متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

92- وبه قال: (حَدَّثَنَا)، وفي رواية ابن عساكر: ((حدَّثني)) (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ)؛ هو أبو كريبٍ، الكوفيُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) هو حمَّاد بن أسامةَ الكوفيُّ، (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ المُوحَّدة، وفتح الرَّاء، (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ)؛ بضمِّ المُوحَّدة، وسكون الرَّاء، عامر بن أبي موسى الأشعريِّ، (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ رضي الله عنه، (قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) بضمِّ السِّين المُهمَلَة، وكسر الهمزة (عَنْ أَشْيَاءَ) غير منصرفٍ (كَرِهَهَا)؛ لأنَّه ربَّما كان [/ج1ص189/]

فيها شيءٌ سببًا لتحريم شيءٍ على المسلمين فيلحقهم به المشقَّة، أو غير ذلك، وكان من هذه الأشياء: السُّؤال عن السَّاعة ونحوها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦7291] ، (فَلَمَّا أُكْثِرَ) بضمِّ الهمزة على صيغة المجهول؛ أي: فلمَّا أكثر النَّاسُ السُّؤال (عَلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم؛ (غَضِبَ)؛ لتعنُّتهم في السُّؤال، وتكلُّفهم ما لا حاجة لهم فيه، (ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام (لِلنَّاسِ: سَلُونِي) وللأَصيليِّ: ((ثمَّ قال: سلوني)) (عَمَّا شِئْتُمْ) بالألف، وللأَصيليِّ: ((عمَّ شئتم)) [1] ؛ بحذفها؛ لأنَّه يجب حذف ألف «ما» الاستفهاميَّة إذا جُرَّت، وإبقاء الفتحة دليلٌ عليها؛ نحو: فيمَ، وإلامَ، وعلامَ؛ للفرق بين الاستفهام والخبر، ومن ثمَّ حُذِفت في نحو: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} [النازعات: 43] ، {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ} [النمل: 35] وثبتت في نحو [2] : {لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ} [النور: 14] ، {أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] ، فكما لا تُحذَف الألف في الخبر لا تثبت في الاستفهام، وحَمْلُ هذا القول منه عليه الصلاة والسلام على الوحي أَوْلى، وإلَّا، فهو لا يعلم ما يُسأَل عنه من المُغيَّبات إلَّا بإعلام الله تعالى، كما هو مُقرَّرٌ، (قَالَ رَجُلٌ) هو عبد الله بن حُذَافة الرَّسولُ إلى كسرى: (مَنْ أَبِي) يا رسول الله؟ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَبُوكَ حُذَافَةُ)؛ بمُهمَلَةٍ مضمومةٍ، وذالٍ معجمةٍ، وفاءٍ، القرشيُّ السَّهميُّ، المُتوفَّى في خلافة عثمان رضي الله عنه، (فَقَامَ) رجلٌ (آخَرُ) وهو سعد بن سالمٍ، كما في «التَّمهيد» لابن عبد البرِّ [3] ، (فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ)، وفي رواية أَبَوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((قال)): (أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ) بن ربيعة، وهو صحابيٌّ جزمًا، وكان سبب السُّؤال طعن بعض النَّاس في نسب بعضهم على عادة الجاهليَّة، (فَلَمَّا رَأَى)؛ أي: أبصر (عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (مَا فِي وَجْهِهِ) الوجيه عليه الصلاة والسلام من أثر الغضب؛ (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ) ممَّا يوجب غضبك.

[1] «عمَّ شئتم»: سقط من (م).
[2] «نحو»: سقط من (ب) و(س).
[3] قوله: «كما في «التَّمهيد» لابن عبد البرِّ»، سقط من (ص).





