متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

242- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ؛ بكسر الدَّال (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ، وللأَصيليِّ [1] : ((عن الزُّهريِّ))، (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ) كثيره (فَهُوَ حَرَامٌ) قليله وكثيره، وحُدَّ شاربه المُكلَّف قليلًا كان أو كثيرًا، من عنبٍ أو تمرٍ أو حنطةٍ أو لبنٍ أو غيرها نيِّئًا كان أو مطبوخًا، وقال أبو حنيفة: نقيع التَّمر والزَّبيب إذا اشتدَّ كان حرامًا قليله وكثيره، ويُسمَّى: نقيعًا لا خمرًا، فإن أسكر؛ ففي شربه الحدُّ وهو نجسٌ، فإن طُبِخا أدنى طبخٍ؛ حلَّ منهما ما غلب على ظنِّ الشَّارب منه أنَّه لا يسكر من غير لهوٍ ولا طربٍ، فإن اشتدَّ؛ حَرُم الشُّرب منهما، ولم يُعتَبر في طبخهما أن يذهب ثلثاهما، وأمَّا نبيذ الحنطة والذُّرة والشَّعير والأرزِّ والعسل، فإنَّه حلالٌ عنده نقيعًا أو مطبوخًا، وإنَّما يحرم المسكر ويُحَدُّ فيه، واستدلَّ له بحديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا وموقوفًا [2] : «وإنَّما [3] حرِّمت الخمر لعينها، والمسكر من كلِّ شرابٍ»، فهذا يدلُّ على أنَّ الخمر _قليلها وكثيرها، أسكرت أم لا_ حرامٌ، وعلى أنَّ غيرها من الأشربة إنَّما يحرم عند الإسكار، ويأتي _إن شاء الله تعالى_ مزيدًا لهذا في بابه بحول الله وقوَّته. فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الحديث في هذا الباب؟ أُجيب: بأنَّ المسكر حرامٌ شربه، وما لا يحلُّ شربه؛ لا يجوز [4] التَّوضُّؤ به اتِّفاقًا، وبأنَّ النَّبيذ خرج عن اسم الماء لغةً وشرعًا، وحينئذٍ فلا يتوضَّأ به.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مدنيٍّ ومدينيٍّ وكوفيٍّ، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأشربة» [خ¦5585] ، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. [/ج1ص309/]

[1] في (م): «لابن عساكر»، وكذا في «اليونينيَّة»، والمثبت موافقٌ لـ: «الفتح» (1/422).
[2] «وقوفاً»: سقط من (م).
[3] في (د): «إنَّما».
[4] في غير (م): «يحلُّ».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

242-. حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ، قالَ: حدَّثنا الزُّهْرِيُّ [1] ، عن أَبِي سَلَمَةَ:

عن عائِشَةَ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ: «كُلُّ شَرابٍ أَسْكَرَ فَهوَ حَرامٌ».

[1] في رواية ابن عساكر: «سفيان عن الزهري»، قارن بما في الإرشاد.





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

242- قوله: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ): هذا هو ابن عيينة، كما صرَّح به مُسْلِم في «صحيحه».

قوله: (حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ): تقدَّم مرارًا أنَّه محمَّد بن مُسْلِم بن عبيد الله بن عَبْد الله بن شهاب العالم المشهور.

قوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ): تقدَّم مرارًا أنَّه أحد الفقهاء السَّبعة على قول الأكثر، وأنَّ اسمه عَبْد الله، وقيل: إِسْمَاعِيل، وتقدَّم بعض ترجمته.


