متن الصحيح التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

71- وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ)؛ بضمِّ العين المُهمَلَة، وفتح الفاء، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، آخرُه راءٌ، المصريُّ، واسم أبيه: كثيرٌ؛ بمُثلَّثةٍ، وإنَّما نسبه المؤلِّف لجدِّه؛ لشهرته به، المُتوفَّى سنة ستٍّ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ)؛ بسكون الهاء، واسمه: عبد الله بن مسلمٍ القرشيُّ المصريُّ الفهري، الذي لم يكتبِ الإمامُ مالكٌ لأحدٍ: «الفقيهَ» إلَّا له، فيما قِيلَ، المُتوفَّى بمصر سنة سبعٍ وتسعين ومئةٍ لأربعٍ بقيْنَ من شعبان، (عَنْ يُونُسَ) ابن يزيد الأَيْلِيِّ، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، (قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن عوفٍ، وحاء «حُميدٍ» مضمومةٌ، وفي نسخةٍ: ((حدَّثني)) بالإفراد ((حمُيَدُ بن عبد الرَّحمن))، قال: (سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ) ابن أبي سفيانَ صخرِ بن حربٍ، كاتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ذا المناقب الجمَّة، المُتوفَّى في رجب سنة ستِّين، وله من العمر ثمانٍ وسبعون سنةً، وله في «البخاريِّ» ثمانية أحاديث؛ أي: سمعت قوله حال كونه (خَطِيبًا) حال كونه (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ)، وفي رواية الأَصيليِّ: ((سمعت رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم)؛ أي: كلامه حال كونه (يَقُولُ: (مَنْ يُرِدِ الله) عزَّ وجلَّ؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، وكسر الرَّاء، من الإرادة؛ وهي صفةٌ مُخصِّصَةٌ لأحد طرفيِ الممكن [1] المُقدَّر بالوقوع، (بِهِ خَيْرًا)؛ أي: جميع الخيرات، أو خيرًا عظيمًا؛ (يُفَقِّهْهُ)؛ أي: يجعله فقيهًا (فِي الدِّينِ)، والفقه لغةً: الفهم، والحمل عليه هنا أَوْلَى من الاصطلاحيِّ؛ ليعمَّ فهم كلِّ علمٍ من علوم الدِّين، و«مَنْ» موصولٌ فيه معنى الشَّرط _كما مرَّ_، ونكَّر «خيرًا»؛ ليفيد التَّعميم؛ لأنَّ النَّكرة في سياق الشَّرط كهي في سياق النَّفيِ، أوِ [2] التَّنكير للتَّعظيم؛ إذ إنَّ المقام يقتضيه؛ ولذا قُدِّر _كما مرَّ_ بجميعٍ وعظيمٍ، (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ)؛ أي: أقسم بينكم تبليغ الوحيِ من غير تخصيصٍ، (وَاللهُ يُعْطِي) كلَّ واحدٍ منكم من الفهم على قدر ما تعلَّقت به إرادته تعالى، فالتَّفاوت في أفهامكم منه سبحانه، وقد كان [3] بعض الصَّحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلَّا الظَّاهر الجليَّ، ويسمعه آخرُ منهم، أو من القرن الذي يليهم، أو ممَّن أتى بعدهم؛ فيستنبط منه مسائلَ كثيرةً، و{ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [الجمعة: 4] ، وقال الطِّيبيُّ: الواو في قوله: «وإنَّما أنا قاسمٌ» للحال من فاعل «يُفَقِّهْهُ»، أو من مفعوله، فعلى الثَّاني؛ فالمعنى: أنَّ الله تعالى يعطي كلًّا ممَّن أراد أن يفقِّهَه استعدادًا لدرك المعاني على ما قدَّره له، ثمَّ يلهمني بإلقاء ما هو لائقٌ باستعداد كلِّ واحدٍ، وعلى الأوَّل؛ فالمعنى: أنِّي ألقي على ما يسنح لي وأسوِّي فيه، ولا أرجِّح بعضهم على بعضٍ، والله يوفِّق كلًّا منهم على ما أراد وشاء من العطاء، انتهى. وقال غيره: المراد: القَسْم الماليُّ، لكنَّ سياقَ الكلام يدلُّ على [/ج1ص169/] الأول؛ إذ إنَّه أخبر أنَّ من أراد به خيرًا فقهَّه [4] في الدِّين، وظاهره يدلُّ على الثَّاني؛ لأنَّ القسمة حقيقيَّةٌ في الأموال. نعم؛ يتوجَّه السُّؤال عن وجه المُناسَبَة بين اللَّاحق والسَّابق، وقد يُجَاب: بأنَّ مورد الحديث كان عند قسمة مالٍ، وخصَّص عليه الصلاة والسلام بعضهم [5] بزيادةٍ؛ لمُقْتَضٍ اقتضاه، فتعرَّض بعضُ من خَفِيَ عليه الحكمة، فردَّ عليه صلى الله عليه وسلم بقوله: «من يُرِدِ الله به خيرًا...» إلى آخره؛ أي: من أراد الله به الخير؛ يزيد له في فهمه في أمور الشَّرع، فلا يتعرَّض لأمرٍ ليس على وفق خاطره؛ إذِ [6] الأمر كلُّه للَّه، وهو الذي يعطي ويمنع، ويزيد وينقص، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قائمٌ [7] بأمر الله، ليس بمعطٍ حتَّى تُنْسَب إليه الزِّيادةُ والنُّقصان، واستُشكِل: الحصر بـ: «إنَّما» مع أنَّه عليه الصلاة والسلام له صفاتٌ أخرى سوى «قاسمٌ»، وأُجِيب: بأنَّ هذا ورد؛ ردًّا على من اعتقد أنَّه عليه الصلاة والسلام يعطي ويقسم، فلا ينفي إلَّا ما اعتقده السَّامع، لا كلُّ صفةٍ من الصِّفات، وفيه حذف المفعول، (وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً) بالنَّصب خبر «تزال»، (عَلَى أَمْرِ اللهِ): على الدِّين الحقِّ، (لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ)؛ أي: الذي (خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ)، و«حتَّى» غايةٌ لقوله: «لن تزالَ»، واسْتُشكِل: بأنَّ ما بعد الغاية مخالفٌ لِمَا قبلها؛ إذ يلزم منه ألَّا تكون هذه الأمَّة يوم القيامة على الحقِّ، وأُجِيب: بأنَّ المرادَ من قوله: «أمر الله» التَّكاليف، وهي معدومةٌ فيها، أوِ المُرَاد بالغاية هنا: تأكيد التَّأبيد؛ على حدِّ قوله تعالى: {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} [هود: 108] ، أو هي غايةٌ لقوله: «لا يضرُّهم»؛ لأنَّه أقرب، ويكون المعنى: حتَّى يأتيَ بلاء الله، فيضرُّهم حينئذٍ، فيكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها.

