متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

168- وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ)، الحوضيُّ البصريُّ، المُتوفَّى بالبصرة سنة خمسٍ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَشْعَثُ) بفتح الهمزة، وسكون المُعجَمَة، وفتح العَيْن [1] ، آخره مُثلَّثَةٌ (بْنُ سُلَيْمٍ) بالتَّصغير (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سُلَيْمَ بن الأسود المُحاربيَّ _بضمِّ الميم_ الكوفيَّ، (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع الكوفيُّ، أبو عائشة، أسلم قبل وفاته صلى الله عليه وسلم، وأدرك الصَّدر الأوَّل من الصَّحابة (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها أنَّها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ)؛ بالرَّفع على الفاعليَّة؛ أي: لحسنه (فِي تَنَعُّلِهِ)؛ بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، والنُّون، وتشديد العين المضمومة؛ أي: حال كونه لابسًا النَّعل؛ أي: الابتداء بلبس اليمين، (وَ) في (تَرَجُّلِهِ)؛ أي: الابتداء [2] بالشِّق الأيمن في تسريح رأسه ولحيته، (وَ) في (طُهُورِهِ)؛ بضمِّ الطَّاء؛ لأنَّ المُراد: تطهُّره، وتُفتَح؛ أي: البداءة بالشِّق الأيمن في الغسل، وباليمنى [3] في [4] اليدين والرِّجلين على اليسرى، وفي «سنن أبي داود» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «إذا توضَّأتم؛ فابدؤوا بميامنكم»؛ فإن قدَّم اليسرى؛ كُرِهَ، نُصَّ عليه في «الأمِّ»، ووضوءه صحيحٌ، وأمَّا الكفَّان والخدَّان والأذنان [5] ؛ فيطهران دفعةً واحدةً، (وَ) كذا كان عليه الصلاة والسلام يعجبه التَّيمُّن (فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ)، كذا في رواية أبي الوقت: ((وفي))؛ بواو العطف، وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، ولغيره: ((في شأنه))؛ بإسقاطها، وتأكيد الشَّأن بقوله: «كلِّه» يدلُّ على التَّعميم، فيدخل فيه نحو: لبس الثَّوب والسَّراويل والخفِّ، ودخول المسجد، والصَّلاة على ميمنة الإمام وميمنة المسجد، والأكل والشُّرب، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقصُّ الشَّارب، ونتف الإبط، وحلق الرَّأس، والخروج من الخلاء، وغير ذلك ممَّا في معناه، إلَّا ما خُصَّ بدليلٍ؛ كدخول الخلاء، والخروج من [/ج1ص252/] المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثَّوب، والسَّراويل، وغير ذلك، وإنَّما استُحِبَّ [6] فيها التَّياسُر؛ لأنَّه من باب الإزالة، والقاعدة: أنَّ كلَّ ما كان من باب التَّكريم والتَّزيُّن؛ فباليمين، وإلَّا، فباليسار، ولا [7] يُقال: حلق الرَّأس من باب الإزالة فيبدأ فيه بالأيسر؛ لأنَّه من باب التَّزيُّن، وقد ثبت الابتداء فيه بالأيمن، كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا، وفي رواية الأكثر: ((في شأنه كلِّه))؛ بحذف العاطف، وهو جائزٌ عند بعضهم حيث دلَّت عليه قرينةٌ، أو هو بدلٌ من الثَّلاثة السَّابقة بدل اشتمالٍ، والشَّرط في بدل الاشتمال: أن يكون المُبدَل منه [8] مشتملًا على الثَّاني أو [9] متقاضيًا له بوجهٍ ما، وههنا كذلك على ما لا يخفى، وإذا لم يكنِ المُبدَل منه [10] مشتملًا على الثَّاني؛ يكون بدل الغلط، أو هو بدلُ كلٍّ من كلٍّ، كما نقله في «الفتح» عن الطِّيبيِّ، وعبارته: قال الطِّيبيُّ: قوله: «في شأنه» بدلٌ من قوله: «في تنعُّله»؛ بإعادة العامل، وكأنَّه ذكر التَّنعُّل؛ لتعلُّقه بالرِّجل، والتَّرجُّل [11] ؛ لتعلُّقه بالرَّأس، والطُّهور؛ لكونه مفتاح أبواب العبادة، فكأنَّه نبَّه على جميع الأعضاء، فهو كبدل الكلِّ من الكلِّ، ثمَّ قال في «الفتح»: قلت: ووقع في رواية مسلمٍ بتقديم قوله: «في شأنه كلِّه [12] » على قوله: «في تنعُّله...» إلى آخره، وعليها شرح الطِّيبيِّ، وكذا ذكره البرماويُّ ولم يعترضه، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ كلام الطِّيبيِّ ليس هو على رواية البخاريِّ، بل على رواية مسلمٍ، ولفظها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبُّ التَّيمُّن في شأنه كلِّه؛ في طهوره و [13] ترجُّله وتنعُّله»، فقال الطِّيبيُّ في شرحه لذلك [14] : قوله: «في طُهوره وترجُّله وتنعُّله» بدلٌ من قوله: «في شأنه»؛ بإعادة العامل، فكأنَّه ظنَّ أنَّ كلام الطِّيبيِّ في الرِّواية التي فيها ذكر الشَّأن متأخِّرًا كرواية البخاريِّ هنا، انتهى. وهو بدل كلٍّ من بعضٍ، وعليه قوله: [مِنَ الخفيف]

