متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

135- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) بالظَّاء الـمُعجَمَة (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بتشديد ميم الأوَّل [1] ، وضمِّ ميم الثَّاني [2] ، وفتح النُّون، وتشديد المُوحَّدة المكسورة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: لَا تُقْبَلُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة (صَلَاةُ مَنْ)؛ أي: الذي (أَحْدَثَ) و«صلاةُ»: بالرَّفع، نائبٌ عنِ الفاعل، وفي روايةٍ: «لا يقبل الله صلاةً»؛ بالنَّصب على المفعوليَّة، من: أَحْدَث؛ أي: وُجِدَ منه الحدث الأكبر؛ كالجنابة والحيض [3] ، والأصغر؛ النَّاقض للوضوء، (حَتَّى)؛ أي: إلى أن (يَتَوَضَّأَ) بالماء أو ما يقوم مقامه، فتُقبَل حينئذٍ، قال في «المصابيح»: قال لي بعض الفضلاء: يلزم من حديث أبي هريرة أنَّ الصَّلاة الواقعة في حال الحدث إذا وقع بعدها وضوءٌ صحَّت صلاةً، فقلت له: الإجماع يدفعه، فقال: يمكن أن يُدفَع من لفظ الشَّارع، وهو أَوْلى من التَّمسُّك بدليلٍ خارجٍ؛ وذلك بأن تُجعَل الغاية للصَّلاة لا لعدم القبول، والمعنى: صلاة أحدكم إذا أحدث حتَّى يتوضَّأ لا تُقبَل، انتهى [4] ، والذي يقوم مقام الوضوء بالماء هو التَّيمُّم، وأنَّه يُسمَّى وضوءًا، كما عند النَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ من حديث أبي ذَرٍّ أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «الصَّعيد الطَّيِّب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين» فأطلق عليه الصَّلاة والسَّلام على التَّيمُّم أنَّه وضوءٌ؛ لكونه قام [5] مقامه، وإنَّما اقتصر على ذكر [6] الوضوء؛ نظرًا إلى كونه الأصل، ولا يخفى أنَّ المُرَاد بقبول صلاة من كان محدثًا فتوضَّأ؛ أي: مع باقي شروط الصَّلاة.

واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ الوضوء لا يجب لكلِّ صلاةٍ؛ لأنَّ القبول انتفى [7] إلى غاية الوضوء، و [8] ما بعدها مخالفٌ لِمَا قبلَها، فاقتضى ذلك قبول الصَّلاة بعد الوضوء مُطلَقًا، وفيه الدَّليل على بطلان الصَّلاة بالحدث، سواءٌ كان خروجه اختياريًّا أمِ اضطراريًا؛ لعدم التَّفرقة في الحديث بين حدثٍ وحدثٍ في حالةٍ دون حالةٍ.

(قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ)؛ بفتح الحاء المُهمَلَة، وسكون الضَّاد [9] المُعجَمَة، وفتح الرَّاء والميم؛ بلدٌ باليمن وقبيلةٌ أيضًا: (مَا الْحَدَثُ)، وفي روايةٍ: «فما الحدث» (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ) [/ج1ص228/] هو (فُسَاءٌ) بضمِّ الفاء والمدِّ (أَوْ ضُرَاطٌ)؛ بضمِّ الضَّاد المُعجَمَة [10] ؛ وهما يشتركان في كونهما ريحًا خارجًا من الدُّبُر، لكنَّ الثَّانيَ مع صوتٍ، وإنَّما فسَّر أبو هريرة الحدث بهما؛ تنبيهًا بالأخفِّ على الأغلظ، أو أنَّه أجاب السَّائل بما يحتاج إلى معرفته في [11] غالب الأمر، وإلَّا؛ فالحدث يُطلَق على الخارج المُعتَاد، وعلى نفس الخروج، وعلى الوصف الحكميِّ المُقدَّر قيامه بالأعضاء قيام الأوصاف الحسيَّة، وعلى المنع من العبادة المترتِّب [12] على كلِّ واحدةٍ [13] من الثَّلاث [14] ، وقد جعل في الحديث الوضوء رافعًا للحدث، فلا يعني بـ: «الحدث» الخارج المعتاد، ولا نفس الخروج؛ لأنَّ الواقع لا يرتفع، فلم يبق أن يعنيَ [15] إلَّا المنع أو الوصف [16] .

