متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

179- وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ)؛ بسكون العين، أبو محمَّدٍ الطَّلحيُّ _بالمُهمَلَتين_ الكوفيُّ [1] قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن، النَّحويُّ، أبو معاوية، (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ، البصريُّ التَّابعيُّ، (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ)؛ بفتح اللَّام، عبد الله بن [/ج1ص260/]

عبد الرَّحمن بن [2] عوفٍ، التَّابعيِّ: (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ)؛ بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين المُهمَلَة، المدنيَّ (أَخْبَرَهُ: أَنْ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ) المدنيَّ الصَّحابيَّ (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) رضي الله عنه (قُلْتُ)؛ بتاء المتكلِّم على سبيل الالتفات من الغيبة للمتكلِّم؛ لقصد حكاية لفظِهِ بعينه، وإلَّا؛ فكان أسلوب الكلام أن يقول: قال: (أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ) الرَّجل امرأته أو أَمَتَه، (فَلَمْ)، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: ((ولم)) (يُمْنِ)؛ بضمِّ الياء وسكون الميم، وقد يُفتَح الأوَّل، وقد يُضَمُّ مع فتح الميم وتشديد النون، يتوضَّأ؟ (قَالَ عُثْمَانُ) رضي الله عنه: (يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ)؛ أي: الوضوء الشَّرعيَّ لا الوضوء اللَّغويَّ، وإنَّما أمره بالوضوء احتياطًا؛ لأنَّ الغالب خروج المذيِ من المُجامع وإن لم يشعر به، (وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ)؛ لتنجُّسه بالمذي، وهل يغسل جميعه أو بعضه المتنجِّس؟ قال الإمام الشَّافعيُّ بالثَّاني، وقال [3] مالكٌ: بالأوَّل، فإن قلت: غسل الذَّكر متقدِّمٌ على [4] الوضوء، فَلِمَ أخَّره؟ أُجِيب: بأنَّ الواوَ لا تدلُّ على التَّرتيب، بل على مُطلَق الجمع، فلا فرق بين أن يغسل الذَّكر قبل الوضوء أو بعده على وجهٍ لا ينتقض الوضوء معه، (قَالَ عُثْمَانُ) رضي الله عنه: (سَمِعْتُهُ)؛ أي: ما ذكر جميعه (مِنَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم)، قال زيدٌ: (فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا)؛ أي: ابن أبي طالبٍ رضي الله عنه، (وَالزُّبَيْرَ) بن العوَّام، (وَطَلْحَةَ) بن عبيد الله، (وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) رضي الله عنهم، (فَأَمَرُوهُ)؛ أي: المُجامع (بِذَلِكَ)؛ أي: بأن يتوضَّأ، والضَّمير المرفوع للصَّحابة، والمنصوب للْمُجامع، كما هو مأخوذٌ من دلالة التَّضمُّن في قوله: «إذا جامع».

وفي هذا الحديث: وجوب الوضوء على من جامع ولم يُنزِل، لا الغُسل، لكنَّه منسوخٌ، كما سيأتي _إن شاء الله_ قريبًا، وقدِ انعقد الإجماع على وجوب الغُسْل بعد أن كان في الصَّحابة من لا يوجب الغُسْل إلَّا بالإنزال؛ كعثمانَ بنِ عفَّانَ، وعليِّ بن أبي طالبٍ، والزُّبير بن العوَّام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقَّاصٍ، وابن مسعودٍ، ورافعِ بن خديجٍ، وأبي سعيدٍ الخدريِّ، وأُبيِّ بن كعبٍ، وابن عبَّاسٍ، وزيد بن ثابتٍ، وعطاءِ بن أبي رباحٍ، وهشام بن عروة، والأعمش، وبعض أصحاب الظَّاهر، فإن قلت: إذا كان الحديث منسوخًا فكيف يصحُّ استدلال المصنِّف به؟ أُجِيب: بأنَّ المنسوخ منه عدم وجوب الغُسل لا عدم الوضوء، فحكمه باقٍ، والحكمة في الأمر به قبل أن يجب الغسل أيضًا: إمَّا لكون الجماع مظنَّة خروج المذي، أو لمُلامَسَته الموطوءة، فدلالته على التَّرجمة من [5] هذه الجزئيَّة؛ وهي وجوب الوضوء من الخارج المُعتاد، لا على الجزء الأخير؛ وهو عدم الوجوب في غير المنسوخ، ولا يلزم أن يدلَّ كلُّ حديثٍ في الباب على كلِّ التَّرجمة، بل تكفي دلالة البعض على البعض.