~ نضَّر اللهُ أَعظُمًا دَفَنوها بِسِجِسْتانَ طَلْحة الطَّلحاتِ

أو يُقدِّر لفظ: يعجبه التَّيمُّن _كما مرَّ_، فتكون الجملة بدلًا من الجملة، أو هو متعلِّقٌ بـ: «يعجبه» لا بالتَّيمُّن، والتَّقدير: يعجبه في شأنه كلِّه التَّيمُّن في تنعُّله.... إلى آخره؛ أي: لا يترك ذلك في سفرٍ ولا حضرٍ، ولا في فراغه واشتغاله، قاله في «فتح الباري» كالكرمانيِّ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه يلزم منه أن يكون إعجابه التَّيمُّن في هذه الثَّلاث مخصوصةً في حالاته كلِّها، وليس كذلك، بل كان يعجبه التَّيمُّن في كلِّ الأشياء في جميع الحالات، ألا ترى أنَّه أكَّد الشَّأن بمؤكِّدٍ، والشَّأن بمعنى الحال، والمعنى: في جميع حالاته.

وفي هذا الحديث الدَّلالة على شرف اليمين، وهو سداسيُّ الإسناد، ورواته ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: رواية الابن عن الأب، وقرينين من أتباع التَّابعين: أشعث وشعبة، وآخرين من التَّابعين: سُلَيْمٌ ومسروقٌ [15] ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦426] و«اللِّباس» [خ¦5854] ، ومسلمٌ في «الطَّهارة»، وأبو داود في «اللِّباس»، والتِّرمذيُّ في [16] آخر [17] «الصَّلاة»، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة» و«الزِّينة»، وابن ماجه في «الطَّهارة».

[1] في (م): «المعجمة».
[2] في (م): «البداءة».
[3] في غير (ص) و(م): «باليمين».
[4] في (م): «من».
[5] «والأذنان»: سقط من (د).
[6] في (م) «المستحب».
[7] في (م): «لا».
[8] «المُبدَل منه»: سقط من (ص).
[9] في (م): «أو»، وليس في (ص).
[10] «منه»: سقط من (م).
[11] في (م): «الرَّجَل».
[12] «كلِّه»: سقط من (د).
[13] «طهوره و»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[14] في (ص) و(م): «كذلك».
[15] في (د): «مرزوق»، وليس بصحيحٍ.
[16] «في»: سقط من (د).
[17] «آخر»: سقط من (ص).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

168-. حدَّثنا حَفْصُ بنُ عُمَرَ، قالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ، قالَ: أخبَرَني أَشْعَثُ بنُ سُلَيْمٍ، قالَ: سَمِعْتُ أَبِي، عن مَسْرُوقٍ:

عن عَائِشَةَ، قالتْ: كانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ في تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِهِ، فِي [1] شَأنِهِ كُلِّهِ.