[1] في (م): «الأولى».
[2] في (د): «الثانية».
[3] «انتهى» ليست في (د).
[4] «والحيض»: سقط من (د).
[5] في (ب) و (س): «قائمًا».
[6] في (ص): «لفظ».
[7] في (م): «انتهى».
[8] في (ص): «أو».
[9] «الضَّاد»: سقط من (د).
[10] «المعجمه»: سقط من (د) و (س).
[11] في (د): «إلى».
[12] في (ص) و (م): «المُرتَّب».
[13] في (د): «واحد».
[14] في (ب) و (س): «الثَّلاثة».
[15] في (د): «يُعنى».
[16] في (ب) و (د) و (س) و (ص): «الصفة».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

135-. حدَّثنا إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ، قالَ: أخبَرَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قالَ: أخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن هَمَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ:

أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تُقْبَلُ صَلاةُ [1] مَنْ أَحْدَثَ حَتَّىَ يَتَوَضَّأَ».

قالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: ما [2] الحَدَثُ يا أَبا هُرَيْرَةَ؟ قالَ: فُساءٌ أَوْ ضُراطٌ.

[1] في رواية [عط] : «لا يَقْبَلُ اللهُ صلاةَ».
[2] في رواية [عط] : «فما».





135- ( الْحَنْظَلِيُّ ) بظاء مشالة [1] .

( مَعْمَرٌ ) بإسكان العين.

( هَمَّامِ ) بهاء مفتوحة وميم مشددة.

و ( مُنَبِّهٍ ) بميم مضمومة ونون مفتوحة وباء موحدة مشدَّدة مكسورة.

واعلم أنَّه ترجم على العموم واستدل بالخصوص؛ إذ المراد بالحدث في هذا الحديث الحدث الذي في الصلاة خاصة [2] ، ولذلك فسَّره بالرِّيح الذي يسبق في الصلاة غالبًا.

وجوابه أنَّه أراد بالاستدلال على أن ما هو أغلظ من الريح من بابٍ أولى، وأن خارج الصلاة بالطهارة أولى، فأتى بلفظ حديث يعم مسألة السائل وغيرها لما لم يكن على شرطه، ثم فسَّره بالحدث الذي يتصوَّر في محل السؤال غالبًا. [/ج1ص88/]

[1] قال محب الدين البغدادي: قوله: ( الحنظلي ) بظاء مشالة. صوابه: معجمة مفتوحة.
[2] قال ابن حجر رحمه الله: قد لا يسلم المصنف أن المراد به الحدث في الصلاة خاصة، ثم قال المحشي رحمه الله: قال ابن المنير: ترجم على العموم لينبه بذلك على التسوية بين الحدث في الصلاة والحدث في غيرها لئلا يتخيل الفرق كما فرق بعضهم بين أن يشك في الحدث في الصلاة ويلغي الشك، وبين شكه في غير الصلاة فيتوضأ ويعتبر الشك.





135# (الْحَنْظَلِيُّ) بظاء معجمة.

(مَعْمَرٌ) بعين ساكنة، وقد مرَّ.

(مُنَبِّهٍ) اسم فاعل من نَبَّه، بتشديد الموحدة.

(لاَ تُقْبَلُ صَلاَةُ مَنْ أَحْدَثَ) هو من الحدث [1] . وفي «المحكم»: الحَدَث: الإيذاء، وقد أحدث.

وقال الصَّغاني [2] في «العُباب»: وأما

@%ج1ص115%

قول الفقهاء: أحدث: إذا أتى منه ما نقَضَ طهارته، فلا تعرفه العرب.

