إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أتى النبي الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار

156- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية الجعفيُّ المكيُّ [1] الكوفيُّ (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعيِّ؛ بفتح السِّين المُهمَلَة وكسر المُوحَّدة التَّابعيِّ، وما ذُكِر [2] من كون زهيرٍ سمع من أبي إسحاق بأخَرةٍ لا يقدح لثبوت سماعه منه هذا
ج1ص242
الحديث قبل الاختلاط بطرقٍ متعدِّدةٍ (قَالَ) أي: أبو إسحاق (لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ) عامر بن عبد الله بن مسعود (ذَكَرَهُ) لي (وَلَكِنْ) ذكره لي، أو [3] حدَّثني به (عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الأَسْوَدِ) المُتوفَّى سنة تسعٍ وتسعين، أي: لست أرويه الآن عن أبي عبيدة، وإنَّما أرويه عن عبد الرَّحمن بن الأسود (عَنْ أَبِيهِ) الأسود بن يزيدَ النَّخعيِّ الكوفيِّ، صاحب ابن مسعودٍ، وقد اختُلِف فيه على أبي إسحاق، فرواه إسرائيل عنه عن أبي عبيدة عن أبيه، وابن مغولٍ [4] وغيره عنه [5] عن الأسود عن أبيه عن عبد الله، من غير ذكر عبد الرَّحمن، ورواه زكريَّا بن أبي زائدة عنه، عن عبد الرَّحمن بن يزيد، عنِ الأسود، ومعمرٌ عنه، عن علقمة، عن عبد الله، ويونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، ومن ثمَّ انتقده الدَّارقُطنيُّ على المؤلِّف، لكنَّه [6] قال: أحسنها سياقًا الطَّريق التي أخرجها البخاريُّ، لكن في النَّفس منه شيءٌ لكثرة الاختلاف فيه على أبي إسحاق، وأُجِيب: بأنَّ الاختلاف على الحفَّاظ لا يوجب الاضطراب إلَّا مع استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجح أحد الأقوال قُدِّم، ومع الاستواء لا بدَّ أن يتعذَّر الجمع على قواعد المحدِّثين، وهنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه لأنَّ الرِّوايات المختلفة عنه لا يخلو إسنادٌ منها عن مقالٍ غير طريق زهيرٍ وإسرائيل، مع أنَّه يمكن ردُّ أكثر الطُّرق إلى رواية زهيرٍ، وقد تابع زهيرًا يوسفُ بنُ إسحاق كما سيأتي، وهو يقتضي تقديم رواية زهيرٍ (أَنَّهُ) بفتح الهمزة بتقدير المُوحَّدة، أي: الأسودَ (سَمِعَ عَبْدَ اللهِ) بن مسعودٍ رضي الله عنه (يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم الْغَائِطَ) أي: الأرض المطمئنَّة لقضاء حاجته، فالمُرَاد به: معناه اللُّغويُّ (فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ) أي: فأمرني بإتيان ثلاثة أحجارٍ، وفي طلبه الثَّلاثةَ دليلٌ على اعتبارها، وإلَّا لَمَا طلبها، وفي حديث سلمان: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نكتفيَ بدون ثلاثة أحجارٍ كما [7] رواه مسلمٌ وأحمد، قال عبد الله ابن مسعود [8] رضي الله عنه: (فَوَجَدْتُ) أي: أصبت (حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ) أي: طلبت الحجر (الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ) بالضَّمير المنصوب، أي: الحجرَ، ولأبي ذَرٍّ: ((فلم أجد)) بحذفه (فَأَخَذْتُ رَوْثَةً) زاد ابن خزيمة في روايةٍ له في هذا الحديث: أنَّها كانت روثة حمارٍ (فَأَتَيْتُهُ) عليه الصلاة والسلام (بِهَا) أي: بالثَّلاثة (فَأَخَذَ) عليه الصلاة والسلام (الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ) بكسر الرَّاء، أي: رِجْسٌ، كما في رواية ابن خزيمة وابن ماجه في هذا الحديث، أو طعام الجنِّ، وعُزِيَ للنَّسائيِّ، أو الرَّجيع رُدَّ من حالة الطَّهارة إلى حالة النَّجاسة، قاله الخطَّابيُّ، وذكَّر إشارة [9] الرَّوثة باعتبار تذكير الخبر، على حدِّ قوله تعالى: {هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 78] وفي بعض النُّسخ: ((هذه ركسٌ)) على الأصل، فإن قلت: ما وجه إتيانه بالرَّوثة بعد أمره عليه الصلاة والسلام له بالأحجار؟ أُجِيب: بأنَّه قاس الرَّوث على الحجر بجامع الجمود، فقطع صلى الله عليه وسلم قياسه بالفرق أو بإبداء المانع، ولكنَّه ما قاسه إلَّا لضرورة عدم المنصوص [10] عليه، وزاد في رواية الأَصيليِّ وابن عساكر وأبوي ذَرٍّ والوقت [11]: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ) بن إسحاقَ السَّبيعيُّ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وتسعين ومئةٍ (عَنْ أَبِيهِ) يوسف بن إسحاق بن [12] أبي إسحاق الكوفيِّ الحافظ، المُتوفَّى في زمن أبي جعفرٍ المنصور، أو سنة سبعٍ وخمسين ومئةٍ (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هو ابن الأسود بن [13] يزيد [14]، أي: بالإسناد السَّابق، وأراد المؤلِّف بهذا التَّعليق الرَّدَّ على من زعم أنَّ أبا إسحاقَ دلَّس هذا الخبر، وفي ذكر مبحث ذلك طولٌ يخرج عن غرض الاختصار، وقد استدلَّ الطَّحاويُّ بقوله: «وألقى الرَّوثة» على عدم اشتراط الثَّلاث في الاستنجاء، وعَلَّل [15]: بأنَّه لو كان مشترطًا [16] لطلب ثالثًا، وهو مذهب مالكٍ وأبي حنيفة وداودَ، وأُجِيب: بأنَّ في رواية أحمد في «مُسنَده» بإسنادٍ رجالهُ ثقاتٌ أثباتٌ عن ابن مسعودٍ في هذا الحديث: «فألقى الرَّوثة»، وقال: «إنَّها ركسٌ، ائتني بحجرٍ»، أو أنَّه عليه الصلاة والسلام اكتفى بطرف أحد الحجرين عنِ الثَّالث لأنَّ المقصود بالثَّلاثة أن يمسح بها ثلاث مسحاتٍ، وذلك حاصلٌ ولو بواحدٍ له ثلاثة أطرافٍ [17]، وتأتي بقيَّة المباحث قريبًا إن شاء الله تعالى بحمد الله وعونه [18].
ج1ص243


[1] «المكيُّ»: سقط من (ص) و(م).
[2] في (د) و(ص): «ذكره».
[3] في (ب) و(س): «و».
[4] في (د): «معزل»، وهو تحريفٌ.
[5] «عنه»: سقط من (د).
[6] في (م): «لكن».
[7] «كما»: سقط من (ص) و(م).
[8] في غير (ب) و(س): «أبو هريرة»، وهذا خطأٌ.
[9] في غير (ب) و(س): «ضمير».
[10] في هامش (م): (التَّسوية. صحَّ).
[11] زيد في (ب): «وقال».
[12] «إسحاق بن»: سقط من (س).
[13] «ابن»: سقط من (س).
[14] في (د): «يريد»، وهو تصحيفٌ.
[15] في (ب) و(س): «علَّله».
[16] في غير (ص) و(م): «شرطًا».
[17] في غير (ب) و(س): «أحرف».
[18] «بحمد الله وعونه»: سقط من (س).