍ من مخالفتهم، وكيف لا وهم القائلون: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} [البقرة: 93]؟! ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر عن الحَمُّويي: ((هذا يومهم الَّذي فَرَضَ الله [8] عليهم)) (فَاخْتَلَفُوا فِيهِ) هل يلزم بعينه أو يسوغ لهم إبداله بغيره من الأيَّام؟ فاجتهدوا في ذلك فأخطؤوا (فَهَدَانَا اللهُ له) بأن نصَّ لنا عليه ولم يَكِلْنا إلى اجتهادنا؛ لاحتمال أن يكون صلى الله عليه وسلم علمه بالوحي وهو بمكَّة، فلم يتمكَّن من إقامتها بها.
وفيه حديثٌ عن ابن عبَّاسٍ عند الدَّارقُطنيّ:
ج2ص155
«ولذلك جَمَّع بهم أوَّل ما قدم المدينة» كما ذكره ابن إسحاق وغيره، أو هدانا الله له بالاجتهاد، وكما يدلُّ عليه مُرسَل ابن سيرين عند عبد الرَّزَّاق بإسنادٍ صحيحٍ، ولفظه: «جمَّع أهلُ المدينة قبل أن يقدمها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وقبل أن تنزل الجمعة، قالت الأنصار: إنَّ لليهود يومًا يجتمعون فيه كلَّ سبعة أيَّام، وللنَّصارى مثلُ ذلك، فَهَلُمَّ فلنجعلْ لنا [9] يومًا نجتمع [10] فيه، فنذكر [11] الله تعالى ونصلِّي ونشكرُه، فجعلوه [12] يوم العروبة، واجتمعوا فيه [13] إلى أسعدَ بنِ زُرارةَ، فصلَّى بهم...» الحديثَ، وله شاهدٌ بإسنادٍ حسنٍ عند أبي داود، وصحَّحه ابن خزيمة، وغيره من حديث كعب بن مالكٍ، قال: «كان أوَّلَ مَنْ صلَّى بنا الجمعة قبل مَقْدَم [14] رسول الله [15] صلى الله عليه وسلم المدينة أسعدُ بن زُرارة».
(فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ) ولأبي ذَرٍّ: ((فالنَّاس لنا تَبَعٌ)) (الْيَهُودُ) أي: تعييد اليهود (غَدًا) يوم [16] السَّبت (وَ) تعييد (النَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ) يوم الأحد، كذا قدَّره ابن مالكٍ ليسلم من الإخبار بظرف الزَّمان عن الجثَّة، ووجه اختيار اليهود يومَ السَّبت لزعمهم أنَّه يومٌ فرغ الله فيه [17] من خلق الخلق، قالوا: فنحن نستريح فيه عن العمل، ونشتغل بالعبادة والشُّكر، والنَّصارى: الأحدَ لأنَّه أوَّل يومٍ بدأ الله فيه بخلق الخلق، فاستحقَّ التَّعظيم، وقد هدانا الله تعالى للجمعة لأنَّه خلق فيه آدم عليه الصلاة والسلام، والإنسان إنَّما خُلِق للعبادة، وهو اليوم الَّذي فرضه الله تعالى عليهم [18]، فلم يهدِهم له، وادَّخره لنا، واستدلَّ به النَّوويُّ رحمه الله تعالى على فرضيَّة الجمعة لقوله: «فُرِض عليهم، فهدانا الله له» فإنَّ التَّقدير: فُرِض عليهم وعلينا، فضلُّوا وهُدِينا، ويؤيِّده رواية مسلمٍ عن سفيان عن أبي الزِّناد: كتب علينا.
ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والسَّماع والقول، وأخرجه مسلمٌ والنَّسائيُّ.
ج2ص156


[1] في هامش (ص): (قوله: «المقضيُّ لهم قبل الخلائق» الظَّاهر: أنَّ «المَقْضِيَّ» بفتح الميم وكسر الضَّاد وتشديد الياء، وأصله «المقْضُوي» قُلِبت الواو ياءً لسبقها وسكونها، وأُدغِمت في الياء، وقُلِبت ضمَّة الضَّاد كسرةً لمناسبة الياء، قال القرطبيُّ في «المفهم»: «ال» في «الآخِرون» موصولةٌ، و«من أهل الدُّنيا» حالٌ من الضَّمير والصِّلة، وقوله: «المقضيُّ لهم» صفةُ «الآخِرون» لأنَّ المعنى: الَّذي يُقضَى لهم قبل النَّاس). انتهى عجمي.
[2] «الباء»: مثبتٌ من (م).
[3] في (د): «فقالوا لموسى».
[4] «شيئًا»: ليس في (م).
[5] في (م): «فجعله».
[6] في (م): «فيما».
[7] في (د): «هذا».
[8] اسم الجلالة: ليس في (د).
[9] «لنا»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[10] في (م): «نجمع»، والمثبت موافقٌ لما في «مصنَّف عبد الرَّزَّاق الصَّنعاني».
[11] في (د) و(م): «نذكر».
[12] في (د): «ونصلِّي فيه فجعلوه».
[13] «فيه»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[14] في (د): «قدوم».
[15] في (د): «النَّبيِّ».
[16] في (د): «في».
[17] في (د): «منه».
[18] «عليهم»: مثبت من (ص) و(م).