إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أتى النبي سباطة قوم فبال قائِمًا

224- وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيقٍ الكوفيِّ (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان، واسم «اليمان»: حُسَيْلٌ؛ بمُهمَلتين، مُصغَّرٌ، أو [1] يُقال: حِسْلٌ؛ بكسرٍ ثمَّ سكونٍ، العبسيِّ؛ بالمُوَحَّدة [2]، حليف الأنصار، صحابيٌّ جليلٌ من السَّابقين، صحَّ في «مسلمٍ» عنه أنَّ رسول الله [3] صلى الله عليه وسلم أعلمه بما كان وما [4] يكون إلى أن تقوم السَّاعة، وأبوه صحابيٌّ أيضًا استُشهِد بأُحُدٍ، ومات حذيفة رضي الله عنه في أوَّل خلافة عليٍّ سنة ست وثلاثين، له في «البخاريِّ» اثنان وعشرون حديثًا.
(قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم سُبَاطَةَ) بضمِّ المُهمَلة وتخفيف المُوَحَّدة: مرمى ترابٍ وكناسة [5] (قَوْمٍ) من الأنصار، تكون بفناء الدُّور مرتفقًا لأهلها، أو «السُّباطة» الكناسة نفسها، وتكون في الغالب سهلة لا يرتدُّ فيها [6] البول على البائل، وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاصٍ لا [7] ملك؛ لأنَّها لا تخلو عن النَّجاسة، وفي رواية أحمد: «أتى سباطة قومٍ [8] فتباعدتُ منه، فأدناني حتَّى صرت قريبًا من عقبيه» (فَبَالَ) صلى الله عليه وسلم في الكناسة لدمثها [9] حال كونه (قَائِمًا) بيانًا للجواز، أو لأنَّه لم يجد للقعود مكانًا، فاضطر للقيام، أو كان بمأبضه _بالهمزة السَّاكنة والمُوَحَّدة المكسورة والضَّاد المُعجَمَة: وهو باطن ركبته الشَّريفة_ جرحٌ، أو استشفاءٌ من وجع صلبه على عادة العرب في ذلك، أو أنَّ [10] البول قائمًا أَحصن للفرج، فلعلَّه خشي من البول قاعدًا مع قربه من الناس خروج صوت منه، فإن قلت: لِمَ بال عليه الصلاة والسلام في السُّباطة من غير أن يبعد عن النَّاس أو يبعدهم عنه؟ أُجيب: بأنَّه لعلَّه كان مشغولًا بأمور المسلمين والنَّظر في مصالحهم، وطال عليه المجلس حتَّى لم يمكنه التباعد خشية التَّضرُّر [11]، وقد أباح البول قائمًا جماعة، كعمر وابنه وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيَّب وابن سيرين والنَّخعي والشَّعبي وأحمد، وقال مالكٌ: إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به، وإِلَّا فمكروهٌ، وكرهه للتَّنزيه عامَّة العلماء، فإن قلت: في التَّرجمة: البول قائمًا وقاعدًا، وليس في الحديث إلَّا القيام؟ أُجيب: بأنَّ وجه أخذه من الحديث أنَّه إذا جاز قائمًا
ج1ص293
فقاعدًا أجوز؛ لأنَّه أمكن (ثُمَّ دَعَا) صلى الله عليه وسلم (بِمَاءٍ فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ) به، وزاد عيسى بن يونس فيه عن الأعمش ما [12] أخرجه ابن عبد البرِّ في «التَّمهيد» بسندٍ صحيحٍ: أنَّ ذلك كان بالمدينة.
واستُنبِط من الحديث: جواز البول بالقرب من الدِّيار، وأنَّ مدافعة البول مكروهةٌ.
ورواته الخمسة ما بين خراسانيٍّ وكوفيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الطَّهارة» [خ¦226]، وكذا مسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه.
ج1ص294


[1] في (د) و(ص): «ويقال».
[2] في (م): «بمُوحَّدةٍ».
[3] «رسول الله»: ليس في (د)، وفيها: «أنَّه صلى الله عليه وسلم».
[4] في (م): «بما».
[5] في (د) و(س): «كناسة».
[6] في (ب) و(س): «منها».
[7] زيد في (م): «إضافة».
[8] «أتى سباطة قومٍ»: سقط من (م).
[9] في (د): «لدمسها»، وهو بمعناه.
[10] في (د) «وأنَّ».
[11] في غير (ص) و(م): «الضَّرر».
[12] في (م): «بما».