متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

156- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية، الجعفيُّ المكيُّ [1] الكوفيُّ، (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعيِّ؛ بفتح السِّين المُهمَلَة، وكسر المُوحَّدة، التَّابعيِّ، وما ذُكِر [2] من كون زهيرٍ سمع من أبي إسحاق بأخَرةٍ لا يقدح؛ لثبوت سماعه منه هذا [/ج1ص242/]

الحديث قبل الاختلاط بطرقٍ متعدِّدةٍ، (قَالَ)؛ أي: أبو إسحاق (لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ) عامر بن عبد الله بن مسعود (ذَكَرَهُ) لي (وَلَكِنْ) ذكره لي، أو [3] حدَّثني به (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ)، المُتوفَّى سنة تسعٍ وتسعين؛ أي: لست أرويه الآن عن أبي عبيدة، وإنَّما أرويه عن عبد الرَّحمن بن الأسود، (عَنْ أَبِيهِ) الأسود بن يزيدَ النَّخعيِّ الكوفيِّ، صاحب ابن مسعودٍ، وقد اختُلِف فيه على أبي إسحاق، فرواه إسرائيل عنه عن أبي عبيدة عن أبيه، وابن مغولٍ [4] وغيره عنه [5] عن الأسود عن أبيه عن عبد الله، من غير ذكر عبد الرَّحمن، ورواه زكريَّا بن أبي زائدة عنه، عن عبد الرَّحمن بن يزيد، عنِ الأسود، ومعمرٌ عنه، عن علقمة، عن عبد الله، ويونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، ومن ثمَّ انتقده الدَّارقُطنيُّ على المؤلِّف، لكنَّه [6] قال: أحسنها سياقًا الطَّريق التي أخرجها البخاريُّ، لكن في النَّفس منه شيءٌ؛ لكثرة الاختلاف فيه على أبي إسحاق، وأُجِيب: بأنَّ الاختلاف على الحفَّاظ لا يوجب الاضطراب إلَّا مع استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجح أحد الأقوال؛ قُدِّم، ومع الاستواء لا بدَّ أن يتعذَّر الجمع على قواعد المحدِّثين، وهنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه؛ لأنَّ الرِّوايات المختلفة عنه لا يخلو إسنادٌ منها عن مقالٍ غير طريق زهيرٍ وإسرائيل، مع أنَّه يمكن ردُّ أكثر الطُّرق إلى رواية زهيرٍ، وقد تابع زهيرًا يوسف بن إسحاق كما سيأتي، وهو يقتضي تقديم رواية زهيرٍ، (أَنَّهُ) بفتح الهمزة بتقدير المُوحَّدة؛ أي: الأسود (سَمِعَ عَبْدَ اللهِ) بن مسعودٍ رضي الله عنه (يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْغَائِطَ)؛ أي: الأرض المطمئنَّة؛ لقضاء حاجته، فالمُرَاد به: معناه اللُّغويُّ، (فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ)؛ أي: فأمرني بإتيان ثلاثة أحجارٍ، وفي طلبه الثَّلاثةَ دليلٌ على اعتبارها، وإلَّا؛ لَمَا طلبها، وفي حديث سلمان: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نكتفيَ بدون ثلاثة أحجارٍ، كما [7] رواه مسلمٌ وأحمد، قال عبد الله بن مسعود [8] رضي الله عنه: (فَوَجَدْتُ)؛ أي: أصبت (حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ)؛ أي: طلبت الحجر (الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ)؛ بالضَّمير المنصوب؛ أي: الحجرَ، ولأبي ذَرٍّ: ((فلم أجد))؛ بحذفه، (فَأَخَذْتُ رَوْثَةً)، زاد ابن خزيمة في روايةٍ له في هذا الحديث: أنَّها كانت روثة حمارٍ (فَأَتَيْتُهُ) عليه الصلاة والسلام (بِهَا)؛ أي: بالثَّلاثة، (فَأَخَذَ) عليه الصلاة والسلام (الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ)؛ بكسر الرَّاء؛ أي: رِجْسٌ، كما في رواية ابن خزيمة وابن ماجه في هذا الحديث، أو طعام الجنِّ، وعُزِيَ للنَّسائيِّ، أو الرَّجيع رُدَّ من حالة الطَّهارة إلى حالة النَّجاسة، قاله الخطَّابيُّ، وذكَّر إشارة [9] الرَّوثة باعتبار تذكير الخبر، على حدِّ قوله تعالى: {هذا ربِّي} [الأنعام: 78] وفي بعض النُّسخ: ((هذه ركسٌ)) على الأصل، فإن قلت: ما وجه إتيانه بالرَّوثة بعد أمره عليه الصلاة والسلام له بالأحجار؟ أُجِيب: بأنَّه قاس الرَّوث على الحجر؛ بجامع الجمود، فقطع صلى الله عليه وسلم قياسه بالفرق أو بإبداء المانع، ولكنَّه ما قاسه إلَّا لضرورة عدم المنصوص [10] عليه، وزاد في رواية الأَصيليِّ وابن عساكر وأبوي ذَرٍّ والوقت [11] : (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ) بن إسحاقَ، السَّبيعيُّ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وتسعين ومئةٍ، (عَنْ أَبِيهِ) يوسف بن إسحاق بن [12] أبي إسحاق الكوفيِّ الحافظ، المُتوفَّى في زمن أبي جعفرٍ المنصور، أو سنة سبعٍ وخمسين ومئةٍ، (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هو ابن الأسود بن [13] يزيد [14] ؛ أي: بالإسناد السَّابق، وأراد المؤلِّف بهذا التَّعليق الرَّدَّ على من زعم أنَّ أبا إسحاقَ دلَّس هذا الخبر، وفي ذكر مبحث ذلك طولٌ يخرج عن غرض الاختصار، وقد استدلَّ الطَّحاويُّ بقوله: «وألقى الرَّوثة» على عدم اشتراط الثَّلاث في الاستنجاء، وعَلَّل [15] : بأنَّه لو كان مشترطًا [16] ؛ لطلب ثالثًا، وهو مذهب مالكٍ وأبي حنيفة وداودَ، وأُجِيب: بأنَّ في رواية أحمد في «مُسنَده» بإسنادٍ رجالهُ ثقاتٌ أثباتٌ عن ابن مسعودٍ في هذا الحديث: «فألقى الرَّوثة»، وقال: «إنَّها ركسٌ، ائتني بحجرٍ»، أو أنَّه عليه الصلاة والسلام اكتفى بطرف أحد الحجرين عنِ الثَّالث؛ لأنَّ المقصود بالثَّلاثة أن يمسح بها ثلاث مسحاتٍ، وذلك حاصلٌ ولو بواحدٍ له ثلاثة أطرافٍ [17] ، وتأتي بقيَّة المباحث قريبًا إن شاء الله تعالى بحمد الله وعونه [18] .