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

92-. حدَّثنا [1] مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ، قالَ: حدَّثنا أَبُو أُسامَةَ، عن بُرَيْدٍ، عن أَبِي بُرْدَةَ:

عن أَبِي مُوسَىَ، قالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن أَشْياءَ كَرِهَها، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قالَ لِلنَّاسِ [2] : «سَلُونِي عَمَّا [3] شِئْتُمْ». قالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قالَ: «أَبُوكَ حُذافَةُ». فَقامَ آخَرُ فقالَ: مَنْ أَبِي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقالَ [4] : «أَبُوكَ سالِمٌ مَوْلَىَ شَيْبَةَ». فَلَمَّا رأَىَ عُمَرُ ما في وَجْهِهِ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَتُوبُ إلى اللَّهِ [5] .

[1] في رواية ابن عساكر: «حدَّثني».
[2] لفظة: «للناس» ليست في رواية الأصيلي.
[3] في رواية الأصيلي: «عمَّ».
[4] في رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت: «قال».
[5] في اليونينية بين الأسطر زيادة: «عَزَّ وَجلَّ» (ن، و)، وهي مثبتة في متن (ب، ص، ق).





92- ( بُرَيْدٍ ) بضم الموحدة وراء مهملة. [/ج1ص69/]


92# (قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟) هو عبد الله بن حُذافة، الرسولُ إلى كسرى.

(حُذَافَةُ) بحاء مهملة مضمومة وذال معجمة وفاء.

(فَقَامَ آخَرُ) يقال: اسمه سعد، كذا في «التمهيد» لابن عبد البر.


92- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ): هو حمَّاد بن أسامة الكوفيُّ الحافظ، مولى بني هاشم، عن هشام بن عروة وغيره، وعنه [1] : أحمد، وإسحاق، وكان حجَّة عالمًا إخباريًّا، عنده ستُّ مئة حديث عن هشام، عاش ثمانين سنة، توفِّي سنة (201 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وهو أحد الأثبات، ذكره في «الميزان» وصحَّح عليه. [/ج1ص54/]

قوله: (عَنْ بُرَيْدٍ): هو بضمِّ الباء الموحَّدة، تقدَّم.

قوله: (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ): تقدَّم أنَّ اسمه الحارث أو عامر، وتقدَّم الكلام عليه.

قوله: (عَنْ أَبِي مُوسَى): تقدَّم أنَّه عبد الله بن قيس بن سُليم بن حَضَّار الأشعريُّ رضي الله عنه، وتقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (عَمَّا شِئْتُمْ): كذا في أصلنا، وعلى الألف علامة راويها، والجادَّة: (عمَّ) ، ويجوز في لغة إثباتُ الألف.

قوله: (قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ حُذَافَةُ): هذا الرجل هو عبد الله بن حذافة بن قيس بن عديٍّ أبو حذافة السهميُّ، له هجرتان [2] ، وسيأتي في الباب الذي بعد هذا مسمًّى، وكان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه؛ فلهذا سأله عليه الصَّلاة والسَّلام عن أبيه، وقيل: أخوه قيس بن حذافة، قاله شيخنا في مكان آخر عن العسكريِّ.

قوله: (فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: « [أَبُوكَ] سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ): هذا الآخر قال ابن شيخنا البلقينيِّ: (يقال: هذا الرجل اسمه سعد، من «التَّمهيد» لابن عبد البَرِّ) انتهى، وسعد هذا لا أعرف عينه.

و (سالم مولى شيبة) لا أعرفه، ولا أعرف له ترجمة، والظَّاهر أنَّه ليس بصحابيٍّ، (ولا له ذكر في غيره، ولعلَّه هلك على كفره) [3] ، والله أعلم.

[و (شيبة): قال بعض الحفَّاظ المتأخِّرين: (أظنُّه ابن ربيعة أخو عتبة بن ربيعة والد هند أمِّ معاوية) انتهى، وهذا كافر معروف، قُتِل ببدر] [4] .

[1] زيد في (ج): (ابن معين، و) .
[2] (له هجرتان): ليس في (ج) .
[3] ما بين قوسين ليس في (ج) .
[4] ما بين معقوفين ليس في (ج) .





92- (أَشْيَاءَ): غيرُ منصرفٍ؛ لأنَّ أصلَه (فَعْلَاء) كالشَّعْراء، جَمْعٌ على غيرِ واحدِهِ، فنقلوا الهمزةَ الأولى إلى أوَّلِ الكلمةِ فقالوا: أشياء، فتقديره: (لَفْعَاء).

