متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

201- وبالسَّند [1] قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ)؛ بضمِّ النُّون، الفضل بن دُكَيْنٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ)؛ بكسر الميم، وسكون السِّين، وفتح العَيْن، المُهمَلتين، ابن كِدامٍ؛ بكسر الكاف، وبالدَّال المُهمَلة، المُتوفَّى سنة خمس وخمسين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ جَبْرٍ)؛ بفتح الجيم، وسكون المُوَحَّدة؛ أي: عبد الله بن عبد الله بن جبر بن عتيكٍ الأنصاريُّ، ونسبه إلى جدِّه؛ لشهرته به، وليس هو ابن جُبيرٍ _سعيدًا_ بالتَّصغير؛ لأنَّه لا رواية له عن أنسٍ في هذا «الصَّحيح»، (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) _بالتَّنوين_ حال كونه (يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ.: ((رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم يَغْسِلُ) جسده المُقدَّس (أَوْ كَانَ يَغْتَسِلُ) كـ: «يَفْتَعِل»، [/ج1ص276/] (بِالصَّاعِ) إناءٌ يسع خمسة أرطالٍ وثلث رطلٍ بالبغداديِّ، وربَّما زاد صلى الله عليه وسلم على ما ذكر (إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ، وَ) كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ) الذي هو ربع الصَّاع، وعلى هذا فالسُّنَّة ألَّا ينقص ماء الوضوء عن مدٍّ، والغسل عن صاعٍ. نعم؛ يختلف باختلاف الأشخاص، فضئيل الخلقة يُستحَبُّ له أن يستعمل من الماء قدرًا يكون نسبته إلى جسده؛ كنسبة المدِّ والصَّاع إلى جسد الرَّسول صلى الله عليه وسلم، ومتفاحشها في الطُّول والعرض وعِظَم البطن وغيرها يُستحَبُّ ألَّا ينقص عن مقدار يكون بالنِّسبة إلى بدنه؛ كنسبة المدِّ والصَّاع إلى بدن الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وفي حديث أمِّ عُمَارة عند أبي داودٍ: «أنَّه عليه الصلاة والسلام توضَّأ، فأُتي بإناءٍ فيه قدر [2] ثلثيِ المدِّ»، وعنده أيضًا من حديث أنسٍ رضي الله عنه: «وكان [3] عليه الصلاة والسلام يتوضَّأ بإناءٍ يسع رطلين ويغتسل بالصَّاع»، ولابني خزيمة وحِبَّان في «صحيحيهما»، والحاكم في «مُستدرَكه» من حديث عبد الله بن زيدٍ رضي الله عنه: «أنَّه عليه الصلاة والسلام أُتِيَ بثلثي مدٍّ من ماءٍ فتوضَّأ، فجعل يدلِّك ذراعيه»، ولـ: «مسلمٍ» من حديث عائشة رضي الله عنها: أنَّها كانت تغتسل هي والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من [4] إناءٍ واحدٍ يسع ثلاثة أمدادٍ، وفي أخرى: كان يغتسل بخمس مكاكيك ويتوضَّأ بمكوكٍ، وهو إناءٌ يسع المدَّ، وفي لفظٍ للبخاريِّ [خ¦250] : من قدحٍ يُقال له: الفَرَق؛ بفتح الفاء والرَّاء، يسع ستَّة عشر رطلًا، وهي [5] ثلاثة أصوعٍ، وبسكون الرَّاء: مئةٌ وعشرون رطلًا، قاله ابن الأثير، والجمع بين هذه الرِّوايات _كما نقله النَّوويُّ عنِ الشَّافعيِّ رحمهما الله ورضي عنهما_ أنَّها كانت اغتسالاتٌ في أحوالٍ وجد فيها أكثر ما استعمله [6] وأقلَّه، وهو يدلُّ على أنَّه لا حدَّ في قدر ماء الطَّهارة يجب استيفاؤه، بل القلَّة والكثرة؛ باعتبار الأشخاص والأحوال _كما مرَّ_، ثمَّ إنَّ الصَّاع أربعة أمدادٍ كما أُشير إليه، والمدُّ رطلٌ وثلثٌ بالبغداديِّ؛ وهو مئةٌ وثمانيةٌ وعشرون درهمًا وأربعة أسباعِ درهمٍ، وحينئذٍ فيكون الصَّاع ستُّ مئةِ درهمٍ وخمسةٍ وثمانين وخمسة أسباع درهمٍ، كما صحَّحه النَّوويُّ رحمه الله ورضي عنه، والشَّكُّ في قوله: «أو كان يغتسل» مِنَ الرَّاوي، وهل هو من البخاريِّ، أو من أبي نُعَيْمٍ، أو من ابن جبرٍ، أو من مِسْعَرٍ؟ احتمالاتٌ.

ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه التَّحديث والسَّماع.

[1] «وبالسَّند»: سقط من (د).
[2] في (م): «مقدار».
[3] في (م): «كان».
[4] في (ص): «في».
[5] في (ص): «هو».
[6] في (د): «يستعمله».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

201-. حدَّثنا أبو نُعَيْمٍ، قالَ: حدَّثنا مِسْعَرٌ، قالَ: حدَّثني ابْنُ جَبْرٍ [1] :

قالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كانَ النَّبِيُّ [2] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ _أَوْ كان يَغْتَسِلُ_ بالصَّاعِ إلىَ خَمْسَةِ أَمْدادٍ، وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ.

[1] بهامش اليونينية: «هو عبد الله بن عبد الله بن جَبْر» ا ه.
[2] في رواية الأصيلي: «رسولُ الله».





201- ( ابْنُ جَبْرٍ ) بجيم مفتوحة وباء ساكنة، ومن قال: «جبير» فقد صحَّف.


201# (يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى

@%ج1ص131%

خَمْسَةِ أَمْدَادٍ) الصاعُ عند أهل المدينة خمسةُ أرطال وثلث، والمدُّ ربعُ الصاع رِطْل وثُلث، وعند أهل العراق: الصاعُ ثمانيةُ أرطال، والمدُّ: رِطلانِ.

ورجع أبو يوسف إلى الأول حين ناظره مالكٌ في زِنَةِ المد [1] ، وأتى [2] بمدِّ أبناء المهاجرين والأنصار وراثةً عن النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة.

قال ابن المنيِّر: انظر هذه الأوزان من أي شيءٍ هي؟ أَمِن الماء، أو التمر، أو البر، أو الشعير؟ وأوزانها تختلف، فليس وزن ملء المد براً [3] كوزن ملئِهِ [4] شعيراً [5] ، فلا ينضبطُ قدرُ المدِّ حتى يُعلم الموزونُ ما كان، وقد قيل: إنه الماء؛ لأنه لا يعلو على رأس الكيل، بل يساويه [6] ، وإذا أضفنا علاوة الكيل إلى الكيل لم يتحرر، قالوا: فأصح [7] ما عُير به [8] الماء.

[1] في (ج): ((المدينة)).
[2] في (د): ((في زنة المدينة وأتاه))، في (ق): ((وأتاه)).
[3] في (ق): ((وزن البر)).
[4] في (ق): ((مثله)).
[5] في (ق): ((شعير)).
[6] في (د): ((بل يساق به)).
[7] في (ق): ((وأصح)).
[8] ((به)): ليست في (م) و(ج).





201- قوله: (حَدَّثَنَا أبو نُعَيْمٍ): تقدَّم مرَّات أنَّه الفضل بن دُكَين، وأنَّ دُكَينًا؛ بالدَّال المهملة، وتقدَّم بعض ترجمة أبي نُعيم.

قوله: (حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ): هو بكسر الميم، ثُمَّ سين ساكنة، ثُمَّ عين مفتوحة مهملتين، ثُمَّ راء، وهو ابن كدام أبو سَلمة الهلاليُّ الكوفيُّ، العَلَم، عن عطاء، وسعيد بن أبي بردة، وقيس بن مسلم، وعنه: القطَّان، ويحيى بن آدم، وله ألف حديث، قال القطَّان: (ما رأيت مثله) ، وقال شُعْبَة: (كنا نسمِّيه المصحف من إتقانه) انتهى، وكان من [1] العُبَّاد القانتين [2] ، توفِّي سنة (155 هـ ) ، أخرج له الجماعة، ذكر في «الميزان» لأجل إرجائه.