[1] صحَّح قبلها في اليونينيَّة، وفي رواية [عط] : «وفي».





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

168- قوله: (أَخْبَرَنِي أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ): هو بثاء مثلَّثة في آخره، وكلُّ ما جاء من ذلك؛ فهو كذلك إلَّا أشعب الطَّامع؛ فإنَّه بالموحَّدة في آخره، وهو فرد، وهو ابن أمِّ حُميد، روى عن عَبْد الله بن جعفر، وسالم بن عَبْد الله، حدَّث عنه: عثمان بن فائد وغيره.

وقوله: (ابْنُ سُلَيْمٍ): هو بضمِّ السِّين، وفتح اللَّام، وليس في «البخاريِّ» و«مسلم» أحدٌ يقال له: سَلِيم؛ بفتح السِّين، وكسر اللَّام إلَّا سَلِيم بن حيَّان، وسيأتي.

قوله: (وَتَرَجُّلِهِ): التَّرجُّل: تسريح الرَّأس بماء، أو دهن، أو شيء يليِّنه، ويرسل ثائره، ويمدُّ منقبضه.

قوله: (وَطُهُورِهِ) [1] : الفعل [2] هو بضمِّ الطاء، ويجوز فتحها.

[1] في (ب): (وطهور) .
[2] (الفعل): ليس في (ب) .