لا تتوفر معاينة

242- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ) المدينيُّ؛ بكسر الدَّال (قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عُيَيْنَةَ (قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلمٍ، وللأَصيليِّ [1] : ((عن الزُّهريِّ))، (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ) كثيره (فَهُوَ حَرَامٌ) قليله وكثيره، وحُدَّ شاربه المُكلَّف قليلًا كان أو كثيرًا، من عنبٍ أو تمرٍ أو حنطةٍ أو لبنٍ أو غيرها نيِّئًا كان أو مطبوخًا، وقال أبو حنيفة: نقيع التَّمر والزَّبيب إذا اشتدَّ كان حرامًا قليله وكثيره، ويُسمَّى: نقيعًا لا خمرًا، فإن أسكر؛ ففي شربه الحدُّ وهو نجسٌ، فإن طُبِخا أدنى طبخٍ؛ حلَّ منهما ما غلب على ظنِّ الشَّارب منه أنَّه لا يسكر من غير لهوٍ ولا طربٍ، فإن اشتدَّ؛ حَرُم الشُّرب منهما، ولم يُعتَبر في طبخهما أن يذهب ثلثاهما، وأمَّا نبيذ الحنطة والذُّرة والشَّعير والأرزِّ والعسل، فإنَّه حلالٌ عنده نقيعًا أو مطبوخًا، وإنَّما يحرم المسكر ويُحَدُّ فيه، واستدلَّ له بحديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا وموقوفًا [2] : «وإنَّما [3] حرِّمت الخمر لعينها، والمسكر من كلِّ شرابٍ»، فهذا يدلُّ على أنَّ الخمر _قليلها وكثيرها، أسكرت أم لا_ حرامٌ، وعلى أنَّ غيرها من الأشربة إنَّما يحرم عند الإسكار، ويأتي _إن شاء الله تعالى_ مزيدًا لهذا في بابه بحول الله وقوَّته. فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الحديث في هذا الباب؟ أُجيب: بأنَّ المسكر حرامٌ شربه، وما لا يحلُّ شربه؛ لا يجوز [4] التَّوضُّؤ به اتِّفاقًا، وبأنَّ النَّبيذ خرج عن اسم الماء لغةً وشرعًا، وحينئذٍ فلا يتوضَّأ به.

ورواة هذا الحديث الخمسة ما بين مدنيٍّ ومدينيٍّ وكوفيٍّ، وفيه رواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، والتَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأشربة» [خ¦5585] ، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه. [/ج1ص309/]

[1] في (م): «لابن عساكر»، وكذا في «اليونينيَّة»، والمثبت موافقٌ لـ: «الفتح» (1/422).
[2] «وقوفاً»: سقط من (م).
[3] في (د): «إنَّما».
[4] في غير (م): «يحلُّ».





لا تتوفر معاينة

66/242# قال أبو عبد الله: حدَّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ، حدَّثنا سُفْيانُ، قالَ: حدَّثنا الزُّهْرِيُّ، عن أَبِي سَلَمَةَ:

عن عائشة، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، قالَ: «كُلُّ شَرابٍ أَسْكَرَ فهو حَرامٌ».

قلت: فيه أبينُ الدليل أنَّ قليلَ المُسكر وكثيره حرامٌ، من أي نَوعٍ كان، وبأيَّة [1] صنعةٍ صُنعَ؛ لأنَّه أشار إلى جنس [2] الشَّراب الذي يكون منه السُّكر، كما لو قال: كُلُّ طعامٍ أشبع، أو كُلُّ شراب أروَى. كان [3] ذلك على استغراق الجنس فيهما [4] دون الجزء المتحدِّد [5] بكُمِّيةٍ منهما [6] ، والله أعلم. [7]

واستدلَّ به [8] أبو عبد الله في مَنع جواز النَّبيذ في الوُضوء.

[1] في النسخ الفروع: (وبأي).
[2] في النسخ الفروع: (لأنه ذكر الجنس).
[3] في (ف): (كل).
[4] في (ط): (منهما) وبعده كلمة غير مقروءة وليست في الأصل.
[5] في النسخ الفروع: (الذي يتحدد).
[6] في الأصل و (ف): (منها) والمثبت من (ط)
[7] قوله: (والله أعلم) زيادة من (ر) و (ف).
[8] (به) سقط من (ط)





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

242- وبه قال: ((حدثنا علي بن عبد الله)) هو المديني ((قال: حدثنا سفيان)) هو ابن عُيينة؛ بضمِّ العين المهملة ((قال: حدثنا الزُّهري)) ؛ هو محمَّد بن مسلم ابن شهاب، وفي رواية: (عن الزُّهري) ، ((عن أبي سَلَمَة)) ؛ بفتحات، عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، ((عن عائشة)) الصديقة رضي الله عنها، ((عن النبيِّ)) الأعظم ((صلَّى الله عليه وسلَّم)) أنه ((قال: كل شراب أسكر؛ فهو حرام)) ؛ أي: كل واحد من أفراد الشراب المسكر حرام، وذلك لأنَّ كلمة (كل) إذا أضيفت إلى النكرة؛ تقتضي عموم الإفراد، وإذا أضيفت إلى المعرفة؛ تقتضي عموم الأجزاء، وزعم ابن حجر: أن «كل شراب أسكر»؛ أي: كل ما من شأنه الإسكار سواء حصل بشربه الإسكار أم لا، ورده في «عمدة القاري»: (بأنه ليس معناه كذا؛ لأنَّ الشارع أخبر بحرمة الشراب عند اتصافه بالإسكار، ولا يدل ذلك على أنه يحرم إذا كان يسكر في المستقبل) انتهى.