(حَتَّى يتَوَضَّأ) أي: فيُقْبل حينئذٍ، وقد فُسِّر القَبول [3] : بأنه تَرَتُّبُ الغرضِ المطلوب من الشيء عليه، والغرضُ من الصلاة: وقوعُها مجزئةً لمطابقتها [4] الأمرَ، ولا شك أن هذا المعنى إذا انتفى، انتفت الصِّحة.

وفسَّره بعضهم: بأنه كونُ العبادةِ بحيثُ يترتبُ [5] على فعلها الثوابُ والأجر كونها [6] مطابقةً للأمر [7] ؛ ليدفع بذلك ما ورد في أن العبد إذا أَبَقَ لا تُقبل له صلاة، وكذا في شارب الخمر، وفيمن أتى عرَّافاً، لكن هذا يضرُّ في حديث أبي هريرة؛ إذ القبول حينئذٍ أخصُّ، فلا يلزم من نفيه نفيُ الصحة، وعلى التفسير الأول يندفعُ هذا، لكن يرد عليه صلاة الآبق ونحوه، فيحتاج تحريراً.

وقال لي بعض الفضلاء: يلزم في حديث أبي هريرة: أن الصلاة الواقعة في حال الحدث إذا وقع بعدها وضوء صحَّت [8] ، فقلت له: الإجماعُ يدفعه [9] .

فقال: يمكن أن يُدفع من لفظ الشارع، وهو أولى من التَّمسك بدليل خارج، وذلك بأن تُجعل الغاية للصلاة [10] ، لا لعدم القبول، والمعنى: صلاة أحدكم إذا أحدثَ حتى يتوضأ لا تُقبل، والله تعالى أعلم.

(قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ) هي اسم بلدة [11] من بلاد اليمن، واسم قبيلة، مُنع [12] من الصرف للعلميَّةِ والتركيب.

فإن قلت: لمَ لمْ يُخَرِّج الحديث المطابق للترجمة؟

قلت: لأن في سنده سِمَاكَ بنَ حَرْبٍ، وليس هو على شرطه، وإن أخرج له تعليقاً، كذا قيل.

فإن قلت: لمَ عَدَل عن الترجمة بلفظ مطابق لحديثها إلى ما صنع؟

قلت: لينبه على أن خصوصية الوضوء في قبول الصلاة غيرُ معتبرة، بل المعتبر هو

@%ج1ص116%

الطهور أَعَمُّ من أن يكون وضوءاً [13] أو غيرَه [14] ؛ كالتيمم بشرطهِ.

فإن قلت: المراد بالحدث [15] في الحديث: حدثٌ خاصٌّ، وهو الواقع في الصلاة، ولذلك فسَّره بالريح الذي يسبق في الصلاة غالباً.

قلت: لا نسلِّم، ولعلَّ أبا هريرة أجاب السائل عمَّا يجهلُه، أو عمَّا يحتاج إليه في الغالب.

وعلى الجملة [16] : يُحتمل قيامُ قرائنَ حاليةٍ لأبي هريرة اقتضت التخصيصَ الذي اعتمدَه، ولو سُلِّم، كان هذا استدلالاً على أن ما هو أغلظُ من الريح من بابٍ أولى، أو نبَّه على التسوية بين الحدث في الصلاة، والحدثِ في غيرها؛ لئلا يتخيل الفرق؛ كما فرَّق بعضُهم بين أن يشك في الحدث في الصلاة فيلغيه [17] ، وبين شكِّه في غيرها فيعتبرُه.

[1] في (ق): ((أحدث ومر الحديث)).
[2] في (د) و(ق): ((الصاغاني)). في (ج): ((الصنعاني)).
[3] في (د): ((المقبول منه)). في (ج): ((المقبول)).
[4] في (ق): ((لمطابقها)).
[5] في (ق): ((يرتب)).
[6] في (ق): ((لكونها)).
[7] في (د) و(ج): ((لأمر)).
[8] في (د) و(ج): ((صحت صلاة)).
[9] في (ق): ((يدفع)).
[10] في (د): ((الصلاة)).
[11] في (د) و(ق) و(ج): ((بلد)).
[12] في (ق): ((تمنع)).
[13] في (د): ((وضوء)).
[14] في (ق) و(ج): ((وغيره)).
[15] ((بالحدث)): ليست في (ج).
[16] في (ق): ((الجهة)).
[17] في (ق): ((فيغلبه)).