لا تتوفر معاينة

168- وبه قال: (حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ)، الحوضيُّ البصريُّ، المُتوفَّى بالبصرة سنة خمسٍ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَشْعَثُ) بفتح الهمزة، وسكون المُعجَمَة، وفتح العَيْن [1] ، آخره مُثلَّثَةٌ (بْنُ سُلَيْمٍ) بالتَّصغير (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) سُلَيْمَ بن الأسود المُحاربيَّ _بضمِّ الميم_ الكوفيَّ، (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع الكوفيُّ، أبو عائشة، أسلم قبل وفاته صلى الله عليه وسلم، وأدرك الصَّدر الأوَّل من الصَّحابة (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها أنَّها (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ)؛ بالرَّفع على الفاعليَّة؛ أي: لحسنه (فِي تَنَعُّلِهِ)؛ بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، والنُّون، وتشديد العين المضمومة؛ أي: حال كونه لابسًا النَّعل؛ أي: الابتداء بلبس اليمين، (وَ) في (تَرَجُّلِهِ)؛ أي: الابتداء [2] بالشِّق الأيمن في تسريح رأسه ولحيته، (وَ) في (طُهُورِهِ)؛ بضمِّ الطَّاء؛ لأنَّ المُراد: تطهُّره، وتُفتَح؛ أي: البداءة بالشِّق الأيمن في الغسل، وباليمنى [3] في [4] اليدين والرِّجلين على اليسرى، وفي «سنن أبي داود» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «إذا توضَّأتم؛ فابدؤوا بميامنكم»؛ فإن قدَّم اليسرى؛ كُرِهَ، نُصَّ عليه في «الأمِّ»، ووضوءه صحيحٌ، وأمَّا الكفَّان والخدَّان والأذنان [5] ؛ فيطهران دفعةً واحدةً، (وَ) كذا كان عليه الصلاة والسلام يعجبه التَّيمُّن (فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ)، كذا في رواية أبي الوقت: ((وفي))؛ بواو العطف، وهو من عطف العامِّ على الخاصِّ، ولغيره: ((في شأنه))؛ بإسقاطها، وتأكيد الشَّأن بقوله: «كلِّه» يدلُّ على التَّعميم، فيدخل فيه نحو: لبس الثَّوب والسَّراويل والخفِّ، ودخول المسجد، والصَّلاة على ميمنة الإمام وميمنة المسجد، والأكل والشُّرب، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقصُّ الشَّارب، ونتف الإبط، وحلق الرَّأس، والخروج من الخلاء، وغير ذلك ممَّا في معناه، إلَّا ما خُصَّ بدليلٍ؛ كدخول الخلاء، والخروج من [/ج1ص252/] المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثَّوب، والسَّراويل، وغير ذلك، وإنَّما استُحِبَّ [6] فيها التَّياسُر؛ لأنَّه من باب الإزالة، والقاعدة: أنَّ كلَّ ما كان من باب التَّكريم والتَّزيُّن؛ فباليمين، وإلَّا، فباليسار، ولا [7] يُقال: حلق الرَّأس من باب الإزالة فيبدأ فيه بالأيسر؛ لأنَّه من باب التَّزيُّن، وقد ثبت الابتداء فيه بالأيمن، كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا، وفي رواية الأكثر: ((في شأنه كلِّه))؛ بحذف العاطف، وهو جائزٌ عند بعضهم حيث دلَّت عليه قرينةٌ، أو هو بدلٌ من الثَّلاثة السَّابقة بدل اشتمالٍ، والشَّرط في بدل الاشتمال: أن يكون المُبدَل منه [8] مشتملًا على الثَّاني أو [9] متقاضيًا له بوجهٍ ما، وههنا كذلك على ما لا يخفى، وإذا لم يكنِ المُبدَل منه [10] مشتملًا على الثَّاني؛ يكون بدل الغلط، أو هو بدلُ كلٍّ من كلٍّ، كما نقله في «الفتح» عن الطِّيبيِّ، وعبارته: قال الطِّيبيُّ: قوله: «في شأنه» بدلٌ من قوله: «في تنعُّله»؛ بإعادة العامل، وكأنَّه ذكر التَّنعُّل؛ لتعلُّقه بالرِّجل، والتَّرجُّل [11] ؛ لتعلُّقه بالرَّأس، والطُّهور؛ لكونه مفتاح أبواب العبادة، فكأنَّه نبَّه على جميع الأعضاء، فهو كبدل الكلِّ من الكلِّ، ثمَّ قال في «الفتح»: قلت: ووقع في رواية مسلمٍ بتقديم قوله: «في شأنه كلِّه [12] » على قوله: «في تنعُّله...» إلى آخره، وعليها شرح الطِّيبيِّ، وكذا ذكره البرماويُّ ولم يعترضه، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ كلام الطِّيبيِّ ليس هو على رواية البخاريِّ، بل على رواية مسلمٍ، ولفظها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبُّ التَّيمُّن في شأنه كلِّه؛ في طهوره و [13] ترجُّله وتنعُّله»، فقال الطِّيبيُّ في شرحه لذلك [14] : قوله: «في طُهوره وترجُّله وتنعُّله» بدلٌ من قوله: «في شأنه»؛ بإعادة العامل، فكأنَّه ظنَّ أنَّ كلام الطِّيبيِّ في الرِّواية التي فيها ذكر الشَّأن متأخِّرًا كرواية البخاريِّ هنا، انتهى. وهو بدل كلٍّ من بعضٍ، وعليه قوله: [مِنَ الخفيف]

~ نضَّر اللهُ أَعظُمًا دَفَنوها بِسِجِسْتانَ طَلْحة الطَّلحاتِ

أو يُقدِّر لفظ: يعجبه التَّيمُّن _كما مرَّ_، فتكون الجملة بدلًا من الجملة، أو هو متعلِّقٌ بـ: «يعجبه» لا بالتَّيمُّن، والتَّقدير: يعجبه في شأنه كلِّه التَّيمُّن في تنعُّله.... إلى آخره؛ أي: لا يترك ذلك في سفرٍ ولا حضرٍ، ولا في فراغه واشتغاله، قاله في «فتح الباري» كالكرمانيِّ، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّه يلزم منه أن يكون إعجابه التَّيمُّن في هذه الثَّلاث مخصوصةً في حالاته كلِّها، وليس كذلك، بل كان يعجبه التَّيمُّن في كلِّ الأشياء في جميع الحالات، ألا ترى أنَّه أكَّد الشَّأن بمؤكِّدٍ، والشَّأن بمعنى الحال، والمعنى: في جميع حالاته.

