إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث زيد بن خالد: أرأيت إذا جامع فلم يمن؟

179- وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ) بسكون العين، أبو محمَّدٍ الطَّلحيُّ _بالمُهمَلَتين_ الكوفيُّ [1] قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن النَّحويُّ، أبو معاوية (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ البصريُّ التَّابعيُّ (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام، عبد الله بن
ج1ص260
عبد الرَّحمن بن [2] عوفٍ التَّابعيِّ: (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ) بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين المُهمَلَة، المدنيَّ (أَخْبَرَهُ: أَنْ زَيْدَ ابْنَ خَالِدٍ) المدنيَّ الصَّحابيَّ (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) رضي الله عنه (قُلْتُ) بتاء المتكلِّم على سبيل الالتفات من الغيبة للمتكلِّم لقصد حكاية لفظِهِ بعينه، وإلَّا فكان أسلوب الكلام أن يقول: قال: (أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ) الرَّجل امرأته أو أَمَتَه (فَلَمْ) وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: ((ولم)) (يُمْنِ) بضمِّ الياء وسكون الميم، وقد يُفتَح الأوَّل، وقد يُضَمُّ مع فتح الميم وتشديد النون، يتوضَّأ؟ (قَالَ عُثْمَانُ) رضي الله عنه: (يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ) أي: الوضوء الشَّرعيَّ لا الوضوء اللَّغويَّ، وإنَّما أمره بالوضوء احتياطًا لأنَّ الغالب خروج المذيِ من المُجامع وإن لم يشعر به (وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ) لتنجُّسه بالمذي، وهل يغسل جميعه أو بعضه المتنجِّس؟ قال الإمام الشَّافعيُّ بالثَّاني، وقال [3] مالكٌ: بالأوَّل، فإن قلت: غسل الذَّكر متقدِّمٌ على [4] الوضوء، فَلِمَ أخَّره؟ أُجِيب: بأنَّ الواوَ لا تدلُّ على التَّرتيب، بل على مُطلَق الجمع، فلا فرق بين أن يغسل الذَّكر قبل الوضوء أو بعده على وجهٍ لا ينتقض الوضوء معه (قَالَ عُثْمَانُ) رضي الله عنه: (سَمِعْتُهُ) أي: ما ذكر جميعه (مِنَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) قال زيدٌ: (فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا) أي: ابن أبي طالبٍ رضي الله عنه (وَالزُّبَيْرَ) بن العوَّام (وَطَلْحَةَ) بن عبيد الله (وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) رضي الله عنهم (فَأَمَرُوهُ) أي: المُجامع (بِذَلِكَ) أي: بأن يتوضَّأ، والضَّمير المرفوع للصَّحابة، والمنصوب للْمُجامع، كما هو مأخوذٌ من دلالة التَّضمُّن في قوله: «إذا جامع».
وفي هذا الحديث: وجوب الوضوء على من جامع ولم يُنزِل، لا الغُسل، لكنَّه منسوخٌ كما سيأتي _إن شاء الله_ قريبًا، وقدِ انعقد الإجماع على وجوب الغُسْل بعد أن كان في الصَّحابة من لا يوجب الغُسْل إلَّا بالإنزال كعثمانَ بنِ عفَّانَ، وعليِّ بن أبي طالبٍ، والزُّبير بن العوَّام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقَّاصٍ، وابن مسعودٍ، ورافعِ بن خديجٍ، وأبي سعيدٍ الخدريِّ، وأُبيِّ بن كعبٍ، وابن عبَّاسٍ، وزيد بن ثابتٍ، وعطاءِ بن أبي رباحٍ، وهشام بن عروة، والأعمش، وبعض أصحاب الظَّاهر، فإن قلت: إذا كان الحديث منسوخًا فكيف يصحُّ استدلال المصنِّف به؟ أُجِيب: بأنَّ المنسوخ منه عدم وجوب الغُسل لا عدم الوضوء، فحكمه باقٍ، والحكمة في الأمر به قبل أن يجب الغسل أيضًا: إمَّا لكون الجماع مظنَّة خروج المذي، أو لمُلامَسَته الموطوءة، فدلالته على التَّرجمة من [5] هذه الجزئيَّة؛ وهي وجوب الوضوء من الخارج المُعتاد، لا على الجزء الأخير وهو عدم الوجوب في غير المنسوخ، ولا يلزم أن يدلَّ كلُّ حديثٍ في الباب على كلِّ التَّرجمة، بل تكفي دلالة البعض على البعض.
ورجال هذا الحديث أحدَ عَشَرَ رجلًا؛ ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيهم ثلاثةٌ مِنَ التَّابعين، وصحابيَّان يروي أحدهما عن الآخر، والتَّحديث والعنعنة والإخبار والسُّؤال والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا [6] في «الطَّهارة» [خ¦292]، وكذا مسلمٌ.
ج1ص261


[1] «الكوفيُّ»: سقط من (د).
[2] «عبد الرَّحمن بن»: سقط من (د).
[3] «قال»: مثبتٌ من (م).
[4] في (د): «في».
[5] زيد في (ص): «حيث».
[6] «أيضًا»: سقط من (د) و(م).