135- قوله: (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ): هذا هو الحافظ ابن همَّام [1] بن نافع أبو بكر الصنعانيذُ، أحد الأعلام الثِّقات، عنِ ابن جريج، ومعمر، وثور، وعنه: أحمد، وإسحاق، والرماديُّ، والدَبَريُّ، صنذَف الكتب، وتوفِّي عن خمس وثمانين سنة، سنة (211 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وله ترجمة في «الميزان».

[قوله: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ): تقدَّم مرَّات أنَّه بإسكان العين، وأنَّه ابن راشد، وتقدَّم بعض ترجمته] [2] .

قوله: (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ): تقدَّم أنَّ منبِّهًا اسم فاعل، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (أَبَا [3] هُرَيْرَةَ): تقدَّم مرارًا أنَّه عبد الرَّحمن بن صخر على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا.

قوله: (قَالَ [4] رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ): هذا الرجل لا أعرف اسمه؛ فليطلب، والظَّاهر أنَّه غير الآتي: (فقال رجل أعجميٌّ) ، وسيأتي الكلام على الأعجميِّ، وقوله: (من حضرموت): هي من بلاد اليمن، وهذيل: بضمِّ الميم، قال الجوهريُّ في «صحاحه»: (وحضرموت: اسم بلد وقبيلة أيضًا [5] ، وهما اسمان جُعِلا اسمًا واحدًا، وإنْ شئت بنيت الاسم الأوَّل على الفتح، وأعربت الثَّاني بإعراب ما لا ينصرف، فقلت: هذا حضرموتُ، وإنْ شئت أضفت الأوَّل [6] إلى الثَّاني، فقلت: هذا حضرُموتٍ، أعربت: حضرًا، وخفضت: موتًا، وكذلك القول في: سام أبرص، ورام هرمز، والنسبة إليه: حضرميٌّ، والتَّصغير: حُضَيرموت، يصغَّر الصدر منهما، وكذلك الجمع يقال: فلان من الحضارمة) انتهى.

[1] في (ج (: (الهمام) .
[2] ما بين معقوفين سقط من (ب) .
[3] في (ج (: (أخبرنا أبو) .
[4] في النسخ: (فقال) ، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق) .
[5] (أيضًا): ليس في (ج) .
[6] في النسخ: (الأولى) .





135- (حَضْرَمَوْتَ): هما اسمانِ جُعلا اسمًا واحدًا، وإنْ شئتَ بنيتَ الاسمَ الأوَّلَ على الفتح، وأعربتَ الثَّاني بإعراب ما لا ينصرف؛ فقلتَ: (هذا حَضْرَمَوْتُ)، وإنْ شئتَ أضفتَ الأوَّل [1] إلى الثَّاني؛ فقلتَ: (هذا حَضْرُمَوْتٍ) ؛ أعربتَ (حَضْرًا)، وخفَضْتَ (مَوْتًا)، وكذلك القولُ في: (سَام أَبْرَص)، و (رَامهُرْمُز) ؛ قاله الجوهريُّ.

[1] في (أ): (الأولى)، والمثبت من (ب) ومصدره.