[1] «المكيُّ»: سقط من (ص) و(م).
[2] في (د) و(ص): «ذكره».
[3] في (ب) و(س): «و».
[4] في (د): «معزل»، وهو تحريفٌ.
[5] «عنه»: سقط من (د).
[6] في (م): «لكن».
[7] «كما»: سقط من (ص) و(م).
[8] في غير (ب) و(س): «أبو هريرة»، وهذا خطأٌ.
[9] في غير (ب) و(س): «ضمير».
[10] في هامش (م): «التَّسوية. صحَّ».
[11] زيد في (ب): «وقال».
[12] «إسحاق بن»: سقط من (س).
[13] «ابن»: سقط من (س).
[14] في (د): «يريد»، وهو تصحيفٌ.
[15] في (ب) و(س): «علَّله».
[16] في غير (ص) و(م): «شرطًا».
[17] في غير (ب) و(س): «أحرف».
[18] «بحمد الله وعونه»: سقط من (س).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

156-. حدَّثنا [1] أبو نُعَيْمٍ، قالَ: حدَّثنا زُهَيْرٌ، عن أَبِي إِسْحاقَ، قالَ: لَيْسَ أبو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ، وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ الأَسْوَدِ، عن أَبِيهِ:

أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالثَ فَلَم أَجِدْهُ [2] ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بها، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ، وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وقالَ: «هَذَا رِكْسٌ». [3]

[1] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت قبلَ هذا الحديث زيادة: «بابٌ: لا يُسْتَنْجَىَ بَرَوْثٍ». ولفظة: «باب» ليست في رواية الأصيلي.
[2] في رواية أبي ذر: «فلم أَجِد».
[3] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت زيادة: «وقال إِبراهِيمُ بنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبي إِسحاق: حَدَّثَني عَبدُ الرَّحمَنِ». وانظر تغليق التعليق: 2/102.





156- ( الرِّكس ): بكسر الراء: الرَّجيع، أي: رَدَّه من حال الطهارة إلى النجاسة.


156# (وَقَالَ: هَذَا رِجْسٌ) أي: نجس أو قذرٌ، وعند أبي ذرٍّ: <ركسٌ> بالكاف؛ أي: رَدٌّ عليكَ؛ من قوله تعالى: {أُرْكِسُوا فِيهَا} أي [1] : ردُّوا [النساء:91]، وقيل: رجيع؛ أي: ردٌّ من حال الطَّهارة إلى حال النَّجاسة.

قال ابن المنيِّر: ووجهُ إتيانه بالرَّوثة بعدَ أمرهِ بالأحجار: أنه قاسَ الروثَ على الحجر بجامع الجمود، فقطع عليه السلام قياسَه بالفرق، أو بإبداء المانع، ولكنَّه ما قاسه [2] إلَّا لضرورة عدم المنصوص عليه.

[1] ((أي)): ليست في (م) و(ج).
[2] في (ق): ((قاس)).





156- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ): تقدَّم أنَّه الفضل بن دُكَين، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ): هو ابن معاوية بن حُدَيْجٍ الحافظ أبو خيثمة الجعفيُّ الكوفيُّ، شيخ الجزيرة، ثقة حجَّة [1] حافظ، توفِّي سنة (173 هـ ) ، أخرج له الجماعة، له ترجمة في «الميزان»، وصحَّح عليه، وفي حديثه عن أبي إسحاق لين، سمع منه بأخَرَةَ، وقال العُقيليُّ [2] : (ثقة إلَّا أنَّه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط) ، وقال الذَّهبيُّ: (قلت: لين روايته عن أبي إسحاق من قِبَلِ أبي إسحاق لا من قِبَلِه) انتهى، وقد قال غير واحد: إنَّ زهيرًا سمع منه بعد الاختلاط، قال صالح بن أحمد ابن حنبل عن أبيه: (في حديثه عن أبي إسحاق لينٌ، سمع منه بأخَرَةَ) ، وقال أبو زرعة: (ثقة إلَّا أنَّه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط) ، وقال أبو حاتم: (هو أحبُّ إلينا من إسرائيل في كلِّ شيء إلَّا في حديث أبي إسحاق) ، وقال أيضًا: (زهير ثقة، مُتقِنٌ، صاحب سنَّة، تأخَّر سماعه من أبي إسحاق) ، وقال ابن معين: (زكريَّا وزهير وإسرائيل [3] حديثهم في أبي إسحاق قريب من السواء) ، وقال التِّرمذيُّ: (زهير في أبي [4] إسحاق ليس بذاك؛ لأنَّ سماعه منه بأخرة) ، وروايته عنه في «البخاريِّ» و«مسلم».

قوله: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ): تقدَّم أنَّه عمرو بن عبد الله السَّبيعيُّ، تقدَّم بعض ترجمته، وضُبِط نسبُه، ولماذا نُسِب، وهو من أئمَّة التَّابعين بالكوفة وأثباتهم، إلا أنَّه شاخ ونسي، قال الذَّهبيُّ: (ولم يختلط) انتهى.