وفي هذا الحديث الدَّلالة على شرف اليمين، وهو سداسيُّ الإسناد، ورواته ما بين بصريٍّ وكوفيٍّ، وفيه: رواية الابن عن الأب، وقرينين من أتباع التَّابعين: أشعث وشعبة، وآخرين من التَّابعين: سُلَيْمٌ ومسروقٌ [15] ، والتَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه أيضًا في «الصَّلاة» [خ¦426] و«اللِّباس» [خ¦5854] ، ومسلمٌ في «الطَّهارة»، وأبو داود في «اللِّباس»، والتِّرمذيُّ في [16] آخر [17] «الصَّلاة»، وقال: حسنٌ صحيحٌ، والنَّسائيُّ في «الطَّهارة» و«الزِّينة»، وابن ماجه في «الطَّهارة».

[1] في (م): «المعجمة».
[2] في (م): «البداءة».
[3] في غير (ص) و(م): «باليمين».
[4] في (م): «من».
[5] «والأذنان»: سقط من (د).
[6] في (م) «المستحب».
[7] في (م): «لا».
[8] «المُبدَل منه»: سقط من (ص).
[9] في (م): «أو»، وليس في (ص).
[10] «منه»: سقط من (م).
[11] في (م): «الرَّجَل».
[12] «كلِّه»: سقط من (د).
[13] «طهوره و»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[14] في (ص) و(م): «كذلك».
[15] في (د): «مرزوق»، وليس بصحيحٍ.
[16] «في»: سقط من (د).
[17] «آخر»: سقط من (ص).





168- ( تَنَعُّلِهِ ): لبس نعله.

( وَتَرَجُّلِهِ ): تسريح شعره. [/ج1ص315/]

( وَطُهُورِهِ ) زاد أبو داود: «وسواكه».

( فِي شَأْنِهِ ) لأبي الوقت: «وفي»، وعلى الأوَّل فهو بدل من قوله ( في تنعُّله )، ولمسلم تقديمه عليه، فهو مبدل منه.