135- وبالسَّند إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ) بالظَّاء الـمُعجَمَة (قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن هَمَّامٍ، (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بتشديد ميم الأوَّل [1] ، وضمِّ ميم الثَّاني [2] ، وفتح النُّون، وتشديد المُوحَّدة المكسورة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: لَا تُقْبَلُ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة (صَلَاةُ مَنْ)؛ أي: الذي (أَحْدَثَ) و«صلاةُ»: بالرَّفع، نائبٌ عنِ الفاعل، وفي روايةٍ: «لا يقبل الله صلاةً»؛ بالنَّصب على المفعوليَّة، من: أَحْدَث؛ أي: وُجِدَ منه الحدث الأكبر؛ كالجنابة والحيض [3] ، والأصغر؛ النَّاقض للوضوء، (حَتَّى)؛ أي: إلى أن (يَتَوَضَّأَ) بالماء أو ما يقوم مقامه، فتُقبَل حينئذٍ، قال في «المصابيح»: قال لي بعض الفضلاء: يلزم من حديث أبي هريرة أنَّ الصَّلاة الواقعة في حال الحدث إذا وقع بعدها وضوءٌ صحَّت صلاةً، فقلت له: الإجماع يدفعه، فقال: يمكن أن يُدفَع من لفظ الشَّارع، وهو أَوْلى من التَّمسُّك بدليلٍ خارجٍ؛ وذلك بأن تُجعَل الغاية للصَّلاة لا لعدم القبول، والمعنى: صلاة أحدكم إذا أحدث حتَّى يتوضَّأ لا تُقبَل، انتهى [4] ، والذي يقوم مقام الوضوء بالماء هو التَّيمُّم، وأنَّه يُسمَّى وضوءًا، كما عند النَّسائيِّ بإسنادٍ صحيحٍ من حديث أبي ذَرٍّ أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «الصَّعيد الطَّيِّب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين» فأطلق عليه الصَّلاة والسَّلام على التَّيمُّم أنَّه وضوءٌ؛ لكونه قام [5] مقامه، وإنَّما اقتصر على ذكر [6] الوضوء؛ نظرًا إلى كونه الأصل، ولا يخفى أنَّ المُرَاد بقبول صلاة من كان محدثًا فتوضَّأ؛ أي: مع باقي شروط الصَّلاة.

واستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ الوضوء لا يجب لكلِّ صلاةٍ؛ لأنَّ القبول انتفى [7] إلى غاية الوضوء، و [8] ما بعدها مخالفٌ لِمَا قبلَها، فاقتضى ذلك قبول الصَّلاة بعد الوضوء مُطلَقًا، وفيه الدَّليل على بطلان الصَّلاة بالحدث، سواءٌ كان خروجه اختياريًّا أمِ اضطراريًا؛ لعدم التَّفرقة في الحديث بين حدثٍ وحدثٍ في حالةٍ دون حالةٍ.

(قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ)؛ بفتح الحاء المُهمَلَة، وسكون الضَّاد [9] المُعجَمَة، وفتح الرَّاء والميم؛ بلدٌ باليمن وقبيلةٌ أيضًا: (مَا الْحَدَثُ)، وفي روايةٍ: «فما الحدث» (يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ) [/ج1ص228/] هو (فُسَاءٌ) بضمِّ الفاء والمدِّ (أَوْ ضُرَاطٌ)؛ بضمِّ الضَّاد المُعجَمَة [10] ؛ وهما يشتركان في كونهما ريحًا خارجًا من الدُّبُر، لكنَّ الثَّانيَ مع صوتٍ، وإنَّما فسَّر أبو هريرة الحدث بهما؛ تنبيهًا بالأخفِّ على الأغلظ، أو أنَّه أجاب السَّائل بما يحتاج إلى معرفته في [11] غالب الأمر، وإلَّا؛ فالحدث يُطلَق على الخارج المُعتَاد، وعلى نفس الخروج، وعلى الوصف الحكميِّ المُقدَّر قيامه بالأعضاء قيام الأوصاف الحسيَّة، وعلى المنع من العبادة المترتِّب [12] على كلِّ واحدةٍ [13] من الثَّلاث [14] ، وقد جعل في الحديث الوضوء رافعًا للحدث، فلا يعني بـ: «الحدث» الخارج المعتاد، ولا نفس الخروج؛ لأنَّ الواقع لا يرتفع، فلم يبق أن يعنيَ [15] إلَّا المنع أو الوصف [16] .