قلت: أي: فإن المراد بحرمة الشراب ما أسكر في الحال، وكونه يُسْكِرُ في المستقبل شيء عارض له، فإنه بسبب طول المدة يعرض له الإسكار، فإذا حصل فيه الإسكار؛ فهو نجس حرام إجماعًا، فالمراد بالشراب الحرام: هو ما أسكر بالفعل في الحال؛ فافهم.

وزعم الخطابي: أنه يدل على أن قليل السكر وكثيره حرام؛ أي: من أي نوع كان؛ لأنَّه صيغة عموم أشير بها إلى جنس الشراب الذي يكون منه السكر، فهو كما قال: كل طعام أشبع؛ فهو حلال، فإنه يكون دالًّا على كل طعام من شأنه الإشباع وإن لم يحصل الشبع به لبعض.

ورده في «عمدة القاري»: بأن قوله: (قليل السكر وكثيره حرام) من أي نوع كان لا يتمشى في كل شراب، وإنما ذلك في الخمر لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفًا ومرفوعًا: «إنما حرمت الخمر؛ لعينها، والمسكر من كل شراب»، فهذا يدلُّ على أن الخمر حرام قليلها وكثيرها، أسكرت أم لا، وعلى أن غيرها من الأشربة إنَّما يحرم عند الإسكار، وهذا ظاهر.

فإن قلت: ورد عنه عليه السلام: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام».

قلت: طعن فيه يحيى بن معين وغيره من الحفاظ، ولئن سلم؛ فالأصح أنه موقوف على ابن عمر، ولهذا رواه مسلم بالظن، فقال: لا أعلمه إلا مرفوعًا، ولئن سلم؛ فمعناه: كل ما أسكر؛ فحكمه حكم الخمر، انتهى.

وأما النبيذ؛ فلا يحرم شربه، ويجوز التوضُّؤ به، وهو قول عليٍّ، وابن عباس، والحسن، والأوزاعي، وعكرمة، وإسحاق، وهو قول الإمام الأعظم، والإمام زفر، واستدلوا بحديث ابن مسعود حيث قال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ليلة الجن: «أمعك ماء؟»، وفي رواية: «ما في إداوتك؟» فقال: معي نبيذ، فقال: «نبيذ»، وفي رواية: (فقال له عليه السلام: «اصبب عليَّ؛ إنه شراب وطهور»، وفي رواية: «تمرة طيبة، وماء طهور»، رواه أبو داود والترمذي، وزاد: (فتوضَّأ وصلى الفجر) .

قلت: فهذا يدل ظاهرًا على ما قالوه، [/ص242/] وعلى هذا؛ فهذا الحديث لا يطابق الترجمة، وكان ينبغي أن يذكره في كتاب (الأشربة) ؛ لأنَّ الشراب إذا كان مسكرًا يكون شربه حرامًا، فكذلك التوضُّؤ به، وأما النبيذ؛ فليس كذلك، فلا يساعد الترجمة، كما نبه عليه إمام الشارحين.

وزعم ابن حجر أن حديث ابن مسعود أطبق علماء السلف على تضعيفه، ورده صاحب «عمدة القاري»، فقال: إنَّما ضعفوه؛ لأنَّ في رواته أبا زيد، وهو رجل مجهول لا يعرف له رواية غير هذا الحديث، قاله الترمذي، وقال ابن العربي في «شرح الترمذي»: (أبو زيد مولى عمرو بن حريث، روى عنه راشد بن كيسان وأبو روق، وهذا يخرجه عن حد الجهالة، وأما اسمه؛ فلم يُعْرَف، فيجوز أن يكون الترمذي أراد به مجهول الاسم.

على أنه روى هذا الحديث أربعة [عشر] رجلًا عن ابن مسعود، كما رواه أبو زيد:

الأول: أبو رافع عند الحافظ الطحاوي والحاكم.