قوله: (حَدَّثَنِي ابْنُ جَبْرٍ): هو بفتح الجيم، وإسكان الموحَّدة، وقيل: جابر، واسمه: عَبْد الله بن عَبْد الله بن جبر -أو ابن جَابِر- بن [3] عتيك [4] الأنصاريُّ المدنيُّ، عن أبيه، وجدِّه لأمِّه عتيك بن الحارث، وعبد الله بن عُمر، وأنس، وعنه: شُعْبَة، ومسعر، ومالك، وجماعة، ضعَّفه ابن مَعِين وغيره، قال ابن منجويه [5] : (أهل العراق يقولون في جدِّه: جَبْر، ولا يصحُّ، إنَّما هو جابر) ، أخرج له الجماعة، وليس له ترجمة في «الميزان».

قوله: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ، أَوْ كَانَ [6] يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ): قال شيخنا الشَّارح: (الظَّاهر أنَّ هذا الشَّكَّ من البخاريِّ؛ لأنَّ الطُّرق إلى ابن [7] جبر ليس فيها ذلك، وقد رواه مُسْلِم [8] عن قتيبة، عن وكيع، عن مسعر، وعن أبي نعيم _ يعني: شيخ البخاريِّ عَبْدُ الله بن محمَّد الطَّحان- وغيرُه) انتهى؛ يعني: ورواه عن أبي نعيم عَبْدُ الله بن محمَّد الطَّحَّانُ وغيرُه من غير شكٍّ، قال شيخنا: (ويجوز أنْ يكون أَبُو نعيم رواه للبخاريِّ على الشَّكِّ، ولغيره؛ يعني: كما رواه عَبْد الله بن محمَّد الطَّحَّان عن أبي نعيم بدونه، والله أعلم) .

[قوله: (بِالصَّاعِ): تقدَّم الكلام على الصَّاع أعلاه كم هو، وكذا على المدِّ] [9] .

قوله: (وَيَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ): اعلم أنَّه روى الحاكم في «مستدركه» كما رأيته في «تلخيص الذَّهبيِّ» عن عَبْد الله بن زيد: أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام أُتِي بثلثي مُدٍّ من ماء فتوضَّأ، فجعل يدلِّك ذراعيه، ثُمَّ قال: على شرطهما، وأخرجه من حديث عَبْد الله بن زيد ابنُ حبَّان، وأخرجه [10] من حديث أمِّ [11] عمارة أبو داود والنَّسائيُّ.

فائدة: قال الدِّمياطيُّ ما لفظه: (روى الطَّبرانيُّ في «المعجم الكبير» بإسناده إلى أبي أمامة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم توضَّأ بنصف مُدٍّ) انتهى.

قال شيخنا الشَّارح في «تخريج أحاديث الرَّافعيِّ» وقد ذكر هذا الحديث: (رواه الطَّبرانيُّ والبيهقيُّ من رواية أبي أمامة بإسناد ضعيف) انتهى.

[1] (من): ليس في (ب) .
[2] زيد في (ب): (انتهى) .
[3] (بن): سقط من (ب) .
[4] في (ب): (عبيد) ، وفي (ج): (حنبل) ، وكلاهما تحريف.
[5] زيد في (ب): (قال) .
[6] (كان): ليس في (ج) .
[7] (ابن): ليس في (ب) .
[8] (مسلم): ليس في (ب) .
[9] ما بين معقوفين جاء في (ب) بعد قوله: (قوله: «حدثني ابن جبر»...في «الميزان») .
[10] (وأخرجه): ليس في (ب) .
[11] في (ج): (ابن) .