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

168- وبه قال: ((حدثنا حَفص بن عُمر)) ؛ بفتح الحاء المهملة، وبضم العين المهملة: الخوصي البصري، المتوفى بالبصرة سنة خمس وعشرين ومئتين ((قال: حدثنا شعبة)) : هو ابن الحجاج ((قال: أخبرني)) بالإفراد ((أشْعَث)) ؛ بفتح الهمزة، وسكون الشين المعجمة، وفتح العين المهملة، آخره ثاء مثلثة ((بن سليم)) ؛ بالتصغير، المتوفى سنة خمس وعشرين ومئة ((قال: سمعت أبي)) ؛ أي: سليم المذكور بن الأسود المحاربي؛ بضم الميم، الكوفي أبو الشعثاء، وشهرته بكنيته أكثر من اسمه، المتوفى سنة اثنتين ومئة، ((عن مسْروق)) ؛ بسكون السين المهملة: ابن الأجدع الكوفي أسلم قبل وفاة النبي الأعظم عليه السلام، وأدرك الصدر الأول من الصحابة، وكانت عائشة رضي الله عنها قد تبنَّت مسروقًا فسمى ابنته عائشة، فكني بأبي عائشة، ((عن عائشة)) : أم المؤمنين رضي الله عنها أنَّها ((قالت: كان النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم يُعجبه)) ؛ بضم التحتية، من الإعجاب، يقال: أعجبني هذا الشيء لحسنه، والعجيب: الأمر الذي يتعجب منه، وبمعناه: استعجبت، والمصدر: العَجَب؛ بفتحتين، وأمَّا العُجْب؛ بضم العين، وسكون الجيم؛ فهو اسم من أعجب فلان بنفسه، فهو معجَب _بفتح الجيم_ برأيه وبنفسه، وأمَّا العَجْب؛ بفتح العين، وسكون الجيم، فهو أصل الذنب ((التيمُّنُ)) ؛ بتشديد الميم المضمومة، بالرفع على الفاعلية؛ وهو الأخذ باليمين في الأشياء؛ أي: الابتداء باليمين؛ لأنَّه يحب الفأل الحسن؛ أن أصحاب اليمين أهل الجنة، وزاد المؤلف في (الصلاة) : (ما استطاع) ، فنبَّه على المحافظة عليه ما لم يمنع مانع، والتيمن: لفظ مشترك بين الابتداء باليمين وتعاطي الشيء باليمين والتبرُّك، فبيَّن حديث أم عطية أنَّ المراد به الأول، والجملة من الفعل والفاعل محلها النصب على أنَّه خبر (كان) ((في تَنَعُّله)) ؛ أي: في لبسه النعل؛ وهي التي تلبس في المشي، وهي مؤنثة، يقال: نعلت وانتعلت؛ إذا لبست النعل، وانتعلت الخيل؛ بالهمزة، وبه الحديث: (أنَّ غسان تنعل خيلها) ، وفي الروايات كلها: (في تَنَعُّله) ؛ بفتح الفوقية والنُّون، وتشديد العين، وكذا ذكره الحميدي والحافظ عبد الحق في كتابيهما «الجمع بين الصحيحين»، وفي رواية مسلم: (في نعله) ؛ بالإفراد، وفي بعض الروايات: (نعليه) ؛ بالتثنية، قال النووي: (وهما صحيحان، ولم ير في شيء من نسخ بلادنا غير هذين الوجهين) ، قلت: الروايات كلها صحيحة؛ فافهم، كذا في «عمدة القاري»، والجار والمجرور في محل النصب على الحال من الضمير المنصوب في (يعجبه) ؛ والتقدير: كان يعجبه التيمن حال كونه لابسًا النعل، ويجوز أن يكون من التيمن؛ أي: يعجبه التيمن حال كون التيمن في تنعله، ويجوز أن يكون ظرفًا لغوًا للتيمن؛ فتأمل.

((و)) في ((ترجُّله)) ؛ بتشديد الجيم المضمومة؛ أي: في تمشيطه الشعر؛ وهو تسريحه، وهو أعم من أن يكون في الرأس أو في اللحية، وقال ابن حجر: (أي: ترجيل شعره؛ وهو تسريحه ودهنه) ، قال في «المشارق»: (رجَّل شعره؛ إذا مشطه بماء أو دهن؛ ليلين، ويرسل الثائر، ويمد المنقبض) انتهى، لكن في «المغرب»: (رجَّل شعره؛ أرسله بالمرجل؛ وهو المشط، وترجَّل: فعل ذلك بنفسه) ، ويقال: شعر رَجَل ورَجِل؛ وهو السبوطة والجعودة، وقد رَجِل رَجَلًا، ورَجَّله هو، ورجُل رَجِل الشعر ورَجَلَ، وجمعهما: أرْجال، ورَجَال، ذكره ابن سيده في «المحكم»، وذكر نحوه في «الصحاح»، و«القاموس»، وغيرها، واللفظ لا يدل على الدهن، فما فسره في «المشارق» وتبعه ابن حجر؛ مبني على العادة النادرة التي لا حكم لها لا اللغة، وكأنهما لم يفرقا بين العادة واللغة، أو هو قول شاذ لبعض أهل اللغة؛ لأنَّ كتب اللغة المشهورة لم تصرح بذلك، وهذا دأب ابن حجر يعتمد على الأقوال الشاذة في اللغة والمذاهب، كما بين ذلك في «كشف الحجاب عن العوام».