الثاني: رباح أبو علي عند الطبراني في «الأوسط».

الثالث: عبد الله بن عمر عند أبي موسى الأصبهاني في كتاب «الصحابة».

الرابع: عمرو البكالي عند أبي أحمد في «الكنى» بإسناد صحيح.

الخامس: أبو عبيدة بن عبد الله.

السادس: أبو الأحوص، وحديثهما عند محمَّد بن عيسى المدائني، وقول البيهقي: (إن محمَّد بن عيسى المدائني واهي الحديث) مردود؛ لأنَّ البرقاني قال فيه: إنه ثقة لا بأس به، وأن اللالكائي [1] صالح، قال: ليس يدفع عن السماع.

السابع: عبد الله بن مسَلَمَة عند الحافظ أبي الحسن بن المظفر في كتاب «غرائب شعبة».

الثامن: قابوس أبو ظبيان [2] عن أبيه عند ابن المظفر أيضًا بسند لا بأس به.

التاسع: عبد الله بن عمر بن غيلان الثقفي عند الإسماعيلي في جمعه حديث يحيى بن أبي كثير عن يحيى عنه.

العاشر: عبد الله بن عباس عند الحافظ الطحاوي وابن ماجه.

الحادي عشر: أبو وائل شقيق بن سَلَمَة عند الدارقطني.

الثاني عشر: ابن لعبد الله رواه أبو عبيدة بن عبد الله، عن طلحة بن عبد الله، عن أبيه: أن أباه حدثه.

الثالث عشر: أبو عثمان بن سنة عند أبي حفص بن شاهين في كتاب «الناسخ والمنسوخ» من طريق جيد، وخرجها الحاكم في «مستدركه».

الرابع عشر: أبو عثمان النهدي عند الدورقي في «مسنده» بطريق لا بأس به، انتهى؛ فافهم.

وزعم العجلوني (أنه يمكن أن يجاب بأن إطباقهم على تضعيف الحديث لأمر آخر غير الجهالة في راويه) انتهى.

قلت: وهذا فاسد، فما الأمر الآخر غير الجهالة، وما هو إلا محض تعصب وتعنت، وكأنه لم يعلم بيان طرق الحديث التي [3] قدمناها، والحديث على فرض ضعفه؛ فقد تقوَّى بهذه الطرق العديدة، وبها يرتقي إلى درجة الصحيح؛ فليحفظ.

وزعم ابن حجر تبعًا لابن بطال بأنه قد روي عن ابن مسعود من طرق ثابتة أنه لم يشهد ليلة الجن مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.

ورده صاحب «عمدة القاري»: بأنه يجوز أن يكون صحبه في بعض الليل واستوقفه في الباقي، ثم عاد إليه، فصحَّ أنه لم يكن معه عند الجن لا نفس الخروج؛ أي: لا يصح أن يكون قد خرج عنه، وقد قيل: إن ليلة الجن كانت مرتين، ففي أول مرة خرج إليهم لم يكن مع النبيِّ عليه السلام ابن مسعود ولا غيره، كما هو ظاهر حديث مسلم، ثم بعد ذلك خرج إليهم وابن مسعود معه ليلة أخرى، كما رواه أبو حاتم في «تفسيره» في أول سورة الجن من حديث ابن جريج قال: وقال ابن عبد العزيز بن عمر: أما الجن الذين لقوه بنخلة؛ فجن نينوى، وأما الجن الذين لقوه بمكة؛ فجن نصيبين، انتهى، فليحفظ.

وزعم ابن حجر: وقيل: على تقدير صحة حديث ابن مسعود، فإنه منسوخ؛ لأنَّ ليلة الجن كانت بمكة، ونزول قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] إنَّما كان بالمدينة بلا خلاف، فإنها نزلت في غزوة بني المصطلق بالمدينة حيث فقدت عائشة رضي الله عنها عقدها.

ورده صاحب «عمدة القاري» فقال: (قلت: هذا القائل نقل هذا عن ابن القصار من المالكية، وابن حزم من الظاهرية، والعجب منه أنه مع علمه أن هذا مردود نقل هذا، وسكت عليه! ووجه الرد ما ذكره الطبراني في «الكبير»، والدارقطني: (أن جبريل عليه السلام نزل على رسول الله عليه السلام بأعلى مكة فهمز له بعقبه، فأنبع الماء، وعلمه الوضوء) ، وقال السهيلي: (الوضوء مكي، ولكنه مدني التلاوة، وإنما قالت عائشة رضي الله عنها: آية التيمم: ولم تقل: آية الوضوء؛ لأنَّ الوضوء كان مفروضًا قبلُ، غير أنه لم يكن قرآنًا يتلى حتى نزلت آية التيمم) ، وحكى القاضي عياض عن ابن الجهم (أن الوضوء كان سنة حتى نزل فيه القرآن بالمدينة) انتهى.