لا تتوفر معاينة

201- وبالسَّند [1] قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ)؛ بضمِّ النُّون، الفضل بن دُكَيْنٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ)؛ بكسر الميم، وسكون السِّين، وفتح العَيْن، المُهمَلتين، ابن كِدامٍ؛ بكسر الكاف، وبالدَّال المُهمَلة، المُتوفَّى سنة خمس وخمسين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ جَبْرٍ)؛ بفتح الجيم، وسكون المُوَحَّدة؛ أي: عبد الله بن عبد الله بن جبر بن عتيكٍ الأنصاريُّ، ونسبه إلى جدِّه؛ لشهرته به، وليس هو ابن جُبيرٍ _سعيدًا_ بالتَّصغير؛ لأنَّه لا رواية له عن أنسٍ في هذا «الصَّحيح»، (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) _بالتَّنوين_ حال كونه (يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ.: ((رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم يَغْسِلُ) جسده المُقدَّس (أَوْ كَانَ يَغْتَسِلُ) كـ: «يَفْتَعِل»، [/ج1ص276/] (بِالصَّاعِ) إناءٌ يسع خمسة أرطالٍ وثلث رطلٍ بالبغداديِّ، وربَّما زاد صلى الله عليه وسلم على ما ذكر (إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ، وَ) كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ) الذي هو ربع الصَّاع، وعلى هذا فالسُّنَّة ألَّا ينقص ماء الوضوء عن مدٍّ، والغسل عن صاعٍ. نعم؛ يختلف باختلاف الأشخاص، فضئيل الخلقة يُستحَبُّ له أن يستعمل من الماء قدرًا يكون نسبته إلى جسده؛ كنسبة المدِّ والصَّاع إلى جسد الرَّسول صلى الله عليه وسلم، ومتفاحشها في الطُّول والعرض وعِظَم البطن وغيرها يُستحَبُّ ألَّا ينقص عن مقدار يكون بالنِّسبة إلى بدنه؛ كنسبة المدِّ والصَّاع إلى بدن الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وفي حديث أمِّ عُمَارة عند أبي داودٍ: «أنَّه عليه الصلاة والسلام توضَّأ، فأُتي بإناءٍ فيه قدر [2] ثلثيِ المدِّ»، وعنده أيضًا من حديث أنسٍ رضي الله عنه: «وكان [3] عليه الصلاة والسلام يتوضَّأ بإناءٍ يسع رطلين ويغتسل بالصَّاع»، ولابني خزيمة وحِبَّان في «صحيحيهما»، والحاكم في «مُستدرَكه» من حديث عبد الله بن زيدٍ رضي الله عنه: «أنَّه عليه الصلاة والسلام أُتِيَ بثلثي مدٍّ من ماءٍ فتوضَّأ، فجعل يدلِّك ذراعيه»، ولـ: «مسلمٍ» من حديث عائشة رضي الله عنها: أنَّها كانت تغتسل هي والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من [4] إناءٍ واحدٍ يسع ثلاثة أمدادٍ، وفي أخرى: كان يغتسل بخمس مكاكيك ويتوضَّأ بمكوكٍ، وهو إناءٌ يسع المدَّ، وفي لفظٍ للبخاريِّ [خ¦250] : من قدحٍ يُقال له: الفَرَق؛ بفتح الفاء والرَّاء، يسع ستَّة عشر رطلًا، وهي [5] ثلاثة أصوعٍ، وبسكون الرَّاء: مئةٌ وعشرون رطلًا، قاله ابن الأثير، والجمع بين هذه الرِّوايات _كما نقله النَّوويُّ عنِ الشَّافعيِّ رحمهما الله ورضي عنهما_ أنَّها كانت اغتسالاتٌ في أحوالٍ وجد فيها أكثر ما استعمله [6] وأقلَّه، وهو يدلُّ على أنَّه لا حدَّ في قدر ماء الطَّهارة يجب استيفاؤه، بل القلَّة والكثرة؛ باعتبار الأشخاص والأحوال _كما مرَّ_، ثمَّ إنَّ الصَّاع أربعة أمدادٍ كما أُشير إليه، والمدُّ رطلٌ وثلثٌ بالبغداديِّ؛ وهو مئةٌ وثمانيةٌ وعشرون درهمًا وأربعة أسباعِ درهمٍ، وحينئذٍ فيكون الصَّاع ستُّ مئةِ درهمٍ وخمسةٍ وثمانين وخمسة أسباع درهمٍ، كما صحَّحه النَّوويُّ رحمه الله ورضي عنه، والشَّكُّ في قوله: «أو كان يغتسل» مِنَ الرَّاوي، وهل هو من البخاريِّ، أو من أبي نُعَيْمٍ، أو من ابن جبرٍ، أو من مِسْعَرٍ؟ احتمالاتٌ.

ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه التَّحديث والسَّماع.

[1] «وبالسَّند»: سقط من (د).
[2] في (م): «مقدار».
[3] في (م): «كان».
[4] في (ص): «في».
[5] في (ص): «هو».
[6] في (د): «يستعمله».





201- ( ابْنُ جَبْرٍ ): بالفتح والسُّكون: عبد الله بن جبر بن عَتِيك الأنصاريُّ، ومن قال: ابن جبير، فقد صحَّف.

( أَوْ كَانَ ): الشَّكُّ من البخاريِّ أو شيخه لما حدَّث به، فقد رواه الإسماعيليُّ من طريق أبي نعيم فقال: «يغتسل» بلا شكٍّ.

( بِالصَّاعِ ): هو إناء يسع خمسة أرطال وثلثًا بالبغداديِّ.

( إِلَى خَمْسَةِ ) أي: وربما زاد على الصَّاع الذي هو أربعة أمداد إلى خمسة، وكأنَّ أنسًا لم يطَّلع على أنَّه استعمل أكثر من ذلك، وقد روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها: «أنَّه اغتسل معها من إناء هو الفرق» وهو ثلاثة آصع. [/ج1ص335/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

201# أمَّا الصَّاع؛ مكيال يسع أربعة [1] أمداد، والمدُّ: رطل وثلث، وعند أهل العراق: رطلان، والصَّحيح: أنَّ ماء الوضوء والغسل غير مقدَّر، بل يكفي فيه القليل والكثير إذا أسبغ وعمَّ، قال الشَّافعيُّ: وقد يرفق بالقليل فيكفي، ويخرق بالكثير فلا يكفي.

[1] في (أ): (أربع).





201- وبه قال: ((حدثنا أبو نُعيم)) ؛ بضم النُّون مصغرًا، هو الفضل بن دكين ((قال: حدثنا مِسْعَر)) ؛ بكسر الميم، وسكون السين المهملة، وفتح العين المهملة، ابن كِدَام _بكسر الكاف وبالدَّال المهملة المخففة_ أبو سلمة الكوفي، ثبت صدوق، قال شعبة: كنا نسمي مسعرًا المصحف؛ لصدقه، المتوفى سنة خمس أو ثلاث وخمسين ومئة ((قال: حدثني)) بالإفراد ((بن جَبْر)) ؛ بفتح الجيم وسكون الموحدة، والمراد به: سبط جبر؛ لأنَّه عبد الله بن عبد الله بن جبر بن عتيك الأنصاري، ونسبه لجده؛ لشهرته به، قال في «عمدة القاري»: (ومن قاله بالتصغير؛ فقد صحَّف؛ لأنَّ ابن جبير، وهو سعيد لا رواية له عن أنس في هذا الكتاب، وقد روى هذا الحديث الإسماعيلي من طريق أبي نعيم شيخ المؤلف قال: حدثني شيخ من الأنصار يقال له: ابن جبر، ويقال له: جابر بن عتيك) انتهى ((قال: سمعت أنسًا)) ؛ بالتنوين؛ لأنَّه منصرف مفعولًا، قال الكرماني: (وفي رواية: «أنس» بدون الألف منه في الكتابة؛ للتخفيف) ، واعترضه في «عمدة القاري»: (بأنه لا بد من التنوين، وإن كان الألف لا تكتب) ؛ فافهم. ((يقول)) ؛ أي: أنس بن مالك رضي الله عنه، والجملة محلها النصب على الحال، ((كان النبي)) الأعظم، وفي رواية: (رسول الله) ((صلى الله عليه وسلم)) ، وأتى بـ (كان) ؛ لإفادتها الدوام والاستمرار، ((يغسِل)) ؛ بكسر السين المهملة؛ أي: جسده الشريف، فمفعول (يغسل) محذوف، ((أو كان يغتسل)) ؛ بزيادة التاء كـ (يفتعل) ، والفرق بين الغسل والاغتسال مثل الفرق بين الكسب والاكتساب، كذا في «عمدة القاري» ((بالصاع)) مكيال يسع ثمانية أرطال بالبغدادي عند العراقيين، وخمسة أرطال وثلث رطل عند الحجازيين، والشك من الراوي، قال الكرماني: (إنَّه من ابن جبر) ، وقال ابن حجر: (إنَّه من المؤلف أو من أبي نعيم) ، واعترضهما في «عمدة القاري»: (بأنَّ الظاهر أنَّ الشك من الناسخ؛ لأنَّ الإسماعيلي لم يَرْوِهِ بالشك، فَنِسْبَتُهُ إلى المؤلف أو إلى شيخه أو إلى ابن جبر ترجيح بلا مرجح، فلمَ لا يُنسَبُ إلى مِسْعَر؟) انتهى.