قوله: (لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ، وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ): أمَّا (أبو عُبيدة) ؛ فهو بضمِّ العين، واسمه عامر بن عبد الله بن مسعود، وقيل: اسمه كنيته، وفي سماعه من أبيه اختلاف، وروايته عن أبيه في «السُّنن الأربعة»، قال أبو حاتم والجماعة: (إنَّه لَمْ يسمع منه شيئًا) ، وقد روى شعبة عن عمرو بن مرَّة قال: (سألت أبا عُبيدة هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: ما أذكر منه شيئًا) ، وقد روى عبد الواحد بن زياد، عن أبي مالك الأشجعيِّ، عن أبي عبيدة قال: (خرجت مع أبي لصلاة الصبح) ، فضعَّف أبو حاتم هذه الرِّواية، وقد قال بعضهم: إنَّ قول أبي إسحاق ليس أبو عبيدة ذكره، ولكنْ عبدُ الرَّحمن بن الأسود: إنَّه تدليس، وأبو إسحاق مُدلِّس، وقد نقل [5] شيخنا الشَّارح عنِ ابن الشاذكونيِّ قال: (ما سمعت بتدليس قطُّ أعجب من هذا ولا أخفى) ، قال أبو عبيدة: (لَمْ يحدِّثني، ولكن: «عبد الرَّحمن عن فلان»، ولم يقل: «حدَّثني»، فجاز الحديث وسار) ، وقد تعقَّبه شيخنا المشار إليه بأن قال: (قلت: بل قال: حدَّثني، كما رواه إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عنه كما سلف من عند البخاريِّ) انتهى، ويعني بهذا المكان الآتي في طرف [6] هذا الحديث وهو المعلَّق: قال إبراهيم بن يوسف، عن أبيه، عن أبي إسحاق: حدَّثني عبد الرَّحمن، انتهى، وإبراهيم: هذا هو ابن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السَّبيعيِّ، روى عن أبيه، وجدِّه، وعنه: أبو كريب، وجماعة، لُيِّن، وله ترجمة في «الميزان»، فيها روى [7] عبَّاس عن يحيى: ليس بشيء، وقال الجُوزْجانيُّ: (ضعيف) ، وقال النَّسائيُّ: (ليس بالقويِّ) ، وقال أبو داود: (ضعيف) ، وقال أبو حاتم: (يكتب حديثه) ، مات مع سفيان بن عيينة في عامٍ سنةَ (198 هـ ) ، أخرج له البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وقد تقدَّم من كلام ابن المفضَّل [8] المقدسيِّ: (أنَّ من روى له الشيخان أو أحدهما؛ فقد جاز القنطرة) انتهى، لكن إبراهيم هذا قال أبو نعيم: (إنَّه لَمْ يسمع من أبيه شيئًا، وقد علذَق عنه بصيغة الجزم، فمن البخاريِّ إلى إبراهيم؛ صحيح، ويبقى الشأن من إبراهيم إلى عبد الرَّحمن؛ فهذا تارة يكون صحيحًا، وتارة يكون فيه شيء، والله أعلم، وتعليق إبراهيم هذا لَمْ أره في شيء من الكتب السِّتَّة إلا ما هنا، ولم أرَ شيخنا عزاه.

وأمَّا رواية أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود هذا الحديث؛ فرواه التِّرمذيُّ منفردًا به [9] من طريق إسرائيل، عن أبي عبيدة، عن أبيه، والله أعلم.

قوله: (سَمِعَ عَبْدَ اللهِ): تقدَّم أعلاه أنَّه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

قوله: (فَأَخَذْتُ رَوْثَةً): قال شيخنا الشَّارح: (إنَّ ابن خزيمة روى في «صحيحه» من حديث زياد بن الحسن، عن أبيه، عن جدِّه، عن عبد الرَّحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله قال: أراد النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ يتبرَّز، فقال: «ائتني بثلاثة أحجار»، فوجدت حجرين وروثة حمار...) ؛ الحديث.

قوله: (رِكْسٌ): هو بكسر الرَّاء، ثمَّ كاف ساكنة، ثمَّ سين مهملة، وهو كقوله: (رجيع) ؛ يعني: نجسًا؛ لأنَّها رُكِست؛ أي: رُدَّت في النجاسة بعد أنْ كانت طعامًا.

قوله: (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ [10] ): تقدَّم الكلام عليه أعلاه وعلى حديثه، وتقدَّم بعض ترجمته؛ فانظره في قوله: (ليس أبو عبيدة ذكره) ، وتعليقه هذا تقدَّم الكلام عليه [11] .

[1] (حجة): ليس في (ب) .
[2] في (ب): (الفضلي) .
[3] (وإسرائيل): ليس في (ج) .
[4] (أبي): ليس في (ب) .
[5] في (ب): (ذكر) .
[6] في (ج): (طرق) .
[7] زيد في (ب): (ابن) ، ولا يصح.
[8] في (ج): (الفضل) .
[9] (به): ليس في (ب) .
[10] في هامش (ق): (بن إسحاق بن أبي إسحاق السَّبِيعي) .
[11] في (ب): (عليها) .





156- (أَنْ آتِيَهُ): (أَنْ) مصدريَّةٌ صلةٌ لـ (الأمرِ) ؛ أي: أمرني بإتيانِ الأحجارِ، لا مفسِّرةٌ، بخلافِ (أَمَرْتُهُ أَنِ افْعَلْ)، فإنَّها تَحتملُ أنْ تكونَ صلةً، وأنْ تكونَ مفسِّرةً؛ قاله [الكرمانيُّ، قال] [1] البِرْماويُّ: (قلتُ: بلْ أبو حيَّانَ يمنعُ أنْ تُوصلَ «أَنْ» المصدريَّةُ بفعلِ الأمر، ويَرُدُّ ما وَرَدَ من ذلك إلى «أَنْ» التَّفسيريَّةِ، ويؤوِّلُ كلامَ سيبويه في حكايتِه: «كتبتُ إليه بأَنْ قُمْ» على أنَّ الباء زائدةٌ) انتهى.