قلت: ولا عجب منه؛ لأنَّه من الأخصام أهل التعصب على الأئمَّة الحنفية، ومنهم العجلوني حيث قال بعد هذا: (ولعله لا يسلم رده) .

قلت: بل قد سلم رده؛ حيث إنه قد اطَّلع [4] على هذا الرد في «الانتقاض»، ودرج عليه ولم يقل شيئًا، فهو دليل على تسليمه، وعلى فرض عدم تسليمه فما جوابه مع [ما] لم يجب عنه في «الانتقاض»، وما جوابه إلا جواب المتعصبين؛ فافهم.

ثم زعم ابن حجر أن الحديث ـ أي: حديث ابن مسعود ـ محمول على ما ألقيت فيه تمرات يابسة لم تغير له وصفًا، وإنما كانوا يضعون ذلك؛ لأنَّ غالب مياههم لم تكن حلوة) انتهى.

قلت: هذا الجواب أخذه هذا القائل من كلام البغوي، وهو فاسد؛ لأنَّ هذا الحمل غير صحيح؛ لأنَّ إلقاء التمر يابسًا مع عدم تغيُّر وصفه لا يُسمَّى نبيذًا، وقد سماه النبيُّ الأعظم عليه السلام نبيذًا، كما سبق في الروايات، على أن التقييد باليابس يحتاج إلى دليل صحيح، ولم يوجد؛ فهو تقييد من عنده على أن كون مياههم لم تكن حلوة؛ أي: فإنها كانت مالحة كما صرح به البغوي يلزم أن يُطرَح في الماء تمر غير يابس حتى يحلو الماء، ويحصل المقصود من طرحها، أما إذا كانت يابسة؛ فلا تحل شيئًا، فوجودها كالعدم، وهو مصادمة الحديث، وفساده ظاهر، كما لا يخفى؛ فليحفظ.

وزعم الكرماني أن القياس حجة على أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه؛ إذ رأينا الأصل المتفق عليه أنه لا يتوضأ بنبيذ الزبيب، فقلنا: يجب أن يكون نبيذ التمر كذلك، وأيضًا لما كان خارجًا عن حكم المياه في حال وجود الماء؛ كان خارجًا من حكم المياه في عدم الماء.

قلت: وهذا الزعم فاسد؛ لأنَّ قوله: (إن القياس حجة...) إلخ مردود؛ لأنَّه إنَّما يصار إلى القياس إذا لم يوجد النص، وهنا قد وجد النص في التوضؤ بالنبيذ، فكيف يقال بالمنع بالوضوء به قياسًا على نبيذ الزبيب؟ وما هو إلا قياس مع الفارق مع مخالفته لنص الحديث، فمع وجود النص يترك القياس؛ لأنَّه لا مجال له.

وقوله: (وأيضًا لما كان...) إلخ مردود أيضًا؛ لأنَّه لا يلزم من عدم جواز الوضوء بالنبيذ مع وجود الماء أنه لا يجوز الوضوء به مع عدم الماء الذي هو من شروطه عند الإمام الأعظم القائل بجواز الوضوء بالنبيذ مع عدم الماء، ألا ترى أن التيمم لا يصح مع وجود الماء، ويصح مع عدم الماء؛ فافهم، وقد ظهر أن كلام الكرماني فاسد؛ فليحفظ.

وتعجب العجلوني من صاحب «عمدة القاري» حيث لم يعترض على الكرماني في هذا الكلام.

قلت: لا عجب، فإن جواب كلامه يعلمه كل من له أدنى ذوق في العلم على أنه قد تعرض له ضمنًا لا صريحًا في أثناء كلامه، ولقد أنصف العجلوني هنا حيث رد كلام الكرماني بنحو ما علمت، والله أعلم.