((وفي طُهوره)) : زاد أبو داود: (وسواكه) ، و (طُهوره) ؛ بضم الطاء؛ لأنَّ المراد: وفي طهره، وقال الكرماني: ولا يجوز فتحها هنا، واعترضه في «عمدة القاري»: بأنَّه لا نسلِّم هذا على الإطلاق؛ لأنَّ الخليل، والأصمعي، وأبا حاتم السجستاني، والأزهري، وآخرين قد ذهبوا إلى أن (الطَّهور) بالفتح في الفعل الذي هو المصدر، والماء الذي يتطهر به، وقال صاحب «المطالع»: وحُكِي الضم فيهما، والفرق المذكور ذكره ابن الأنباري عن جماعة من أهل اللغة، فإذا كان كذلك؛ فقول الكرماني: (ولا يجوز فتحها) ؛ غير صحيح على الإطلاق، انتهى.

واعتراض صاحب «عمدة القاري» على الكرماني صحيح لا غبار عليه؛ لأنَّ جميع نسخ شرح «الكرماني» هكذا كما علمت، وقال بعضهم: بل في «شرح الكرماني» أنَّه قال: (ولا يجوز فتحها هنا) على ما تقدم من الفرق بينهما على ما هو المشهور، انتهى، قلت: وهذه زيادة من بعض المطلعين على الشرح المذكور لا من أصل المؤلف، وأن أصل الشرح ما ذكره صاحب «عمدة القاري» وهي النسخ المقابلة على أصل المؤلف وعليها خطوط بعض العلماء، فثبت أن هذه الزيادة من غير المؤلف، والاعتراض باق على حاله؛ فليحفظ.

وفي رواية ابن منده: (كان يحب التيامن في الوضوء والانتعال) ، وفيه المطابقة للترجمة؛ لأنَّ الطهور يشمل الوضوء، والغسل، والتيمم، والتخفف، فتسحب البداءة بالجهة اليمنى في الغسل، وباليمين في اليدين والرجلين على اليسرى، وفي «سنن أبي داود» عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا توضأتم؛ فابدؤوا بميامنكم»، وفي أكثر طرقه: (بأيامنكم) ، جمع أيمن؛ إذا لبستم وإذا توضأتم، والأمر فيه للاستحباب، فإن قدَّم اليسرى على اليمنى؛ كره تنزيهًا، ووضوءُه صحيح بإجماع أهل السنة.

وروينا عن علي، وأبي هريرة، وابن مسعود رضي الله عنهم أنهم قالوا: لا يُبَالَى بأيٍّ بدأت، وزعم الشيعة أنَّه واجب، وما نقله المرتضى عن الشافعي: من أنَّه واجب؛ فغلط، وكأنَّه قاسه على وجوب الترتيب عنده.

وقد صحَّف العمراني في «البيان»، والبندنجي في «التجريد» (الشيعة) ؛ بالمعجمة بـ (السبعة) من العدد في نسبتهما القول بالوجوب إلى الفقهاء السبعة، فهو بعيد جدًّا وواه، ووهم الرافعي فنقل عن أحمد: أنَّه واجب؛ لأنَّ صاحب «المغني» قال: لا نعلم في عدم الوجوب خلافًا، وأمَّا الأذنان والخدان؛ فلا يستحب التيامن فيها؛ لأنَّ الأذنين تبع للرأس، وهو عضو واحد، والخدين تبع للوجه، وهو عضو واحد، بل يستحب المعية فيهما، كما قدمناه، فإن كان أقطع ونحوه ولا يمكنه مسحهما معًا؛ فيستحب له أن يبدأ بالأذن اليمنى ثم باليسرى، وكذا يستحب أن يبدأ بالخد الأيمن ثم بالأيسر، كذا يستفاد من «السراج الوهاج» كما نقله في «منهل الطلاب».

وفي الحديث: استحباب البداءة بشق الرأس الأيمن [/ص133/] في الترجل والغسل والحلق، لا يقال: إنه من باب الإزالة فينبغي أن يبدأ بالأيسر؛ لأنَّا نقول: هو من باب التجمل والتزين.