وقال الأخفش والفرَّاء: (هو «أَفْعِلَاء» كالأنبياء، فحُذفتِ الياء الَّتي بين الياء والألف؛ للتَّخفيف، فوزنه «أَفْعَاء»).

وقال الكِسائيُّ: (هو «أَفْعَال» كالأفراخ، تركوا صَرْفَها؛ لكثرةِ الاستعمال؛ لأنَّها شُبِّهَت بـ«فَعْلَاء»).


92- وبه قال: (حَدَّثَنَا)، وفي رواية ابن عساكر: ((حدَّثني)) (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ)؛ هو أبو كريبٍ، الكوفيُّ، (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) هو حمَّاد بن أسامةَ الكوفيُّ، (عَنْ بُرَيْدٍ) بضمِّ المُوحَّدة، وفتح الرَّاء، (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ)؛ بضمِّ المُوحَّدة، وسكون الرَّاء، عامر بن أبي موسى الأشعريِّ، (عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريِّ رضي الله عنه، (قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) بضمِّ السِّين المُهمَلَة، وكسر الهمزة (عَنْ أَشْيَاءَ) غير منصرفٍ (كَرِهَهَا)؛ لأنَّه ربَّما كان [/ج1ص189/]

فيها شيءٌ سببًا لتحريم شيءٍ على المسلمين فيلحقهم به المشقَّة، أو غير ذلك، وكان من هذه الأشياء: السُّؤال عن السَّاعة ونحوها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦7291] ، (فَلَمَّا أُكْثِرَ) بضمِّ الهمزة على صيغة المجهول؛ أي: فلمَّا أكثر النَّاسُ السُّؤال (عَلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم؛ (غَضِبَ)؛ لتعنُّتهم في السُّؤال، وتكلُّفهم ما لا حاجة لهم فيه، (ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام (لِلنَّاسِ: سَلُونِي) وللأَصيليِّ: ((ثمَّ قال: سلوني)) (عَمَّا شِئْتُمْ) بالألف، وللأَصيليِّ: ((عمَّ شئتم)) [1] ؛ بحذفها؛ لأنَّه يجب حذف ألف «ما» الاستفهاميَّة إذا جُرَّت، وإبقاء الفتحة دليلٌ عليها؛ نحو: فيمَ، وإلامَ، وعلامَ؛ للفرق بين الاستفهام والخبر، ومن ثمَّ حُذِفت في نحو: {فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا} [النازعات: 43] ، {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ} [النمل: 35] وثبتت في نحو [2] : {لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ} [النور: 14] ، {أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] ، فكما لا تُحذَف الألف في الخبر لا تثبت في الاستفهام، وحَمْلُ هذا القول منه عليه الصلاة والسلام على الوحي أَوْلى، وإلَّا، فهو لا يعلم ما يُسأَل عنه من المُغيَّبات إلَّا بإعلام الله تعالى، كما هو مُقرَّرٌ، (قَالَ رَجُلٌ) هو عبد الله بن حُذَافة الرَّسولُ إلى كسرى: (مَنْ أَبِي) يا رسول الله؟ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (أَبُوكَ حُذَافَةُ)؛ بمُهمَلَةٍ مضمومةٍ، وذالٍ معجمةٍ، وفاءٍ، القرشيُّ السَّهميُّ، المُتوفَّى في خلافة عثمان رضي الله عنه، (فَقَامَ) رجلٌ (آخَرُ) وهو سعد بن سالمٍ، كما في «التَّمهيد» لابن عبد البرِّ [3] ، (فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ)، وفي رواية أَبَوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر: ((قال)): (أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ) بن ربيعة، وهو صحابيٌّ جزمًا، وكان سبب السُّؤال طعن بعض النَّاس في نسب بعضهم على عادة الجاهليَّة، (فَلَمَّا رَأَى)؛ أي: أبصر (عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (مَا فِي وَجْهِهِ) الوجيه عليه الصلاة والسلام من أثر الغضب؛ (قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ) ممَّا يوجب غضبك.

