إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كان النبي يغسل بالصاع إلى خمسة أمداد

201- وبالسَّند [1] قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بضمِّ النُّون، الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ) بكسر الميم وسكون السِّين وفتح العَيْن المُهمَلتين، ابن كِدامٍ؛ بكسر الكاف وبالدَّال المُهمَلة، المُتوفَّى سنة خمس وخمسين ومئةٍ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ جَبْرٍ) بفتح الجيم وسكون المُوَحَّدة، أي: عبد الله بن عبد الله بن جبر بن عتيكٍ الأنصاريُّ، ونسبه إلى جدِّه لشهرته به، وليس هو ابن جُبيرٍ _سعيدًا_ بالتَّصغير لأنَّه لا رواية له عن أنسٍ في هذا «الصَّحيح» (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا) _بالتَّنوين_ حال كونه (يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ) وللأَصيليِّ: ((رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يَغْسِلُ) جسده المُقدَّس (أَوْ كَانَ يَغْتَسِلُ) كـ «يَفْتَعِل»
ج1ص276
(بِالصَّاعِ) إناءٌ يسع خمسة أرطالٍ وثلث رطلٍ بالبغداديِّ، وربَّما زاد صلى الله عليه وسلم على ما ذكر (إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ، وَ) كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ) الذي هو ربع الصَّاع، وعلى هذا فالسُّنَّة ألَّا ينقص ماء الوضوء عن مدٍّ، والغسل عن صاعٍ. نعم؛ يختلف باختلاف الأشخاص، فضئيل الخلقة يُستحَبُّ له أن يستعمل من الماء قدرًا يكون نسبته إلى جسده كنسبة المدِّ والصَّاع إلى جسد الرَّسول صلى الله عليه وسلم، ومتفاحشها في الطُّول والعرض وعِظَم البطن وغيرها يُستحَبُّ ألَّا ينقص عن مقدار يكون بالنِّسبة إلى بدنه كنسبة المدِّ والصَّاع إلى بدن الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وفي حديث أمِّ عُمَارة عند أبي داودٍ: «أنَّه عليه الصلاة والسلام توضَّأ، فأُتي بإناءٍ فيه قدر [2] ثلثيِ المدِّ»، وعنده أيضًا من حديث أنسٍ رضي الله عنه: «وكان [3] عليه الصلاة والسلام يتوضَّأ بإناءٍ يسع رطلين ويغتسل بالصَّاع» ولابني خزيمة وحِبَّان في «صحيحيهما» والحاكم في «مُستدرَكه» من حديث عبد الله بن زيدٍ رضي الله عنه: «أنَّه عليه الصلاة والسلام أُتِيَ بثلثي مدٍّ من ماءٍ فتوضَّأ، فجعل يدلِّك ذراعيه»، ولـ «مسلمٍ» من حديث عائشة رضي الله عنها: أنَّها كانت تغتسل هي والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من [4] إناءٍ واحدٍ يسع ثلاثة أمدادٍ، وفي أخرى: كان يغتسل بخمس مكاكيك ويتوضَّأ بمكوكٍ، وهو إناءٌ يسع المدَّ، وفي لفظٍ للبخاريِّ [خ¦250]: «من قدحٍ يُقال له: الفَرَق» بفتح الفاء والرَّاء، يسع ستَّة عشر رطلًا، وهي [5] ثلاثة أصوعٍ، وبسكون الرَّاء: مئةٌ وعشرون رطلًا، قاله ابن الأثير، والجمع بين هذه الرِّوايات _كما نقله النَّوويُّ عنِ الشَّافعيِّ رحمهما الله ورضي عنهما_ أنَّها كانت اغتسالاتٌ في أحوالٍ وجد فيها أكثر ما استعمله [6] وأقلَّه، وهو يدلُّ على أنَّه لا حدَّ في قدر ماء الطَّهارة يجب استيفاؤه، بل القلَّة والكثرة؛ باعتبار الأشخاص والأحوال، كما مرَّ، ثمَّ إنَّ الصَّاع أربعة أمدادٍ كما أُشير إليه، والمدُّ رطلٌ وثلثٌ بالبغداديِّ؛ وهو مئةٌ وثمانيةٌ وعشرون درهمًا وأربعة أسباعِ درهمٍ، وحينئذٍ فيكون الصَّاع ستُّ مئةِ درهمٍ وخمسةٍ وثمانين وخمسة أسباع درهمٍ، كما صحَّحه النَّوويُّ رحمه الله ورضي عنه، والشَّكُّ في قوله: «أو كان يغتسل» مِنَ الرَّاوي، وهل هو من البخاريِّ، أو من أبي نُعَيْمٍ، أو من ابن جبرٍ، أو من مِسْعَرٍ؟ احتمالاتٌ.
ورواة هذا الحديث الأربعة ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: التَّحديث والسَّماع.
ج1ص277


[1] «وبالسَّند»: سقط من (د).
[2] في (م): «مقدار».
[3] في (م): «كان».
[4] في (ص): «في».
[5] في (ص): «هو».
[6] في (د): «يستعمله».