وزعم الكرماني أن وجه احتجاج المؤلف بهذا الحديث في أن المسكر لا يجوز شربه، وما لا يجوز شربه؛ لا يجوز الوضوء به اتِّفاقًا؛ لخروجه عن اسم الماء لغة وشرعًا، والنبيذ غير المسكر أيضًا في معنى المسكر؛ لأنَّه لا يقع عليه اسم الماء، ولو جاز أن يسمى النبيذ ماء لأنَّ فيه ماء؛ جاز أن يسمَّى الخل ماء؛ لأنَّ فيه ماء، وقال أبو عبيدة إمام اللغة: (النبيذ لا طهورًا أبدًا؛ لأنَّ الله تعالى شرط الطهور بالماء والصعيد، ولم يجعل لهما ثالثًا) انتهى.

قلت: وقد رد هذا صاحب «عمدة القاري»، فقال في رد الأول: [/ص243/]

(قلت: كون النبيذ الغير المسكر في معنى المسكر غير صحيح؛ لأنَّ النبيذ الذي لا يسكر إذا كان رقيقًا وقد ألقيت فيه تميرات؛ لتخرج حلاوتها إلى الماء ليس في معنى المسكر، ولم يقل به أحد، ولا يلزم من عدم جواز تسمية الخل ماء عدم جواز تسمية الذي ذكره ابن مسعود ماء، ألا ترى أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كيف قال: «ثمرة طيبة، وماء طهور» حين سأل ابن مسعود: «ما في إداوتك؟»، قال: نبيذ، وقد أطلق عليه الماء، ووصفه بالطهورية، فكيف ذهل الكرماني عن هذا حتى قال ما قاله ترويجًا لما ذهب إليه والحق أحق أن يتبع؟

والإِداوة؛ بكسر الهمزة: إناء صغير يتخذ من جلد للماء؛ كالسطيحة ونحوها، وجمعها: أداوى).

وقوله: (وقال أبو عبيدة...) إلخ قال: (قلت: الكلام مع أبي عبيدة فإنه إن أراد به مطلق النبيذ؛ فغير مسلَّم؛ لأنَّ فيه مصادمة الحديث النبوي، وإن أراد النبيذ الخاص -وهو الغليظ المسكر-؛ فنحن أيضًا نقول بما قال) انتهى.

قلت: وعلى هذا؛ فمطابقة الحديث للترجمة بالجر الثقيل وكان حق وضعه في كتاب (الأشربة) ، كما لا يخفى.

زاد في الطنبور نغمة العجلوني، فزعم: (أن دعواه بأن النبيذ غير المسكر في معنى المسكر غير صحيح؛ ليس بصحيح على إطلاقه؛ لأنَّ غير المسكر إما أن يسلب عنه اسم الماء بحيث لا يسميه الرائي له ماء، فهذا لا يجوز التطهُّر به وإن كان لا يُسْكِر، وإما ألا يسلب عنه اسم الماء، فهذا نبيذ نقول بجواز [5] التطهير به أيضًا، وعليه؛ يحمل ما في حديث ابن مسعود الذي قال فيه الشارع: «ثمرة طيبة، وماء طهور»، وتبيَّن أن الكرماني لم يذهل، وما قال إلا لاتباع الحق لا لمجرد ترويج ما ذهب، فإن القسم الأول لا تقول الحنفية بجواز التطهير به، والقسم الثاني يقولون به أيضًا، وعبارة «الملتقى» مع «شرحه» للعلاء، وهو من الكتب المعتمدة عندهم: «لا يجوز ـ أي: الطهارة ـ بما خرج عن طبعه، وهو الرقة بكثرة الأوراق من حيث الصفة أو بغلبة غيره من حيث الأجزاء، وبالطبخ بشرط الثخانة على ما قاله قاضيخان، وكذا بتشرب النبات سواء خرج بعلاج أو لا، على الأظهر كما في «البرهان»؛ كالأشربة، والخل، وماء الورد، وماء الباقلاء، ومن المرق»، انتهت بحروفها، وبهذا يعلم أيضًا اندفاع اعتراضه الثاني، وليس فيه مصادمة للحديث؛ فعليك بالتأمل) انتهت عبارة العجلوني

قلت: وهذا كله فاسد وممنوع، فإن قوله: (ليس بصحيح) ممنوع، فإن النبيذ الغير المسكر لا يكون في معنى المسكر؛ لأنَّه قياس مع الفارق ومصادمة للحديث، ألا ترى أنه عليه السلام سماه نبيذًا، ولم يسمه خمرًا مسكرًا.