[1] في (م): «الأولى».
[2] في (د): «الثانية».
[3] «انتهى» ليست في (د).
[4] «والحيض»: سقط من (د).
[5] في (ب) و (س): «قائمًا».
[6] في (ص): «لفظ».
[7] في (م): «انتهى».
[8] في (ص): «أو».
[9] «الضَّاد»: سقط من (د).
[10] «المعجمه»: سقط من (د) و (س).
[11] في (د): «إلى».
[12] في (ص) و (م): «المُرتَّب».
[13] في (د): «واحد».
[14] في (ب) و (س): «الثَّلاثة».
[15] في (د): «يُعنى».
[16] في (ب) و (د) و (س) و (ص): «الصفة».





135- ( لاَ تُقْبَلُ ): بالبناء للمفعول، وفي الحيل: «لا يقبل الله». [خ:6954] [/ج1ص294/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

135- وبه قال: ((حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي)) ؛ بالحاء المهملة والظاء المعجمة، المشهور بابن راهويه ((قال: أخبرنا عبد الرزاق)) : هو ابن همام ((قال: أخبرنا مَعمَر)) ؛ بفتح الميمين، بينهما عين ساكنة مهملة، ابن راشد، ((عن همَّام)) ؛ بتشديد الميم الأولى ((بن مُنَبِّه)) بضم الميم، وفتح النُّون، وتشديد الموحدة المكسورة: ((أنه سمع أبا هريرة)) : عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه ((يقول)) جملة وقعت حالًا ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تُقبل)) بضم المثناة الفوقية، مبني لما لم يسم فاعله ((صلاةُ)) ؛ بالرفع نائب فاعل، كذا في أكثر الروايات، وفي رواية هنا وفي (ترك الحيل) : (لا يقبل الله صلاةَ) ؛ بالنصب على المفعولية، والمراد بالقبول هنا: ما يرادف الصحة وهو الإجزاء، فحقيقة القبول: وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة، ولمَّا كان الإتيان بشروطها مظنَّة الإجزاء الذي هو القبول؛ عبَّر عنه بالقبول مجازًا، وأمَّا القبول المنفي في مثل قوله عليه السلام: «من أتى عرَّافًا؛ لم تقبل له صلاة»؛ فهو الحقيقي؛ لأنَّه قد يصح العمل، ولكن يتخلف القبول لمانعٍ، ولهذا كان بعض السلف يقول: لأن تقبل لي صلاة واحدة أحب إلي من جميع الدنيا، قال: ابن عمر؛ لأنَّ الله تعالى قال: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ} [المائدة: 27] ، والتحقيق هنا: أنَّ القبول يراد به شرعًا حصول الثواب، وقد تتخلف الصحة بدليل صحة صلاةِ العبد الآبق وشارب الخمر ما دام في جسده شيء منها، والصلاةِ في الدار المغصوبة، وأما ملازمة القبول للصحة ففي قوله عليه السلام: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار»، والمراد بالحائض: من بلغت سن الحيض؛ فإنَّها لا تقبل صلاتها إلا بالسترة، ولا تصح ولا تقبل مع انكشاف العورة، والقبول يفسر بترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء.

وقوله: «لا يقبل...» إلخ: عام في عدم القبول في جميع المُحدِثين في جميع أنواع الصلاة، والمراد بالقبول: وقوع الصلاة مجزئة بمطابقتها للأمر، فعلى هذا: يلزم من القبول الصحة ظاهرًا وباطنًا، وكذا العكس، وقيل: إن الصحة عبارة عن ترتب الثواب والدرجات على العبادة، والإجزاء عبارة عن مطابقة الأمر؛ فهما متغايران؛ أحدهما أخص من الآخر، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم؛ فالقبول على هذا أخص من الصحة؛ فكل مقبول صحيح ولا عكس؛ فليحفظ.