[1] ما بين معقوفين ساقط من النسختين، ولا بُدَّ منه.





156- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَيْنٍ، (قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابن معاوية، الجعفيُّ المكيُّ [1] الكوفيُّ، (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعيِّ؛ بفتح السِّين المُهمَلَة، وكسر المُوحَّدة، التَّابعيِّ، وما ذُكِر [2] من كون زهيرٍ سمع من أبي إسحاق بأخَرةٍ لا يقدح؛ لثبوت سماعه منه هذا [/ج1ص242/]

الحديث قبل الاختلاط بطرقٍ متعدِّدةٍ، (قَالَ)؛ أي: أبو إسحاق (لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ) عامر بن عبد الله بن مسعود (ذَكَرَهُ) لي (وَلَكِنْ) ذكره لي، أو [3] حدَّثني به (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ)، المُتوفَّى سنة تسعٍ وتسعين؛ أي: لست أرويه الآن عن أبي عبيدة، وإنَّما أرويه عن عبد الرَّحمن بن الأسود، (عَنْ أَبِيهِ) الأسود بن يزيدَ النَّخعيِّ الكوفيِّ، صاحب ابن مسعودٍ، وقد اختُلِف فيه على أبي إسحاق، فرواه إسرائيل عنه عن أبي عبيدة عن أبيه، وابن مغولٍ [4] وغيره عنه [5] عن الأسود عن أبيه عن عبد الله، من غير ذكر عبد الرَّحمن، ورواه زكريَّا بن أبي زائدة عنه، عن عبد الرَّحمن بن يزيد، عنِ الأسود، ومعمرٌ عنه، عن علقمة، عن عبد الله، ويونس بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، ومن ثمَّ انتقده الدَّارقُطنيُّ على المؤلِّف، لكنَّه [6] قال: أحسنها سياقًا الطَّريق التي أخرجها البخاريُّ، لكن في النَّفس منه شيءٌ؛ لكثرة الاختلاف فيه على أبي إسحاق، وأُجِيب: بأنَّ الاختلاف على الحفَّاظ لا يوجب الاضطراب إلَّا مع استواء وجوه الاختلاف، فمتى رجح أحد الأقوال؛ قُدِّم، ومع الاستواء لا بدَّ أن يتعذَّر الجمع على قواعد المحدِّثين، وهنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه؛ لأنَّ الرِّوايات المختلفة عنه لا يخلو إسنادٌ منها عن مقالٍ غير طريق زهيرٍ وإسرائيل، مع أنَّه يمكن ردُّ أكثر الطُّرق إلى رواية زهيرٍ، وقد تابع زهيرًا يوسف بن إسحاق كما سيأتي، وهو يقتضي تقديم رواية زهيرٍ، (أَنَّهُ) بفتح الهمزة بتقدير المُوحَّدة؛ أي: الأسود (سَمِعَ عَبْدَ اللهِ) بن مسعودٍ رضي الله عنه (يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْغَائِطَ)؛ أي: الأرض المطمئنَّة؛ لقضاء حاجته، فالمُرَاد به: معناه اللُّغويُّ، (فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ)؛ أي: فأمرني بإتيان ثلاثة أحجارٍ، وفي طلبه الثَّلاثةَ دليلٌ على اعتبارها، وإلَّا؛ لَمَا طلبها، وفي حديث سلمان: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نكتفيَ بدون ثلاثة أحجارٍ، كما [7] رواه مسلمٌ وأحمد، قال عبد الله بن مسعود [8] رضي الله عنه: (فَوَجَدْتُ)؛ أي: أصبت (حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ)؛ أي: طلبت الحجر (الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ)؛ بالضَّمير المنصوب؛ أي: الحجرَ، ولأبي ذَرٍّ: ((فلم أجد))؛ بحذفه، (فَأَخَذْتُ رَوْثَةً)، زاد ابن خزيمة في روايةٍ له في هذا الحديث: أنَّها كانت روثة حمارٍ (فَأَتَيْتُهُ) عليه الصلاة والسلام (بِهَا)؛ أي: بالثَّلاثة، (فَأَخَذَ) عليه الصلاة والسلام (الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ)؛ بكسر الرَّاء؛ أي: رِجْسٌ، كما في رواية ابن خزيمة وابن ماجه في هذا الحديث، أو طعام الجنِّ، وعُزِيَ للنَّسائيِّ، أو الرَّجيع رُدَّ من حالة الطَّهارة إلى حالة النَّجاسة، قاله الخطَّابيُّ، وذكَّر إشارة [9] الرَّوثة باعتبار تذكير الخبر، على حدِّ قوله تعالى: {هذا ربِّي} [الأنعام: 78] وفي بعض النُّسخ: ((هذه ركسٌ)) على الأصل، فإن قلت: ما وجه إتيانه بالرَّوثة بعد أمره عليه الصلاة والسلام له بالأحجار؟ أُجِيب: بأنَّه قاس الرَّوث على الحجر؛ بجامع الجمود، فقطع صلى الله عليه وسلم قياسه بالفرق أو بإبداء المانع، ولكنَّه ما قاسه إلَّا لضرورة عدم المنصوص [10] عليه، وزاد في رواية الأَصيليِّ وابن عساكر وأبوي ذَرٍّ والوقت [11] : (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ) بن إسحاقَ، السَّبيعيُّ الهَمْدانيُّ الكوفيُّ، المُتوفَّى سنة ثمانٍ وتسعين ومئةٍ، (عَنْ أَبِيهِ) يوسف بن إسحاق بن [12] أبي إسحاق الكوفيِّ الحافظ، المُتوفَّى في زمن أبي جعفرٍ المنصور، أو سنة سبعٍ وخمسين ومئةٍ، (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ) هو ابن الأسود بن [13] يزيد [14] ؛ أي: بالإسناد السَّابق، وأراد المؤلِّف بهذا التَّعليق الرَّدَّ على من زعم أنَّ أبا إسحاقَ دلَّس هذا الخبر، وفي ذكر مبحث ذلك طولٌ يخرج عن غرض الاختصار، وقد استدلَّ الطَّحاويُّ بقوله: «وألقى الرَّوثة» على عدم اشتراط الثَّلاث في الاستنجاء، وعَلَّل [15] : بأنَّه لو كان مشترطًا [16] ؛ لطلب ثالثًا، وهو مذهب مالكٍ وأبي حنيفة وداودَ، وأُجِيب: بأنَّ في رواية أحمد في «مُسنَده» بإسنادٍ رجالهُ ثقاتٌ أثباتٌ عن ابن مسعودٍ في هذا الحديث: «فألقى الرَّوثة»، وقال: «إنَّها ركسٌ، ائتني بحجرٍ»، أو أنَّه عليه الصلاة والسلام اكتفى بطرف أحد الحجرين عنِ الثَّالث؛ لأنَّ المقصود بالثَّلاثة أن يمسح بها ثلاث مسحاتٍ، وذلك حاصلٌ ولو بواحدٍ له ثلاثة أطرافٍ [17] ، وتأتي بقيَّة المباحث قريبًا إن شاء الله تعالى بحمد الله وعونه [18] .