[1] «عمَّ شئتم»: سقط من (م).
[2] «نحو»: سقط من (ب) و(س).
[3] قوله: «كما في «التَّمهيد» لابن عبد البرِّ»، سقط من (ص).





92- ( قالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي ): هو عبد الله بن حُذَافة، بضمِّ المهملة وذال معجمة وفاء.

( فَقَامَ آخَرُ ): هو سعد بن سالم مولى شُعْبة بن رَبِيعة.


28/92# قال أبو عبد الله: حدَّثني مُحَمَّدُ بنُ العَلاءِ، قالَ: حدَّثنا أَبُو أُسامَةَ، عن بُرَيْدٍ، عن أَبِي بُرْدَةَ:

عن أَبِي مُوسَىَ، قالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عن أَشْياءَ كَرِهَها [1] ، فَلَمَّا أُكْثِرَ [2] عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قالَ لِلنَّاسِ: «سَلُونِي ما شِئْتُمْ». وذكر الحديث، قال عمرُ [3] : يا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نَتُوبُ إلى اللَّه عز وجل .

يشكل من هذا الحديث [4] معنى الغضب من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان» [5] . ثمَّ قد فَصَّل الحكم هاهنا في وقت غَضَبه؟

والجواب أنَّ الغضبَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يكون على وجهين: أحدهما:

أن يكون خوفاً وشفقاً على الأمَّة أنْ يَضِلُّوا إذا خفي عليهم علمُ ما يلزمهم ويُعينهم من أمر الدين، فيكون ذلك تحريضاً منه لهم على الواجب من ذلك.

والوجه الآخر: ما يَحْدُثُ له من الغَضَب البشري [6] الذي هو طبعٌ [7] وجِبلَّةٌ، كما قال صلى الله عليه وسلم : «إنِّي بَشَرٌ أغضبُ كما تغضَبون» [8] .

وعلى الوجهين معاً، بل على الأحوال كلِّها لا يجوز عليه غَلطٌ في الحكم يُقَرُّ عليه قولاً ولا فعلاً؛ لِعصْمَةِ اللهِ عز وجل إيَّاه صلى الله عليه وسلم [9] ، ولذلك حكم للزبير في حال غضبه حين [10] قال الأنصاريُّ له: أنْ كان ابن عَمَّتِك؟ [11] ، وليس قياسُ سائر الناس قياسَه، ولا معناهم في ذلك معناه.

[1] في (ط): (أشباهها).
[2] في (ط): (فلما كثر).
[3] في (أ) و (ر): (إلى أن قال عمر).
[4] في النسخ الفروع: (من هذين الحديثين).
[5] انظر البخاري رقم 7158، وابن ماجة رقم (2316) عن عبد الرحمن بن أبي بَكرة، عن أبيه.
[6] في (م): (اليسير في).
[7] في (أ): (طبيعة).
[8] انظر، المسند للإمام أحمد 5/437.
[9] في (أ) زيادة: (من الغضب) وفي (ر) و (ف) و (م): (في الغضب).
[10] (حين) سقط من (ط).
[11] رواه البخاري برقم (2708) عن عروة بن الزبير.





لا تتوفر معاينة

92# حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاَءِ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم

@%ص142%

عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: «سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ» قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ» فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ» فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

أخرجه البخاري هنا عن أبي كُرَيب محمد بن العلاء، وفي «كتاب الاعتصام» في «باب ما يكره من كثرة السؤال»، وفيه: «فلما رأى عمر ما في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغضب» عن يوسف بن موسى.

ورواه مسلم في «الفضائل» عن أبي كُرَيب، وعبد الله بن براد، كلهم عن أبي أسامة به.

وذكر البخاري في «الاعتصام» في الباب حديث سعد: «أن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء فحرم من أجل مسألته»، ومن حديث المغيرة: النهي عن كثرة السؤال، وذكر سؤال اليهود عن الروح.