وقوله: ((مَن)) ؛ موصولة مضافة لما قبلها وصلتها قوله: ((أحدث)) ؛ أي: وُجِد منه الحدث، أو أصابه الحدث، أو دخل في الحدث، من الحدوث؛ وهو كون الشيء لم يكن، قال الصغاني: (وقول الفقهاء: أحدث؛ أي: أتى منه ما نقض طهارته؛ فلا تعرفه العرب) انتهى.

قلت: وفيه أن الحدث: الشيء الحادث؛ فيطلق على كل ما نقض الوضوء؛ لحدوثه، وهذا بموضوعه يطلق على الأكبر؛ كالجنابة، والحيض، والنفاس، والأصغر؛ كنواقض الوضوء، وقد يسمَّى المنع المترتب عليه: حدثًا، وبه يصح قولهم: رفعت الحدث ونويت رفعه، وإلا استحال ما يرفع إلا أن يكون رافعًا، وكان الشارع جعل أمد المنع المترتب على خروج الخارج إلى استعمال المطهر، وبهذا يقوى قول من يرى أن التيمم يرفع الحدث؛ لكون المرتفع هو المنع، وهو مرتفع بالتيمم، لكنه مخصوص بحالة ما أو بوقت ما، وليس ذلك ببدع؛ فإنَّ الأحكام قد تختلف باختلاف محلِّها، وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجبًا لكلِّ صلاة؛ فقد ثبت أنه كان مختصًّا بوقت مع كونه رافعًا للحدث اتفاقًا، ولا يلزم من انتفائه في ذلك الوقت بانتهاء وقت الصلاة ألَّا يكون رافعًا للحدث، ثمَّ زال ذلك الوجوب، كما عرف.

وذكر الفقهاء أن الحدث: وصف حكميٌّ مقدَّر قيامه بالأعضاء على معنى الوصف الحسي، ويُنْزِلون الوصف الحكمي منزلة الحسي في قيامه بالأعضاء، فمن يقول: بأنَّ التيمم لا يرفع الحدث؛ يقول: إن الأمر المقدر الحكمي باق لم يزل، والمنع الذي هو ترتب عليه التيمم زائل.

((حتى)) للغاية؛ بمعنى: إلى أن ((يتوضأ)) بالماء أو ما يقوم مقامه؛ لأنَّه قد أتى بما أُمِر به، على أنَّ التيمم من أسمائه الوضوء، قال عليه السلام: «الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين»، رواه النسائي بإسناد صحيح عن أبي ذر، فأطلق الشارع على التيمم أنَّه وضوء؛ لكونه قام مقامه، وهذا نفي القبول إلى غاية وهي الوضوء، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها؛ فاقتضى قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا، ودخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء لها ثانيًا؛ فإن لفظ: (صلاة) اسم جنس؛ فيعم، والمراد أنَّه قد أتى بباقي شروط الصلاة، والضمير في (يتوضأ) يرجع إلى من أحدث، وسمَّاه محدثًا وإن كان طاهرًا باعتبار ما كان؛ كما في قوله تعالى: {وَآتُوا اليَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 2] ، وإنما اقتصر على الوضوء؛ نظرًا لكونه الأصل، أو لكثرة وقوعه، وهذا آخر الحديث والباقي إدراج من همَّام؛ حيث قال: ((قال رجل)) لم يعرف اسمه ((من حَضْرمَوت)) ؛ بفتح الحاء المهملة، وسكون الضَّاد المعجمة، وفتح الميم، اسم بلد باليمن وقبيلة أيضًا، وهو من المركَّب المزجي، فهما اسمان جُعِلا اسمًا واحدًا، والأول منه مبني على الفتح على الأصح، والثاني المنع من الصرف، وقيل: ببنائهما على الفتح، وقيل: بإعرابهما فيقال: هذا حضرُموتِ برفع الرَّاء وجر التاء، ويجوز فيه الإضافة،[/ص95/] وقال العلَّامة الزمخشري: (فيه لغتان؛ التركيب ومنع الصرف، والثانية: الإضافة، فإذا أضيف؛ جاز في المضاف إليه الصرف وتركه) ، وتمامه في «عمدة القاري»: ((ما الحدث)) ؛ مبتدأ وخبر، والجملة مقول القول، وفي رواية: (فما الحدث) ((يا أبا هريرة؟)) وفي بعض النسخ بحذف الهمزة؛ للتخفيف ((قال)) أي: أبو هريرة: ((فُسَاء)) ؛ بضم الفاء، وفتح السين المهملة، والمد، مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: هو فساء؛ أي: الحدث فساء، ((أو ضُراط)) ؛ بضم الضَّاد المعجمة، وهما مشتركان في كونهما ريحًا خارجًا من الدبر، يمتاز الأول بكونه بدون صوت، والثاني مع الصوت، وإنَّما اقتصر على هذين مع أن المراد كل خارج من السبيلين، أو ما يكون مظنَّة له كزوال العقل؛ تنبيهًا بالأخف على الأغلظ، أو لأنَّهما قد يقعان في أثناء الصلاة أكثر من غيرهما، أو لعلمه أن السائل كان يعلم ما عدا ذلك.