ورجال هذا الحديث أحدَ عَشَرَ رجلًا؛ ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيهم ثلاثةٌ مِنَ التَّابعين، وصحابيَّان يروي أحدهما عن الآخر، والتَّحديث، والعنعنة، والإخبار، والسُّؤال، والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا [6] في «الطَّهارة» [خ¦292] ، وكذا مسلمٌ.

[1] «الكوفيُّ»: سقط من (د).
[2] «عبد الرَّحمن بن»: سقط من (د).
[3] «قال»: مثبتٌ من (م).
[4] في (د): «في».
[5] زيد في (ص): «حيث».
[6] «أيضًا»: سقط من (د) و(م).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

179-. حدَّثنا [1] سَعْدُ بنُ حَفْصٍ: حدَّثنا شَيْبانُ، عن يَحْيَىَ، عن أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ عَطاءَ بنَ يَسارٍ أخبَرَه: أَنَّ زَيْدَ بنَ خالِدٍ أخبَرَه:

أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ [2] رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذا جامَعَ فَلَمْ [3] يُمْنِ؟ قالَ عُثْمانُ: يَتَوَضَّأُ كَما يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ [/ج1ص46/] ذَكَرَهُ. قالَ عُثْمانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَسَأَلْتُ عن ذَلِكَ عَلِيًّا والزُّبَيْرَ وَطَلْحَةَ وَأُبَيَّ بنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم، فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ.

[1] هذا الحديث ليس في رواية [عط] ، كذا رمز في الأصول كلها، والظاهر أنَّ هذا الحديث كان في النسخة، ثمَّ ضُرب عليه، بدليل الفروق المقيَّدة لألفاظ الحديث في هذه الرواية
[2] قوله: «بن عَفَّان» ليس في رواية ابن عساكر و [عط] .
[3] في رواية الأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت و [عط] : «ولم».





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

179- قوله: (عَنْ يَحْيَى): هو ابن أبي كَثير -بفتح الكاف، وبالمثلَّثة- تقدَّم الكلام على شيء من ترجمته.

قوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ): تقدَّم أنَّه أحد الفقهاء السَّبعة على قول الأكثر، وهو ابن عَبْد الرَّحمن بن عوف، أحد الأئمَّة، وتقدَّم الخلاف في اسمه هل هو عَبْد الله، وقيل: إِسْمَاعِيل.

قوله: (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ): هو بالمثنَّاة تحتُ، ثُمَّ السِّين [1] المهملة، تقدَّم الكلام عليه.

قوله: (فَلَمْ يُمْنِ): هو بضمِّ أوَّله، وهو الأفصح وبه جاءت الرِّواية والقرآن في قوله: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ} [الواقعة: 58] ، وفيه لغة [2] ثانية: بفتح أوَّله، وثَالِثة: وهي ضمُّها مع فتح الميم، وتشديد النُّون.

قوله: (فقَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ...) إلى آخر الكلام: تنبيه: قال الدِّمياطيُّ فيه قبيل كتاب [3] (الحيض) ما لفظه: (روى سعيد بن المُسَيّب عن عثمان، بخلاف هذا في «الموطَّأ» و«مصنَّف سعيد بن منصور») انتهى.

تنبيه ثانٍ: قال أَبُو محمَّد ابن حزم الحافظ الظَّاهريُّ: (وممَّن رأى أنْ لا غسل من الإيلاج في الفرج إنْ لَمْ يكن أنزل: عثمان بن عفَّان، وعليُّ بن أبي طالب، والزُّبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقَّاص، وابن مسعود، ورافع بن خديج، وأبو سعيد الخُدْرِيِّ، وأُبيُّ بن كعب، وأبو أيُّوب الأنصاريُّ، وابن عَبَّاس، والنُّعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، وجمهرة [4] الأنصار رضي الله عنهم، وعطاء بن أبي رباح، وأبو سلمة بن عَبْد الرَّحمن، وهشام بن عروة، وبعض أصحاب الظَّاهر، وقد روي عن بعضهم ما يخالفه [5] ) انتهى.