وذكر مسلم من حديث أنس: أنهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه في المسألة، فخرج ذات يوم فصعد المنبر فقال: «سلوني، لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم».

وفي البخاري فيه: «فأكثر الناس البكاء، وأكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يقول: سلوني» ثم ذكر سؤال حُذَافَة، ثم ذكر حديث عمر قال: «فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً»، قال: «فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال ذلك»، وذكر الحديث.

وذكر مسلم أيضاً: «ذروني ما تركتكم فإنما أهلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم»، قال فيه بنحو حديث تقدم.

قال الشارح: إنما ذكرت هذه الأحاديث هنا وأكثرت منها لأن فيها بياناً للمعنى الذي من أجله نهي عن السؤال، وقد بينه الخطابي فقال: «النهي إنما جاء عمن سأل تكلفاً أو تعنتاً، وما لا حاجة له به، وعليه

@%ص143%

يحمل قوله في الحديث الأول: «أعظم الناس جرماً» فأما من يسأل لضرورة بأن وقعت له مسألة فسأل عنها فلا إثم عليه، ولا عتب».

قال عياض: لقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}.

وقيل: إن قوله تعالى: {لا تسألوا عن أشياء} الآية نزلت في سؤالهم إياه عما عفا الله عنه من أمور الجاهلية، فحذرهم الله تعالى عقباها، والسؤال عما لا فائدة منه، وعما لم ينزل بهم، وما سكت عنهم، وقيل: نهى في الآية عن السؤال عما لم يذكر في القرآن مما عفا الله عنه.

وقال غيره: كره السؤال لهم لمعان، منها: أنه ربما كان سبباً لتحريم شيء على المسلمين كالحديث الأول، وربما كان في الجواب ما يسوء السائل، كما جاء في الآية، ومنها أنه أحفوه في المسألة، وقال تعالى: {إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة}، ومنها ما كان منه على وجه التعنت كسؤال اليهود.

وظاهر قوله عليه السلام: «سلوني» إنما كان غضباً، كما قال في أول الحديث: «سُئِل عن أشياء كرهها»، فلما أُكثِر عليه غضب.

قال القاضي: وسكوته عند قول عمر دليل على أنه إنما قال ذلك لهم غضباً، وقد جاء مصرحاً به في قوله: «وسكن غضبه»، وكان صلى الله عليه وسلم اختار لهم ترك تلك المسائل، فلما سألوه ساعدهم على الجواب لجوازه لهم، ولما رأى من حرصهم وليبين قدر ما علَّمه الله، ويغيظ بذلك الكفار والمنافقين، ويقطع به في منزعهم في تعنيته في السؤال، ومعاقبة لهم لكثرة سؤالهم بإعلامهم بكل ما سألوا عنه، وفيه ما يسوء بعضهم، لما أكثروا عليه وأحفوه بالمسألة كما قال للذي سأله: أين أنا؟ قال: في النار، وهذا القول لهذا يحتمل أنه إنما قال له ذلك لأنه كان من المنافقين المستوجبين لها [1]، أو

@%ص144%

العاصين.

وقيل: قاله له عقاباً وغضباً لتعنيته إياه بسؤاله، فاستوجب به النار.

قول عمر رضي الله عنه: «نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ» وفي وراية: «رضينا بالله رباً» إلى آخره، وبروكه على ركبته أدب وإكرام منه للنبي صلى الله عليه وسلم، وشفقة على المسلمين لئلا يؤذوا النبي صلى الله عليه وسلم فيهلكوا.

قوله: «فقال رجل: مَنْ أَبِي» جاء في الباب الذي بعده تسمية الرجل: «فقام عبد الله بن حُذَافَة فقال: من أبي»، وعبد الله تقدم التعريف به في «باب ما يذكر في المناولة»، وأبو كُرَيب وباقي السند تقدم التعريف بهم.

[1] في الأصل: «له»، والمثبت هو الأصح لأن الضمير عائد على النار، واللفظ كذلك في «إكمال المعلم» (7/332).