[1] «المكيُّ»: سقط من (ص) و(م).
[2] في (د) و(ص): «ذكره».
[3] في (ب) و(س): «و».
[4] في (د): «معزل»، وهو تحريفٌ.
[5] «عنه»: سقط من (د).
[6] في (م): «لكن».
[7] «كما»: سقط من (ص) و(م).
[8] في غير (ب) و(س): «أبو هريرة»، وهذا خطأٌ.
[9] في غير (ب) و(س): «ضمير».
[10] في هامش (م): «التَّسوية. صحَّ».
[11] زيد في (ب): «وقال».
[12] «إسحاق بن»: سقط من (س).
[13] «ابن»: سقط من (س).
[14] في (د): «يريد»، وهو تصحيفٌ.
[15] في (ب) و(س): «علَّله».
[16] في غير (ص) و(م): «شرطًا».
[17] في غير (ب) و(س): «أحرف».
[18] «بحمد الله وعونه»: سقط من (س).





156- ( الأَسْوَدِ ): هو ابن يزيد النَّخعيُّ.

( فَلَمْ أَجِدْ ) للكُشْمِيهنيِّ: «فلم أجده».

( رَوْثَةً ) زاد ابن خزيمة: «روثة حمار»، ونقل التَّيميُّ أنَّ الرَّوث يختصُّ بما يكون في الخيل والحمير.

( رِكْسٌ ): بكسر الرَّاء وسكون الكاف، قيل: لغة في الرِّجس بالجيم، ويدلُّ عليه رواية ابن خزيمة له بالجيم، وقيل: هو الرَّجيع رُدَّ من حالة الطَّهارة إلى حالة النَّجاسة، أو من حالة الطَّعام إلى حالة الرَّوث. [/ج1ص309/]


(باب الاستنجاء بروث) [1]

45/156# قال أبو عبد الله: حدَّثنا أبو نُعَيْمٍ، قالَ: حدَّثنا زُهَيْرٌ، عن أَبِي إِسْحاقَ، قالَ: لَيْسَ أبو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ، وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ [2] ، عن أَبِيهِ:

أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: أَتَى

@%ص62%

النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الغَائطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، فَالتَمَسْتُ الثَّالثَ فَلَم أَجِدْهُ [3] ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً [4] فَأَتَيْتُهُ بها، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وقالَ: «هَذَا رِكْسٌ».

قوله: (أمرني أن آتيه بثلاثة أحجار) فيه إيجاب عدد الثلاث في الاستنجاء؛ إذ [5] كان معقولاً أنَّه إنَّما استدعاها ليَستَنجي بها كلَّها.

وليس في قوله: (فأخذ الحجرين وألقى الرَّوثة) دليلٌ على أنَّه اقتصر عليهما؛ لجواز أن يكون بحضرته ثالث [6] فيكون قد استوفاها عدداً.

ويدلُّ على ذلك خبر سلمان رضي الله عنه ، قال: نهانا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة، أو نستَنْجِي بأيماننا، أو نكتفي بدون ثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع ولا عظم. [7] وهو خبر لم يختلف أهلُ الحديث في صحَّة سنده واتَّصاله من طريق [8] الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن سلمان.

وخبر أبي هريرة قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم : «إنَّما أنا لكم مثل الوالد، فلا يستقبلْ أحدكم القبلةَ ولا يستدبرها _يعني: في الغائط_ ولا يسْتَنج بدون ثلاثة أحجارٍ، ليس فيها روثٌ ولا رِمَّة» [9] . وهو أيضاً خبر صحيح من طريق ابن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.

وقوله: (هذا رِكسٌ) يريد: أنَّه رَجيعٌ قد [10] رُدَّ عن حال الطهارة إلى حال [11] النجاسة، ويقال: ارتكس الرجلُ في البلاء؛ إذا رُدَّ فيه بعد الخلاص منه [12] ، ومنه قوله تعالى: { وَاللّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ } [النساء: 88] أي: رَدَّهم إلى الكفر والهلاك [13] .