وقال [6] النَّووي في «شرح مسلم»: (إنَّ الأمَّة مجمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع وإنْ لَمْ يكن معه إنزال، وعلى وجوبه بالإنزال، وكان جماعة من الصَّحابة على أنَّه لا يجب إلَّا بالإنزال، ثُمَّ رجع بعضهم، وانعقد الإجماع بعد الآخرين) ، وذكر بعيد ذلك في الشَّرح المذكور قال: (وهذا لا خلاف فيه اليوم، وقد كان فيه خلاف لبعض الصَّحابة ومن بعدهم، ثُمَّ انعقد الإجماع على ما ذكرناه [7] ) انتهى، واعلم أنَّه منسوخ بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ»، وغيره.

تنبيه ثَالِث: قال ابن قيِّم الجوزيَّة في «معاليم [8] الموقعين» في فصل يتعلَّق بالفتوى ما لفظه: (والنَّسخ الواقع في الأحاديث التي أجمعت عليه الأمَّة [9] لا تبلغ عشرة أحاديث ألبتة، بل ولا شطرها) انتهى.

[1] في (ج): (بالسِّين) .
[2] (لغة): ليس في (ج) .
[3] في (ج): (باب) .
[4] في (ج): (وجمهور) .
[5] في (ب): (يخالفهم) .
[6] في (ب): (قال) .
[7] في (ج): (ذكرنا) .
[8] في (ج): (معالم) .
[9] في (ب): (الأئمة) .





179- قوله [1] : (أَرَأَيْتَ): مفعولُه محذوفٌ؛ أي: أرأيت أنَّه يَتوضَّأ.

[1] (قوله): مثبت من (أ).





179- وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ)؛ بسكون العين، أبو محمَّدٍ الطَّلحيُّ _بالمُهمَلَتين_ الكوفيُّ [1] قال: (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرَّحمن، النَّحويُّ، أبو معاوية، (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثيرٍ، البصريُّ التَّابعيُّ، (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ)؛ بفتح اللَّام، عبد الله بن [/ج1ص260/]

عبد الرَّحمن بن [2] عوفٍ، التَّابعيِّ: (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ)؛ بفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة والسِّين المُهمَلَة، المدنيَّ (أَخْبَرَهُ: أَنْ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ) المدنيَّ الصَّحابيَّ (أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) رضي الله عنه (قُلْتُ)؛ بتاء المتكلِّم على سبيل الالتفات من الغيبة للمتكلِّم؛ لقصد حكاية لفظِهِ بعينه، وإلَّا؛ فكان أسلوب الكلام أن يقول: قال: (أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ) الرَّجل امرأته أو أَمَتَه، (فَلَمْ)، وفي رواية الأَصيليِّ وابن عساكر وأبي الوقت: ((ولم)) (يُمْنِ)؛ بضمِّ الياء وسكون الميم، وقد يُفتَح الأوَّل، وقد يُضَمُّ مع فتح الميم وتشديد النون، يتوضَّأ؟ (قَالَ عُثْمَانُ) رضي الله عنه: (يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ)؛ أي: الوضوء الشَّرعيَّ لا الوضوء اللَّغويَّ، وإنَّما أمره بالوضوء احتياطًا؛ لأنَّ الغالب خروج المذيِ من المُجامع وإن لم يشعر به، (وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ)؛ لتنجُّسه بالمذي، وهل يغسل جميعه أو بعضه المتنجِّس؟ قال الإمام الشَّافعيُّ بالثَّاني، وقال [3] مالكٌ: بالأوَّل، فإن قلت: غسل الذَّكر متقدِّمٌ على [4] الوضوء، فَلِمَ أخَّره؟ أُجِيب: بأنَّ الواوَ لا تدلُّ على التَّرتيب، بل على مُطلَق الجمع، فلا فرق بين أن يغسل الذَّكر قبل الوضوء أو بعده على وجهٍ لا ينتقض الوضوء معه، (قَالَ عُثْمَانُ) رضي الله عنه: (سَمِعْتُهُ)؛ أي: ما ذكر جميعه (مِنَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم)، قال زيدٌ: (فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا)؛ أي: ابن أبي طالبٍ رضي الله عنه، (وَالزُّبَيْرَ) بن العوَّام، (وَطَلْحَةَ) بن عبيد الله، (وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) رضي الله عنهم، (فَأَمَرُوهُ)؛ أي: المُجامع (بِذَلِكَ)؛ أي: بأن يتوضَّأ، والضَّمير المرفوع للصَّحابة، والمنصوب للْمُجامع، كما هو مأخوذٌ من دلالة التَّضمُّن في قوله: «إذا جامع».