((و)) كذا كان عليه السلام يعجبه التيمن ((في شأنه كلِّه)) : كذا في رواية أبي الوقت: (وفي) ؛ بواو العطف، وهو من عطف العام على الخاص، ولغيره: (في شأنه) ؛ بإسقاطها، وهي رواية الأكثرين بحذف العاطف، أو هو بدل اشتمال من الثلاثة قبله، والشرط في بدل الاشتمال أن يكون المبدل منه مشتملًا على الثاني؛ أي: متقاضيًا له بوجه ما، وهنا كذلك، كما لا يخفى، وإذا لم يكن المبدل منه مشتملًا على الثاني؛ يكون بدل الغلط، وقد يقع في الكلام الفصيح قليلًا، فلا ينافي البلاغة، أو هو بدل كلٍّ من كلٍّ، كما نقله ابن حجر عن الطيبي، وعبارته: قوله: (في شأنه) بدل من قوله: (في تنعُّله) بإعادة العامل، وكأنَّه ذكر التنعُّل؛ لتعلقه بالرجل، والترجُّل؛ لتعلقه بالرأس، والطهور؛ لكونه مفتاح العبادة، فكأنه نبه على جميع الأعضاء، فهو كبدل الكلِّ من الكلِّ، ثم قال ابن حجر: قلت: ووقع في رواية مسلم تقديم قوله: (في شأنه كله) على قوله: (في تنعله...) إلخ، وعليها شرح الطيبي، واعترضه في «عمدة القاري»: بأن كلام الطيبي ليس هو على رواية المؤلف بل على رواية مسلم، ولفظها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيمن في شأنه كلِّه؛ في طهوره، وترجُّله، وتنعله) ، فقال الطيبي في شرحه لذلك: قوله: (في طهوره، وترجُّله، وتنعله) بدل من قوله: (في شأنه) بإعادة العامل، فكأن ابن حجر لم يفهم مراد الطيبي، ولم يعلم المتن، فظن أن كلام الطيبي في الرواية التي فيها ذكر الشأن متأخرًا كرواية المؤلف هنا، فركب متن عمياء وخبط خبط عشواء؛ فتأمل، وهو بدل كل من بعض؛ كقوله تعالى: {فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا جَنَّاتِ عَدْنٍ} [مريم: 60،61] ، وكقول الشاعر:

~نضر الله أعظمًا دفنوها بسجستان طلحة الطلحات

أو يقدَّر لفظ: يعجبه التيمن، فتكون الجملة بدلًا من الجملة، أو هو متعلق بـ (يعجبه) لا بـ (التيمن) ؛ والتقدير: يعجبه في شأنه كلِّه التيمن في تنعله...إلخ؛ أي: لا يترك ذلك في سفر، ولا حضر، ولا في فراغه، واشتغاله، قاله ابن حجر والكرماني، واعترضهما في «عمدة القاري»: بأنَّه يلزم من ذلك أن يكون إعجابه التيمن في هذه الثلاثة مخصوصة في حالاته كلها، وليس كذلك، بل كان يعجبه التيمن في كلِّ الأشياء في جميع الحالات، ألا ترى أنَّه أكَّد الشأن بمؤكِّد، والشأن: بمعنى الحال؛ والمعنى: يعجبه التيمن في جميع حالاته؛ فافهم.

وتأكيد الشأن بقوله: (كلِّه) يدل على العموم، فيدخل فيه نحو لبس الثياب، والسراويل، والخفاف، ودخول المسجد، والصلاة على ميمنة الإمام، وميمنة المسجد، والأكل، والشرب، والاكتحال، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، واللحية، ونتف الإبط، وحلق الرأس والعانة، والخروج من الخلاء والحمام، وغير ذلك مما في معناه إلا ما خص بدليل خارجي؛ كدخول الخلاء، والخروج من المسجد، والامتخاط، والاستنجاء، وخلع الثياب، والسراويل، وغير ذلك، وإنَّما استحب فيها التياسر؛ لأنَّه من باب الإزالة، والقاعدة: أنَّ كلَّ ما كان من باب التكريم والتزين؛ فباليمين، وإلا؛ فباليسار، ولا يقال: حلق الرأس من باب الإزالة، فيبدأ فيه بالأيسر؛ لأنَّه من باب التزين، وقد ثبت الابتداء فيه بالأيمن، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.