وقال الجوهري: (الصاع: هو الذي يكال به، وهو أربعة أمداد إلى خمسة أمداد) ، وقال ابن سيده: (الصاع: مكيال لأهل المدينة يأخذ أربعة أمداد، يذكر ويؤنث، وجمعه أصوع، وأصواع، وصيعان، والصواع: كالصاع) ، وقال ابن الأثير: ((الصاع: مكيال يسع أربعة أمداد، والمد مختلف فيه) ، وفي «الجامع»: (تصغيره: صُويع فيمن ذكَّر، وصويعة فيمن أنَّث، وجمع التذكير: أصواع وأصوع، وصوع في التذكير، وأصوع في التأنيث) ، وفي «الجمهرة»: (أصوع في أدنى العدد) ، وقال ابن بري: (الصواب في جمع صاع: أصوع) ، قلت: وأصل الصاع: صوع، قلبت الواو ألفًا؛ لتحركها وانفتاح ما قبلها، وفيه ثلاث لغات: صاع، وصوع على الأصل، وصواع، والجمع: أصوع، وإن شئت أبدلت من الواو المضمومة همزة، كذا في «عمدة القاري»؛ فليحفظ.

((إلى خمسة أمداد)) ؛ يعني: ربما زاد النبي الأعظم عليه السلام الغسل على صاع، فاغتسل بخمسة أمداد، والمد: رطلان، والرطل: مئة وثلاثون درهمًا، وقيل: مئة وثمانية وعشرين درهمًا وأربعة أسباع درهم، وتمامه في «الحلية»، قال شيخ شيخنا: والصاع العراقي: نحو نصف مد دمشقي، وأفاد الحديث: أنَّ التقدير غير لازم حتى من أسبغ بدون ذلك؛ أجزأه، وإن لم يكفه؛ زاد عليه؛ لأنَّ طباع الناس وأحوالهم تختلف، كذا في «البدائع».

((و)) كان النبي الأعظم عليه السلام ((يتوضأ بالمد)) الذي هو ربع الصاع، وعلى هذا؛ فالسنة ألا يَنْقُصَ ماء الوضوء عن مد، والغسل عن صاع، فإذا توضأ واغتسل به؛ فقد حصَّل السنة، وهو الأفضل، بل يغسل بقدر ما لا يؤدي إلى الوسواس، فإن أدى إليه؛ لا يستعمل إلا بقدر الحاجة رغمًا للشيطان، قال في «الخلاصة»: (والتقدير في الوضوء بالمد إذا كان لا يحتاج إلى الاستنجاء، فإن احتاج إليه؛ لا يكفيه، بل يستنجي برطل، أو يتوضأ بالمد، فإن كان لابس الخفين؛ يتوضأ برطل، والحاصل: أنَّ الرطل للاستنجاء، والرطل للقدمين، والرطل لسائر الأعضاء) انتهى.

واعلم أن الوضوء على أربعة أوجه: إمَّا ألَّا يستنجي ويمسح على الخفين، أو يستنجي ويمسح على الخفين، أو لا يستنجي ويغسل الرجلين، أو يستنجي ويغسل الرجلين، أمَّا الأول؛ فيكفيه رطل، وأمَّا الثاني؛ فاثنان؛ واحد للاستنجاء وآخر للوضوء، وأمَّا الثالث؛ فكذلك واحد للرجلين وواحد للبقية، وأدنى ما يكفي من الماء في الغسل في الغالب صاع، وفي الوضوء ربعه؛ وهو المد، وللاستنجاء ثمنه؛ وهو الرطل، وإن أراد أن يمسح على خفيه؛ كفاه في الوضوء رطل، كذا في «منهل الطلاب».