وفي هذا الحديث: وجوب الوضوء على من جامع ولم يُنزِل، لا الغُسل، لكنَّه منسوخٌ، كما سيأتي _إن شاء الله_ قريبًا، وقدِ انعقد الإجماع على وجوب الغُسْل بعد أن كان في الصَّحابة من لا يوجب الغُسْل إلَّا بالإنزال؛ كعثمانَ بنِ عفَّانَ، وعليِّ بن أبي طالبٍ، والزُّبير بن العوَّام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقَّاصٍ، وابن مسعودٍ، ورافعِ بن خديجٍ، وأبي سعيدٍ الخدريِّ، وأُبيِّ بن كعبٍ، وابن عبَّاسٍ، وزيد بن ثابتٍ، وعطاءِ بن أبي رباحٍ، وهشام بن عروة، والأعمش، وبعض أصحاب الظَّاهر، فإن قلت: إذا كان الحديث منسوخًا فكيف يصحُّ استدلال المصنِّف به؟ أُجِيب: بأنَّ المنسوخ منه عدم وجوب الغُسل لا عدم الوضوء، فحكمه باقٍ، والحكمة في الأمر به قبل أن يجب الغسل أيضًا: إمَّا لكون الجماع مظنَّة خروج المذي، أو لمُلامَسَته الموطوءة، فدلالته على التَّرجمة من [5] هذه الجزئيَّة؛ وهي وجوب الوضوء من الخارج المُعتاد، لا على الجزء الأخير؛ وهو عدم الوجوب في غير المنسوخ، ولا يلزم أن يدلَّ كلُّ حديثٍ في الباب على كلِّ التَّرجمة، بل تكفي دلالة البعض على البعض.

ورجال هذا الحديث أحدَ عَشَرَ رجلًا؛ ما بين كوفيٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيهم ثلاثةٌ مِنَ التَّابعين، وصحابيَّان يروي أحدهما عن الآخر، والتَّحديث، والعنعنة، والإخبار، والسُّؤال، والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا [6] في «الطَّهارة» [خ¦292] ، وكذا مسلمٌ.

[1] «الكوفيُّ»: سقط من (د).
[2] «عبد الرَّحمن بن»: سقط من (د).
[3] «قال»: مثبتٌ من (م).
[4] في (د): «في».
[5] زيد في (ص): «حيث».
[6] «أيضًا»: سقط من (د) و(م).





179- ( أَرَأَيْتَ ) أي: أخبرني.

( فَلَمْ يُمْنِ ): بضمِّ الياء وسكون الميم.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