[1] هكذا في هامش (ر)، وفي الصحيح (باب لا يستنجي بروث).
[2] زاد في (ط): (الأسود).
[3] في النسخ الفروع: (فوجدت حجرين ولم أجد الثالث).
[4] في (ط): (فوجدت حجرين وروثة)
[5] في الأصل: (إذا) والمثبت من (ط).
[6] زاد في النسخ الفروع: (قلت أنا: ويجوز أن يكون أحد الحجرين له أحرف) وفي (ف): (قال الشيخ: ويجوز....).
[7] رواه الترمذي عن سلمان (16).
[8] (هو خبر.. واتصاله) سقط من (ط) وفيه مكانه (وهذا من طريق..).
[9] أخرجه ابن ماجة في سننه عن أبي هريرة رقم (313)
[10] (قد) تكررت في (ط).
[11] قوله: (حال) زيادة من (ط).
[12] (منه) سقط من (ط)
[13] (أي رَدًّهم إلى الكفر والهلاك) سقط من (ط).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

156- وبه قال: ((حدثنا أبو نُعيم)) ؛ بضم النُّون مصغرًا: هو الفضل بن دُكين؛ مصغرًا أيضًا، ((قال: حدثنا زُهير)) ؛ بضم الزاي بالتصغير: هو ابن معاوية الجعفي الكوفي المكي، ((عن أبي إسحاق)) : عمرو بن عبد الله السَّبِيعي؛ بفتح السين المهملة وكسر الموحدة،التابعي، وما ذُكِر من كون زهير سمع من أبي إسحاق بأخرة لا يقدح؛ لثبوت سماعه منه هذا الحديث قبل الاختلاط بطرق متعددة، وتمامه في «عمدة القاري»، ((قال)) أي: أبو إسحاق: ((ليس أبو عبيدة)) ؛ بالتصغير: هو عامر بن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ((ذكره)) لي؛ أي: حدثني به، وجملة (ذكره) محلها نصب خبر (ليس) ، ((ولكن)) الذي ذكره لي وحدثني به ((عبد الرحمن)) فهو مرفوع بفعل محذوف مقدر تقديره ما علمتَ، (بن الأسود) التابعي النخعي الكوفي، الذي يصلي كل يوم سبع مئة ركعة، ويصلي العشاء والفجر بوضوء واحد، المتوفى سنة تسع وتسعين؛ أي: لست أرويه الآن عن أبي عبيدة، وإنما أرويه عن عبد الرحمن بن الأسود، ((عن أبيه)) : الأسود بن يزيد -من الزيادة- ابن قيس الكوفي النخعي صاحب ابن مسعود، وإنما عدل أبو إسحاق عن الرواية عن أبي عبيدة مع أنَّها أعلى إلى الرواية عن عبد الرحمن؛ لأنَّ أبا عبيدة لم يسمع من أبيه فتكون منقطعة، بخلاف رواية عبد الرحمن فإنَّها موصولة، ورواية أبي إسحاق لهذا الحديث عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود عند الترمذي وغيره من طريق إسرائيل بن يونس، قاله ابن حجر.

واعترضه في «عمدة القاري» بأن قول أبي إسحاق هذا يحتمل أن يكون نفيًا لحديثه وإثباتًا لحديث عبد الرحمن، ويحتمل أن يكون إثباتًا لحديثه أيضًا، وأنَّه كان غالبًا يحدِّث به عن أبي عبيدة.

وقال الكرابيسي: أبو إسحاق يقول في هذا الحديث مرة: حدثني عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله، ومرة: حدثني علقمة عن عبد الله، ومرة: حدثني أبو عبيدة عن عبد الله، ومرة يقول: ليس أبو عبيدة حدَّثنيه وإنما حدثني عبد الرحمن عن عبد الله، وهذا دليلٌ واضح على أنَّه رواه عن عبد الرحمن بن الأسود سماعًا؛ فافهم.

وقول ابن حجر: (لأنَّ أبا عبيدة لم يسمع من أبيه) ؛ مردود بما ذكره الطبراني في «معجمه الأوسط» من حديث زياد بن سعيد عن ابن الزبير قال: حدثني يونس بن عتاب الكوفي: سمعت أبا عبيدة بن عبد الله يذكر: أنه سمع أباه يقول...؛ الحديث، وبما أخرجه الحاكم في «مستدركه» حديث أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه في ذكر يوسف عليه السلام، وإسناده صحيح، وبما حسَّن الترمذي عدة أحاديث رواها عن أبيه؛ منها: لمَّا كان يوم بدر وجيء بالأُسارى، ومنها: كان في الركعتين الأوليين كأنه على الوصف، ومنها قوله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [آل عمران: 169] ، ومن شرط الحديث الحسن أن يكون متصلًا عند المحدثين، وتمامه في «عمدة القاري»؛ فافهم.

((أنَّه)) ؛ بفتح الهمزة؛ أي: بأنَّه؛ أي: الأسود ((سمع عبد الله)) ؛ بالنصب على المفعولية؛ أي: ابن مسعود؛ لأنَّه المراد عند الإطلاق، كما أنَّه عند إطلاق الإمام الأعظم فالمراد به: الإمام أبو حنيفة التابعي الجليل رئيس المجتهدين وسيدهم رضي الله تعالى عنهما، ((يقول)) : فالجملة محلها نصب على الحال، ((أتى[/ص117/] النبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم الغائط)) ؛ بالنصب على المفعولية؛ أي: الأرض المطمئنة؛ لقضاء حاجته، فالمراد به معناه اللغوي، ((فأمرني أن آتيه)) بمد الهمزة ((بثلاثة أحجار)) (أن) مصدرية صلة للأمر؛ أي: أمرني بإتيان الأحجار وليست (أن) هذه مفسِّرة بخلاف (أن) في قولك: أمرته أن يفعل، فإنَّها تحتمل أن تكون صلة وأن تكون مفسِّرة، كما في «عمدة القاري»، قال ابن مسعود: ((فوجدتَ)) ؛ بتاء المتكلم؛ أي: أصبت ((حجرين)) ؛ بالنصب مفعول (وجدت) الذي بمعنى: أصبت، فلا يقتضي إلا مفعولًا وحدًا، ((والتمست)) أي: طلبت الحجر ((الثالث فلم أجده)) ؛ بالضمير المنصوب؛ أي: الحجر، وفي رواية: بحذف الضمير، ((فأخذت)) بتاء المتكلم ((روثة)) وكانت روثة حمار، كما في رواية ابن خزيمة في هذا الحديث، و (الروثة) : واحد الروث والأرواث، وهو للخيل، والبغال، والحمير، ((فأتيته)) عليه السلام ((بها)) أي: بالثلاثة ((فأخذ)) عليه السلام مني ((الحجرين وألقى الروثة)) على الأرض، وإنَّما أتى بالروثة مع أنَّه طلب منه ثلاثة أحجار؛ لقياسه لها على الحجر بجامع الجمود، مع أنَّه لم يجد النص عليه، فبيَّن له عليه السلام الفرق بينهما بقوله: ((وقال)) عليه السلام: ((هذا رِكسٌ)) مبتدأ وخبر، والجملة مقول القول، وذكَّر الضمير باعتبار تذكير الخبر، كما في قوله تعالى: {هَذَا رَبِّي} [الأنعام: 78] ، وفي رواية: (هذه رِكس) على الأصل.