وزعم ابن حجر: (أنَّ أنسًا رضي الله عنه لم يَطَّلِعْ على أنه عليه السلام لم يستعمل في الغسل أكثر من ذلك؛ لأنَّه جعلها النهاية، وسيأتي حديث عائشة: «أنَّها كانت تغتسل هي والنبي عليه السلام من إناء واحد وهو الفَرَق»، وروى مسلم من حديث عائشة أيضًا: «أنه عليه السلام كان يغتسل من إناء يسع ثلاثة أمداد») ، وردَّه في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: أنس رضي الله عنه لم يجعل ما ذكره نهاية لا يتجاوز عنها ولا ينقص عنها، وإنما حكى ما شاهده، والحال يختلف بقدر اختلاف الحاجة، وحديث الفَرَق لا يدل على أن عائشة والنبي عليه السلام كانا [1] يغتسلان بجميع ما في الفَرَق، وغاية ما في الباب أنَّه يدل على أنَّهما كانا يغتسلان من إناء واحد يسمى فَرَقًا، وكونهما يغتسلان منه لا يستلزم استعمال جميع ما فيه من الماء، وكذلك الكلام في ثلاثة أمداد) .

وزعم أيضًا ابن حجر: (أنَّ فيه ردًّا على من قدَّر الوضوء والغسل بما ذكر في الحديث كابن شعبان من المالكية ومن قال به من الحنفية مع مخالفتهم له في مقدار المد والصاع) ، ورده أيضًا في «عمدة القاري» حيث قال: (قلت: لا ردَّ فيه على من قال به من الأئمة الحنفية؛ لأنَّه لم يقل بذلك على طريق الوجوبكما قال ابن شعبان بطريق الوجوب، فإنه قال: «لا يجزئ أقل من ذلك»، وأمَّا من قال به من الأئمة الحنفية؛ فهو الإمام محمد بن الحسن، فإنَّه روي عنه أنه قال: «إن المغتسِل لا يمكن أن يعمَّ جسده بأقل من مد، وهذا يختلف باختلاف الأجساد والأشخاص»، ولهذا جعل ابن عبد السلام للمتوضئ والمغتسل ثلاثة أحوال؛ أحدها: أن يكون معتدل الخلق كاعتدال خلقه عليه السلام، فيَقْتَدِي به في اجتناب النقص عن المد والصاع، والثانية: أن يكون ضئيلًا ونحيف الخلق بحيث لا يعادل جسده جسده عليه السلام، فيُسْتَحَبُّ أن يغتسل من الماء ما يكون نسبته إلى جسده[/ص176/] كنسبة المد والصاع إلى جسده عليه السلام، والثالث: أن يكون متفاحش الخلق طولًا وعرضًا، وعظم البطن، وثخانة الأعضاء، فيستحب ألَّا ينقص عن مقدار يكون النسبة إلى بدنه كنسبة المد والصاع إلى النبي عليه السلام) .