179- وبه قال: ((حدَّثنا سعْد بن حفص)) ؛ بسكون العين، رواية الجميع إلا القابسي، فقال: ((سعيد)) ؛ بالمثناة التحتية، وسعد هذا هو الكوفي الطلحي _بالمهملتين_ الضخم، المتوفى سنة خمس عشرة ومئتين، ولعلَّ القابسي اشتبه عليه بما في «النسائي»: ((سعيد بن حفص)) _بزيادة المثناة التحتية_ النفيلي، المتوفى سنة سبع وثلاثين ومئتين، قلت: والظاهر: أنَّه سهو من القابسي، ولذا اقتصر جميع الشرَّاح على الأول؛ فافهم، ((قال: حدثنا شَيْبان)) ؛ بفتح الشين المعجمة، وسكون التحتية، بعدها موحدة، هو ابن عبد الرحمن، أبو معاوية النحوي، ((عن يحيى)) ؛ هو ابن أبي كثير البصري التابعي الصغير، ((عن أبي سلَمة)) ؛ بفتح اللام، عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف التابعي: ((أن عطاء بن يَسار)) ؛ بفتح التحتية أوله، بعدها سين مهملة، التابعي المدني ((أخبره)) ؛ أي: أخبر عطاءٌ أبا سلمة: ((أن زيد بن خالد)) الجهني المدني الصحابي ((أخبره)) ؛ أي: أخبرَ زيدٌ عطاءً: ((أنه سأل عثمان بن عفان)) رضي الله عنه ((قلت)) : قائله زيد بن خالد لعثمان، فهو بصيغة المتكلم، وإنما لم يقل: (قال) كما قال: (أنه سأل) ؛ لأنَّ فيه نوع التفات، وهو نوع من محاسن الكلام؛ لأنَّ فيه اعتبارين، وهما عبارتان عن أمر واحد، ففي الأول: نظر إلى جانب الغيبة، وفي الثاني: إلى جانب المتكلم، كذا في «عمدة القاري».

((أرَأيت)) ؛ بفتح الرَّاء؛ ومفعوله محذوف؛ أي: أَخبِرْني أنه توضأ أم لا؟ ((إذا جامع)) ؛ أي: الرجل امرأته _مثلًا_ أو بطَّن، أو فخَّذ ((فلم)) وفي رواية: (ولم) ؛ بالواو ((يُمنِ)) ؛ بضم التحتية رواية، وقد تفتح وتسكن الميم لغة، وقد تفتح الميم وتشدد النُّون مع ضم أوله لغة ثالثة، يقال: منى، وأمنى، ومنى، وأشهرها وأفصحها الوسطى، قال الله تعالى: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ} [القلم: 58] .

((قال عثمان)) ؛ أي: ابن عفان رضي الله عنه: ((يتوضأ)) إنَّما أمره بالوضوء؛ لأجل الاحتياط؛ لأنَّ الغالب خروج المذي من المُجَامع وإن لم يشعر به ((كما يتوضأ للصلاة)) أشار به إلى أن المراد بالوضوء: الوضوء الشرعي لا اللغوي، ففيه أن المباشرة الفاحشة تنقض الوضوء، وهي أن يتجردا معًا متعانقين متماسين الفرجين من جهة القبل أو الدبر مع انتشار آلة الرجل بالنسبة إليه في نقض وضوئِه لا المرأة، فإنَّه لا يشترط في نقض وضوئها انتشار آلته، وسواء كانت المباشرة بين امرأتين، أو رجلين، أو رجل وامرأة، أو رجل وغلام، فيشترط أن يكون تماس الفرجين من شخصين مشتهيين؛ لأنَّه لا ينتقض الوضوء ولا يجب الغسل بوطءِ صغيرةٍ لا تُشْتَهى، فإذا حصلت المباشرة بين الشخصين؛ انتقض وضوء المباشِر والمباشَر ولو بلا بلل على المعتمد، كما في «الدر المختار»، وهو قول الإمام الأعظم والإمام أبي يوسف؛ لأنَّها لا تخلو عن خروج مذي غالبًا، وهو كالمتحقق في مقام وجوب الاحتياط، وهو المعوَّلُ عليه في المذهب كما في سائر المتون، كما في «شرح الملتقى» للباقاني، وقال الإمام محمد: (لا ينتقض الوضوء ما لم يظهر شيء) ، وصححه في «الحقائق» وغيره، لكن قال في «البحر» و«النهر»: (هذا التصحيح لا يُعَوَّلُ عليه، ولا يُعْتَمَدُ عليه؛ لمخالفته للمتون) انتهى.

قلت: وقد اختلف الصحيح، وما قاله الإمام الأعظم صاحب المذهب هو المذهب، وإلى غيره لا يُذهَب؛ فليحفظ.