وقال العجلوني: لا مانع من إرجاعه إليها فقط، ويكون المعطوف مقدَّرًا؛ أي: والحجرين؛ على حدِّ: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [النحل: 81] ، انتهى، قلت: وهو غير ظاهر، وإذا وجد التقدير وعدمه؛ فعدمه أولى؛ فافهم.

و (الرِّكس) ؛ بكسر الرَّاء: الرجس، وبه صرَّح ابن خزيمة في روايته له، وبفتح الرَّاء: ردُّ الشيء مقلوبًا، وقال النَّسائي: (الركس) : طعام الجن، وقيل: إنه الرجيع، يعني قد رد عن حال الطهارة إلى حال النجاسة، وقد جاء (الركس) ؛ بمعنى: الإثم، والكفر، والشرك؛ كقوله تعالى: {لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ} [الأحزاب: 33] ؛ أي: ليطهركم من جميع هذه الخبائث.

وقال الأزهري: (الرجس) : اسم لكلِّ ما استقذر من العمل، ففي الحديث منع الاستنجاء بالروث، وقد صرَّح ابن ماجه وابن خزيمة في هذا الحديث، ولفظه: قال عبد الله: أراد النبي عليه السلام أن يتبرز فقال: «ائتني بثلاثة أحجار»، فوجدت له حجرين وروثة حمار، فأمسك الحجرين وطرح الرَّوثة، وقال: «هي رجس».

ففيه: بيان أنَّ أرواث الحُمر نجسة وإذا كانت أرواث الحُمر نجسة لحكم النبي الأعظم عليه السلام كان حكم جميع أرواث ما لا يجوز أكل لحمها من ذوات الأربع مثل أرواث الحمر، وقد اختلف العلماء في صفة نجاسة الأرواث، فعند الإمام الأعظم: هي نجسة مغلظ، وبه قال الإمام زفر، وعند الإمامين أبي يوسف ومحمد: هي نجسة مخفف، وقال مالك: الروث طاهر، والحديث حجة عليه؛ لأنَّه محكَم لا يحتمل التأويل؛ فافهم.

واستدل الشافعي بالحديث لإيجاب عدد ثلاثة أحجار في الاستنجاء؛ لأنَّه عليه السلام استدعاها ليستنجي بها كلها، وقال: ليس في قوله: (فأخذ الحجرين) دليل على أنه اقتصر عليهما؛ لجواز أن يكون بحضرته ثالث، ويدل له خبر سلمان قال: نهانا رسول الله عليه السلام أن نكتفي بدون ثلاثة أحجار، وخبر أبي هريرة: «ولا يستنجي بدون ثلاثة أحجار» قال: ولو كان القصد الإنقاء فقط؛ لخلا اشتراط العدد عن الفائدة، فلما اشترط العدد لفظًا وعلم الانقاء فيه معنًى؛ دلَّ على إيجاب الأمرين ونظيره العدَّة بالأقراء، فإن العدد مشترط ولو تحققت براءة الرحم بقرء واحد.

قلت: وهو مردود ولا نسلِّم أنَّ فيه إيجاب عدد الثلاث، بل إنَّما كان ذلك للاحتياط في أمر العبادة؛ لأنَّ التطهير بواحد أو اثنين لم يكن محقَّقًا، فلذلك نصَّ على الثلاث؛ لأنَّ بالثلاث يحصل التطهير غالبًا، ونحن نقول به أيضًا إذا تحقق شخص أنَّه لا يطهر إلا بالثلاث؛ يتعيَّن عليه الثلاث، والتعيين ليس لأجل التوقيت فيه وإنما هو لأجل الإنقاء الحاصل فيه، حتى إذا احتاج إلى رابع وخامس وهلمَّ جرًّا يتعين عليه ذلك، على أنَّ الحديث متروك الظاهر، فإنَّه لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف؛ جاز بالإجماع.

وقوله: (ليس في قوله: «فأخذ الحجرين»، دليل على أنَّه اقتصر عليهما) ممنوع، بل فيه دليل ظاهر واضح على أنَّه اقتصر على الحجرين فقط؛ لأنَّه لو كان الثلاث شرطًا؛ لطلب الثالث فحيث لم يطلب؛ دلَّ على اقتصاره عليهما.

وتعليله بقوله: (لجواز أن يكون بحضرته ثالث) ؛ مردود؛ لأنَّ قعوده عليه السلام للغائط كان في مكان لم يكن فيه أحجار؛ لأنَّه لو كانت هناك أحجار؛ لما قال له: (ائتني بثلاثة أحجار) ؛ لأنَّه لا فائدة لطلب الأحجار وهي حاصلة عنده، وهذا معلوم بالضرورة.

وقوله: (ولو كان القصد الإنقاء فقط؛ لخلا اشتراط العدد عن الفائدة) قلنا: إنَّ ذكر الثلاث لم يكن للاشتراط، بل للاحتياط؛ لأنَّ أقلَّ ما يحصل به التنظيف ثلاثة أحجار.

وقوله: (ونظيره العدة بالأقراء) : هذا غير مسلَّم؛ لأنَّ العدد فيه شرط بنص القرآن والحديث ولم يعارضه نصٌّ آخر، بخلاف العدد هنا؛ لأنَّه معارض بحديث: «من اسْتَجْمَرَ؛ فليوتر، من فعل؛ فقد أحسن، ومن لا؛ فلا حرج»؛ فهذا لمَّا دلَّ على ترك أصل الاستنجاء؛ دلَّ على ترك العدد الذي هو وصفها بالطريق الأولى.