لا تتوفر معاينة

92- وبه قال: ((حدثنا)) بالجمع، وفي رواية: بالإفراد ((محمد بن العلاء)) أبو كُريب الكوفي ((قال: حدثنا أبو أسامة)) حمَّاد بن أسامة الكوفي، ((عن بُرَيد)) ؛ بضم الموحدة وفتح الراء، ((عن أبي بُرْدة)) ؛ بضم الموحدة وسكون الراء، عامر بن أبي موسى الأشعري، ((عن أبي موسى)) عبد الله بن قيس الأشعري ((قال: سُئل)) ؛ بضم السين المهملة وكسر الهمزة، ((النبيُّ)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم عن أشياءَ)) ممنوعٌ مِنَ الصرف؛ لأنَّه أشبه (فعلاء) ، ((كَرِهَها [1] )) ؛ لأنَّه رُبَّما كان فيها شيء سبب [2] لتحريمه على المسلمين، فيلحقهم به المشقَّة، أو رُبَّما كان في الجواب ما يكره السائل؛ كقوله تعالى: {لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [المائدة: 101] .

[/ص59/] ((فلما أُكثر)) ؛ بضم الهمزة على صيغة المجهول؛ أي: فلما أكثر الناس السؤال ((عليه)) عليه السلام؛ ((غضب)) جواب (لما) وسبب غضبه تعنُّتهم في السؤال وتكلُّفهم فيما لا حاجة إليه، ولهذا قال عليه السلام: «إن أعظم المسلمين جرمًا [3] من سأل عن شيء، فحرم من أجل مسألته»، أخرجه المؤلف، ((ثم قال)) عليه السلام ((للناس: سلوني)) وسقط (للناس) في رواية، ((عما شئتم)) ؛ بالألف: وللأصيلي: بحذفها؛ لأنَّه يجب حذف ألف (ما) الاستفهامية إذا جُرَّت وإبقاء الفتحة؛ دليلًا عليها؛ للفرق بين الاستفهام والخبر، وهذا كان منه عليه السلام بوحي من ربه تعالى، ((قال رجل)) هو عبد الله بن حذافة الرسول إلى كسرى: ((من أبي)) يا رسول الله؟ ((قال)) عليه السلام: ((أبوك حُذَافَة)) ؛ بضم الحاء [4] ، والذال المعجمة وفاء مفتوحتين، القرشي السهمي، المتوفى في خلافة عثمان رضي الله عنه، وإنما سأله؛ لأنَّه كان ينسب إلى غير أبيه، وإنما عرف عليه السلام أنَّه ابنه إما بالوحي، أو بحكم الفراسة، أو بالقياس، أو الاستحقاق، والظاهر الأول، ((فقام)) رجل ((آخر)) هو سعد بن سالم، ((فقال: من أبي يا رسول الله؟ فقال)) وفي رواية: (قال عليه السلام) : ((أبوك سالم مولى شيبة)) بن ربيعة، وهو صحابيٌّ، وإنَّما سأله؛ لأنَّه قيل في نسبه لغير أبيه، وجوابه عليه السلام بوحي من ربه تعالى، ((فلما رأى)) أي: أبصر ((عمر)) بن الخطاب ((ما [في] وجهه)) عليه السلام من أثر الغضب، و (ما) موصولة، والجملة محلها النصب مفعول (رأى) ؛ ((قال: يا رسول الله؛ إنا نتوب إلى الله عز وجل)) من الأسئلة المكروهة مما لا يرضاه رسول الله عليه السلام، وفيه: فَهْم عمر رضي الله عنه وفضل علمه، وفيه: كراهة السؤال للتعنُّت، وفيه: معجزة النبيِّ الأعظم عليه السلام.

[1] في الأصل: (كرها) ، وليس بصحيح.
[2] في الأصل: (سببًا)، وليس بصحيح.
[3] في الأصل: (حرمانًا)، والمثبت موافق لما في «الصحيح».
[4] في الأصل: (الهمزة) ، وليس بصحيح.