وقوله: (لأن غير المسكر...) إلخ هذا فاسد أيضًا؛ لأنَّ غير المسكر إذا سلبت عنه اسم الماء، وإذا رآه الرائي؛ لا يسميه ماء، فهذا هو النبيذ بعينه الذي جاء في الحديث، ففي الرواية السابقة قال عليه السلام: «ما في إداوتك؟»، فقال: معي نبيذ، فقال: «نبيذ؟»، فقال: «اصبب علي؛ إنه شراب وطهور»، فهذا ظاهر في أن هذا هو النبيذ بعينه.

وقوله: (لا يجوز التطهُّر به) غير صحيح، فإن الشارع صلَّى الله عليه وسلَّم قال فيه: «إنه طهور».

وقوله: (وإما ألَّا يسلب عنه اسم...) إلخ ممنوع أيضًا؛ لأنَّ هذا لا يُسمَّى نبيذًا، بل هو ماء، غاية الأمر أنه قد تغير بعض لونه، فيقال له: ماء متغير لا نبيذ، وكلامنا في النبيذ المختلف فيه، وأما المتغيَّر؛ فيجوز التطهُّر به إجماعًا.

وقوله: (وعليه يحمل ما في حديث ابن مسعود) ممنوع، فإن هذا الحمل غير صحيح، فإنه غير مصادف لمحله؛ لأنَّ الأصوليين قالوا: إذا تعارض الحديثان؛ يحمل كل منهما على محمل حسن، وهنا لم يوجد حديث يعارض حديث ابن مسعود حتى يحمل على هذا، على أن حديث ابن مسعود صريح في أن هذا لا يسمَّى نبيذًا، وإنما النبيذ ما علمت تفسيره فيما سبق، والكلام في النبيذ لا في هذا، فإن هذا خارج عن الحديث، وتسميته ماء في قوله عليه السلام: «ثمرة طيبة، وماء طهور» باعتبار أنه يجوز التطهير به، فيقوم مقام الماء المطلق بدليل الرواية الثانية؛ وهي قوله عليه السلام له: «اصبب علي؛ إنه طهور»، ولا ريب أن صبه كان لأجل الوضوء به، كما لا يخفى.

وقوله: (وتبيَّن أن الكرماني لم يذهل) بل قد ذهل وغفل الكرماني عن هذا، فقال ما قاله تعصُّبًا وترويجًا لما ذهب إليه، ولم يجر على لسانه الحق، والحق أحق أن يتبع.

وقوله: (فإن القسم الأول...) إلخ ممنوع، فإن الأئمَّة الحنفية قالوا بجواز التطهير بالنبيذ اتباعًا للنبيِّ الأعظم صلَّى الله عليه وسلَّم الواجب اتباعه.

وسياقة عبارة «الملتقى» و«شرحه» لشيخ الإسلام علاء الدين أفندي الحصكفي لا تدل على ما قاله؛ لأنَّه قد فهم عبارته [6] بالعكس، ولأن النبيذ لم يذكر في تلك العبارة، وعادة أئمتنا معاشر الأئمَّة الحنفية أن يذكروا حكم النبيذ وحده على حدة؛ لأنَّه جرى على النص لا على القياس، كما لا يخفى، على أن الذي فهمه من عبارة «الملتقى» و«شرحه» فيه مصادمة للحديث، ولم يقل به أحد من أئمتنا الأعلام، بل هذه العبارة إنَّما هي في غير النبيذ؛ لأنَّ النبيذ له حكم آخر غير هذا، وإذا لم يفهم العجلوني عبارة أئمتنا؛ كيف يستدل بها على دعواه الباطلة؟ ولا ريب أن أدنى الطلبة منا معاشر الحنفية يفهمها وفوق كل ذي علم عليم، وقد أشار إلى هذا بالتأمل؛ فلذا قال: (فعليك بالتأمل) ، والله تعالى أعلم.

[1] في الأصل: (اللالكاكي)، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (طيبان)، وهو تحريف.
[3] في الأصل: (الذي)، ولعل المثبت هو الصواب.
[4] في الأصل: (اضطلع)، وليس بصحيح.
[5] في الأصل: (بجوازه)، ولعل المثبت هو الصواب.
[6] في الأصل: (عبارتها)، ولعل المثبت هو الصواب.