وقال ابن حجر: (واستدلَّ بالحديث الحافظ الطحاوي على عدم اشتراط الثلاثة، قال: «لأنَّه لو كان شرطًا لطلب ثالثًا» كذا قال وغفل عما رواه أحمد في «مسنده» من طريق أبي معمر عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن أبي مسعود في هذا الحديث، فإنَّ فيه: فألقى الروثة، وقال: «إنَّها ركس ائتني بحجر»، وقد تابع معمرًا عليه أبو شيبة الواسطي) .

قلت: لم يغفل الحافظ الطحاوي عن ذلك، وإنما الذي نسبه إلى الغفلة هو الغافل، والحافظ الطحاوي حين كان يحفظ الأحاديث وتؤخذ عنه كان ابن حجر منيًا في ظهر أبيه، وكيف يغفل عن ذلك وقد ثبت عنده عدم سماع أبي إسحاق عن علقمة؟ فالحديث عنده منقطع، والمحدِّث لا يرى العمل بالمنقطع، وأبو شيبة الواسطي ضعيف؛ فلا تعتبر متابعته، فالذي يدعي صنعة الحديث كيف يرضى بهذا الكلام الساقط؟!

وقد قال أبو الحسن بن القصار المالكي: روي أنَّه أتاه بثالث، لكن لا يصحُّ، ولو صحَّ؛ فالاستدلال به لمن لا يشترط الثلاثة قائم؛ لأنَّه اقتصر في الموضعين على ثلاثة؛ فحصل لكل منهما أقلمن ثلاثة.

ثم قال ابن حجر: واستدلال الحافظ الطحاوي فيه نظر أيضًا؛ لاحتمال أن يكون اكتفى بالأمر الأول في طلب الثلاثة؛ فلم يجدد الأمر بطلب الثالث، أو اكتفى بطرف أحدهما عن الثالث؛ لأنَّ المقصود بالثلاثة: أن يمسح بها ثلاث مسحات، وذلك حاصل ولو بواحد، والدليل على صحته أنَّه لو مسح بطرف واحد، ثم رماه، ثم جاء شخص آخر فمسح بطرفه الآخر؛ لأجزأه بلا خلاف.

قلت: نظره مردود عليه؛ لأنَّ الحافظ الطحاوي استدلَّ بصريح النص لما ذهب إليه، وبالاحتمال البعيد كيف يدفع هذا؟!

وقوله: (لأن المقصود...) إلخ: ينافيه اشتراطهم العدد في الأحجار؛ لأنَّهم استدلُّوا بظاهر قوله عليه السلام: «ولا يستنج أحدكم بأقلِّ من ثلاثة أحجار».

وقوله: (وذلك حاصل ولو بواحد) : مخالف لصريح الحديث، فهل رأيت من يَردُّ بمخالفة ظاهر حديثه الذي يحتجُّ به على من يحتجُّ بظاهر الحديث بطريق الاستدلال الصحيح؟! وهل هذا إلا مكابرة وتعنُّت؟! ومن أمعن النظر في أحاديث الباب ودقَّق فكره في معانيها؛ علم وتحقَّق أن الحديث حجة عليهم لا لهم، وأن المراد: الإنقاء لا التثليث، وهو قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما حكاه العبدري وإليه ذهب[/ص118/]

رئيس المجتهدين الإمام الأعظم التابعي الجليل، وأصحابه، ومالك، وداود، وهو وجه للشافعي؛ فافهم وتعجَّب، كذا في «عمدة القاري».

((قال إبراهيم بن يوسف)) ؛ أي: ابن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي، المتوفى سنة ثمان وتسعين ومئة، ((عن أبيه)) : يوسف الكوفي الحافظ، المتوفى سنة سبع وخمسين ومئة، أو زمن أبي جعفر المنصور، ((عن)) جده ((أبي إسحاق)) قال: ((حدثني)) بالإفراد ((عبد الرحمن)) : هو ابن الأسود بن يزيد؛ أي: بالإسناد السابق، وهذا موجود في غالب النسخ، ساقط في بعضها، وأراد المؤلف بهذا التعليق الردَّ على من زعم أنَّ أبا إسحاق دلَّس هذا الخبر، كما حكى ذلك عن الشاذكوني؛ فإنَّه صرَّح فيه بالتَّحديث.

وقد استدلَّ الإسماعيلي على صحَّة سماع أبي إسحاق لهذا الحديث من عبد الرحمن؛ لكون يحيى القطان رواه عن زهير، ثم قال: ولا يرضى القطَّان أن يأخذ عن زهير ما ليس بسماع لأبي إسحاق، وقال الكرماني: هذه متابعة ناقصة، ذكرها المؤلف تعليقًا.

فإن قيل: قد تُكلِّم في إبراهيم، قال عباس بن يحيى: إبراهيم ليس بشيء، وقال النسائي: إبراهيم ليس بالقوي.

قلت: يحتمل في المتابعات ما لا يحتمل في الأصول، انتهى كلامه.

قال في «عمدة القاري»: (قلت: لأجل متابعة يوسف المذكور حفيد أبي إسحاق زهير بن معاوية رجَّح المؤلف رواية زهير المذكورة وتابعهما أيضًا شريك القاضي، وزكريا بن أبي زائدة، وغيرهما، وتابع أبا إسحاق على روايته عن عبد الرحمن المذكور ليثُ بن أبي سليم، أخرجه ابن أبي شيبة، وحديثه يتشهد به، ولمَّا اختار في رواية زهير طريق عبد الرحمن على طريق أبي عبيدة؛ دلَّ على أنَّه عارف بالطريقين، وأنَّ رواية عبد الرحمن عنده أرجح، والله تعالى أعلم) انتهى.