ثم قال: (واعلم أن الروايات مختلفة في هذا الباب، ففي رواية أبي داود من حديث عائشة: «أنه عليه السلام كان يغتسل بالصاع، ويتوضأ بالمد»، ومن حديث جابر كذلك، ومن حديث أم عمارة: «أنَّه عليه السلام توضأ، فأتي بإناء فيه ماء قدر ثلثي المد»، وفي رواية عن أنس: «أنه عليه السلام كان يتوضأ بإناء يسع رطلين ويغتسل بالصاع»، وفي رواية ابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما»، والحاكم في «مستدركه» من حديث عبد الله بن زيد: «أنَّه عليه السلام أتي بثلثي مد من ماء، فتوضأ، فجعل يدلك ذراعيه»، وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه»، وقال الثوري: «حديث أم عمارة حسن»، وفي رواية مسلم من حديث عائشة: «كانت تغتسل هي والنبي عليه السلام من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد»، وفي رواية: «من إناء واحد تختلف أيدينا فيه»، وفي رواية: «فدعت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت فيه»، وفي أخرى: «كانت تغتسل بخمسة مكاكيك وتتوضأ [2] بمكوك»، وفي أخرى: «يغسله عليه السلام الصاع ويوضئه المد»، وفي أخرى: «يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد»، وفي رواية المؤلف: «نحوًا من صاع»، وفي لفظ: «من قدح يقال له: الفَرَق»، وعند النسائي: «نحو ثمانية أرطال»، وفي «مسند أحمد بن منبع»: «حزرته ثمانية أو تسعة أو عشر أرطال»، وعند ابن ماجه بسند ضعيف، عن عقيل، عن أبيه قال عليه السلام: «يجزئ من الوضوء مد ومن الغسل صاع»، وكذا رواه الطبراني في «الأوسط» من حديث ابن عباس، وعند أبي نعيم في «المعرفة» من حديث أم سعيد بنت زيد بن ثابت ترفعه: «الوضوء مد والغسل صاع») انتهى.

قلت: وليس معنى الحديث على التوقيت: أنَّه لا يجوز أكثر منه ولا أقل منه، بل هو تقدير أدنى الكفاية عادة، وليس بلازم حتى من أسبغ بدون ذلك؛ أجزأه، وإن لم يكفه؛ زاد عليه؛ لأنَّ طباع الناس وأحوالهم تختلف، كما في [ما] قدمناه عن «البدائع».

والجمع بين هذه الروايات: أنَّها كانت اغتسالات في أحوال وجد فيها أكثر ما استعمله وأقله، فدل ذلك على أنَّه لا حدَّ في قدر ماء الطهارة يجب استيفاؤه، والإجماع قائم على ذلك، فالقلة والكثرة باعتبار الأشخاص والأحوال؛ فليحفظ.

وقال في «عمدة القاري»: (والفَرَق: بفتح الفاء وفتح الرَّاء، وقال أبو زيد: «بفتح الرَّاء وسكونها»، وزعم النووي أن الفتح أفصح، وزعم الباجي أنَّه الصواب، وليس كما قال، بل هما لغتان، وقال ابن الأثير: «الفرق _بالتحريك_ يسع ستة عشر رطلًا، وهي ثلاثة أصوع، وقيل: الفرق: خمسة [أقساط] ، وكل قسط نصف صاع، وأما الفرْق _بالسكون_ فمئة وعشرون رطلًا»، وقال أبو داود: سمعت أحمد ابن حنبل يقول: «الفرق: ستة عشر رطلًا، والمكوك: إناء يسع المد المعروف عندهم»، وقال ابن الأثير: «المكوك: المد، وقيل: الصاع»، والأول أشبه؛ لأنَّه جاء في الحديث مفسرًا بالمد، وقال أيضًا: «المكوك: اسم للمكيال، ويختلف مقداره باختلاف اصطلاح الناس عليه في البلاد، ويجمع على مكاكي؛ بإبدال الياء من الكاف الأخيرة، ويجيء أيضًا على مكاكيك») ، انتهى، والله تعالى أعلم.

اللهم إنِّي أسألك بالنبي الأعظم عليه السلام وبآله وأصحابه رضي الله عنهم أن تفرِّج عنا وعن المسلمين، وأن تكشف عنَّا وعنهم الهموم والأحزان، وتبدلها أمنًا وسرورًا برحمتك يا أرحم الراحمين؛ لأنَّ في يوم الاثنين العاشر صفر سنة سبع وسبعين سكَّروا أبواب البلد، ووضعوا العساكر في الأسواق والطرقات، ومسكوا النظام، ففرَّ من فرَّ، وقرَّ من قرَّ، وضجَّ من ضجَّ، وهجَّ من هجَّ، وعزم من عزم، ودعا من دعا، وكبَّر من كبَّر، وأغلق من أغلق، وبات الناس في كرب عظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إنَّه على ما يشاء قدير، وأستغفر الله العظيم.

[1] في الأصل: (كان).
[2] في الأصل: (يتوضأ) .