((ويغسل ذَكَره)) إنَّما أمره بذلك؛ لتنجُّسه بالمذي الذي يغلب خروجه حينئذٍ، وظاهره: أنه يجب غَسْلُ كل الذَّكَر، وبه قال مالك، وقال الإمام الأعظم وأصحابه والشافعي: لا يجب إلا غسل ما تنجَّس منه؛ لأنَّه يرتفع وينزوي المذي فلا يخرج، ويدلُّ لذلك ما في «صحيح مسلم»: «توضأ وانضح فرجك»، لا يقال: الغسل مقدَّم على التوضؤ، فلمَ أخَّره؟ لأنَّا نقول: الواو لا تدل على الترتيب، بل هي للجمع المطلق عند المحققين، فلو توضَّأ قبله؛ يجوز ولا يَنْتَقِضُوضوءُه، وفيه: دليل واضح على أن مسَّ الذَّكَر لا ينقض الوضوء؛ لأنَّه لو توضأ أولًا، كما هو ظاهر الحديث، ثم غسل ذَكَره، لابدَّ له من أن يمسَّ ذَكَره حتى يتم الغسل؛ لأنَّه لو لم يمسَّه بيده؛ لم يتمَّ الغسل؛ لأنَّ المذي يعلو على رأس الذَّكَر ويقف ويتجمد، فيلزمه حتَّه ودعكه بالماء حتى يزول[/ص147/] المذي النجس، وقد نفى الشافعي في آية الوضوء أن معنى الواو: الجمع المطلق، وأثبته هنا، وليس ذلك إلا تناقضًا، فإن الواو في الآية وهنا وغيرها لمطلق الجمع عند المحققين لا تفيد الترتيب؛ فليحفظ.

((قال عثمان)) ؛ أي: ابن عفان رضي الله عنه: ((سمعته)) ؛ أي: جميع ما تقدم ((من النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) ، وقوله: ((فسألت عن ذلك)) ؛ أي: عمن جامع ولم يمن، ((عليًّا)) ؛ أي: ابن أبي طالب، ((والزُّبير)) ؛ بضم الزاي؛ أي: ابن العوام، ((وطلحة)) ؛ أي: ابن عبيد الله، ((وأُبي بن كعب)) رضي الله عنهم ((فأمروه)) ؛ أي: أمر الصحابة المذكورونالمجامع المذكور، فالضمير المرفوع فيه راجع إلى هؤلاء الصحابة الأربعة، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى المجامع؛ لأنَّ قوله: ((إذا جامع)) ؛ أي: الرجل، يدل على المجامع ضمنًا؛ على حد قوله تعالى: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] ؛ أي: العدل أقرب، دلَّ عليه: {اعْدِلُوا}؛ فليحفظ.

((بذلك)) ؛ أي: بالوضوء، (وغسل ذَكَرُه) من مقول زيد بن خالد لا من مقول عثمان بن عفان.

ففي الحديث: دلالة على وجوب الوضوء لا الغسل على من جامع ولم يُنْزِل، وهذا الحكم منسوخ بالإجماع، فإنَّ أئمة الفتوى مجمعون على وجوب الغسل دون الوضوء من مجاوزة الختان؛ لأمر النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم بذلك، وهو زيادة بيان على ما في هذا الحديث يجب الأخذ بها؛ لأنَّ الغالب حينئذٍ سَبْقُ الماء، فالتزم المسلمون الغسل من تغيُّب الحشفة بالسُّنَّة الثابتة في ذلك.

فإن قلت: إذا كان الحديث منسوخًا، فكيف يصحُّ الاستدلال به؟

وأجيب: بأنَّ المنسوخ منه عدم وجوب الغسل لا عدم الوضوء، فحكمه باقٍ، ولذا قلنا: إنَّ السنَّة للمغتسل أن يبدأ أولًا بالوضوء، ثم يغتسل، والحكمة في الأمر بالوضوء قبل أن يجب الغسل؛ لكون الجماع مظنَّة خروج المذي غالبًا، والغالب كالمتحقق، فدلالته على الترجمة من هذه الجزئية، وهي وجوب الوضوء من الخارج المعتاد لا على الجزء الأخير، وهو عدم الوجوب في غير المنسوخ، ولا يلزم أن يدل كلُّ حديث في الباب على كلِّ الترجمة، بل تكفي دلالة البعض على البعض؛ فتأمل، والله أعلم.