قال في «عمدة القاري»: (وفيه بعد، والأقرب أن يقال: إنه أجاب السائل بما يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر، كما ورد نحو ذلك في حديث آخر: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا»، وفي الحديث دلالة على [أنَّ] الصلوات كلها مفتقرة إلى الطهارة، ويدخل فيها صلاة الجنازة، وصلاة العيدين، وسجدة التلاوة والشكر وغيرهما، وحكي عن الشعبي ومحمد بن جرير الطبري: أنهما أجازا صلاة الجنازة بغير وضوء وهو باطل؛ لعموم هذا الحديث والإجماع، ومن الغريب أنَّ قولهما قال به بعض الشافعية؛ فلو صلَّى محدثًا متعمدًا بلا عذر؛ أثم ولا يكفر عند الجمهور، وروي عن الإمام الأعظم أنَّه يكفر لتلاعبه وقد سبق؛ فافهم، لكن قد يفرق بين صلاة الجنازة والصلاة المطلقة؛ بأن الأولى: دعاء حقيقة، والثانية: ذات الأركان والأفعال، وهو دليل على [أنَّ] تعمد صلاة الجنازة بغير طهور غير مكفِّر؛ لأنَّها دعاء، والصلاة المطلقة المختار أنه يكفر، كما حررناه فيما سبق.

قال بعض الشراح: هذا الحديث رد على من يقول: إذا سبقه الحدث؛ يتوضأ، ويبني على صلاته.

قلت: هذا قول الإمام الأعظم رئيس المجتهدين التابعي الجليل، وهو رواية عن مالك، وبه قال الشافعي في القديم، وهو ليس يرد عليهم، كما زعم؛ لأنَّ من سبقه الحدث في صلاته إذا ذهب وتوضأ وبنى على صلاته؛ يصدق عليه أنه توضأ وصلى بالوضوء، على أنه قد ورد في الحديث عنه عليه السلام أنه قال: «من أحدث في صلاته؛ فلينصرف، فليتوضأ، ثم يتم صلاته»، وسيأتي في محلِّه بقية الكلام.

وقال الكرماني: (وفيه: أنَّ الطواف لا يجزئ بغير طهور؛ لأنَّ النبي عليه السلام سمَّاه صلاة؛ فقال: «الطواف صلاة إلا أنه أبيح فيه الكلام») .

قلت: الأصل فيه: قوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا} [الحج: 29] ، وهو مطلق، واشتراط الطهارة في الطواف بخبر الواحد زيادة على النص، وهي نسخ؛ فلا يثبت به، غير أنَّا نقول بوجوبها؛ لخبر الواحد، ومعنى الحديث: الطواف كالصلاة، والتشبيه في الثواب دون الحكم؛ لأنَّ التشبيه لا عموم له ألا ترى أن الإنحراف فيه، والمشي، والكلام وغيرهما فيه لا يفسده؛ فافهم، والله أعلم.