[1] «الممكن»: سقط من (ص) و(م).
[2] في (ص): «و».
[3] في (ص): «قال»، وهو تحريفٌ.
[4] في (ب) و(س): «يفقهه».
[5] «بعضهم»: سقط من (ص).
[6] في (ص): «لأنَّ».
[7] في (ب) و(س): «قاسم».





إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني
اسم المؤلف الكامل : القسطلاني أبو العباس أحمد بن محمد الشافعي
تاريخ الوفاة : 923
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 10
حول الكتاب : أفضل شرح مزجي لنسخة اليونيني لصحيح البخاري.
حول المؤلف : ترجمة القسطلاني (851 - 923 ه)

اسمه ونسبه:
هو: أحمد بن محمد بن أبي بكر بن عبد الملك بن الزين أحمد بن الجمال محمد بن الصفيِّ محمد بن المجد حسين بن التاج علي القسطلاني الأصل، المصري، الشافعي، ويعرف بالقسطلاني، وأمه حليمة ابنة الشيخ أبي بكر بن أحمد بن حميدة النحاس.
والقسطلاني: نسبة لقسطيلية إقليم قديم في الشمال الإفريقي، تمتد رقعته حاليًا شمال شط الجريد في الجمهورية التونسية وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومن مدنه بسكرة.

ولادته ونشأته:
ولد يوم الثاني عشر من ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمئة، وترعرع في مصر وعن علمائها أخذ أكثر علومه.

أسرة القسطلاني:
كما كان للقسطلاني جدٌّ من أهل العلم كانت زوجته عائشة بنت يوسف بن أحمد بن ناصر الدين، العالمة، الأديبة، أم عبد الوهاب الصوفية، الشهيرة بالباعونية أيضًا من نبلاء عصرها، توافقه الهوى الصوفي والميل القلبي، أديبة لها مؤلفات عديدة. توفيت قبل القسطلاني بسنة.

رحلته:
بدأ تحصيله في مصر ثم رحل للشام والحجاز.

مذهبه:
أجمعت المصادر على أنه كان شافعي المذهب، وصرح هو في التحفة بذلك.

معتقده:
يظهر جليًا أنه على مذهب أبي الحسن الأشعري، وأنه كان يشده إلى معتقدات وأفكار الطرق الصوفية رباط قوي.

طريقته:
قال النجم الغزي: «كان له اعتقاد تام في الصوفية، وأكثر في المواهب من الاستشهاد بكلام سيد وفا، وكان يميل إلى الغلو في رفعة قدر النبي صلى الله عليه وسلم حتى اختار مذهب مالك رضي الله تعالى عنه في تفضيل المدينة على مكة».

شيوخه:
في القراءات:
تلا على السراج عمر بن قاسم الأنصاري النشار والزين عبد الغني الهيثمي، والشهاب بن أسد والزين خالد الأزهري، وأخذ القراءات عن الشمس ابن الحمصاني (811 - 897هـ)، والزين عبد الدائم بن علي، أبي محمد الحديدي ثم القاهري الأزهري الشافعي (801 - 870هـ).
وفي الفقه:
عن الفخر المقسي، والشهاب العبادي، والشمس البامي، والبرهان العجلوني، والجلال البكري.
وفي النحو:
العجلوني.
الحديث:
عن شمس الدين السخاوي، والرضي الأوجاقي، وأبي السعود الغَرَّاقي، والنشاوي.

محفوظاته:
حفظ رحمه الله القرآن والشاطبيتين، ونصف الطيبة الجزرية، والوردية في النحو، وتلا بالسبع.

علومه:
تخرج رحمه الله بكبار علماء عصره، في القراءات، والحديث الشريف، والفقه الشافعي، واللغة العربية، وطالع كتب معاصريه وسابقيه، حتى أصبح مشكاةً لمختلف العلوم الشرعية.

وفاته:
توفي رحمه الله ليلة الجمعة ثامن المحرم سنة 923 ه - الموافق 1517م؛ لعروض فالج له نشأ من تأثره ببلوغه قطع رأس إبراهيم بن عطاه الله المكي صديق السلطان الغوري، بحيث سقط عن دابتة، وأغمي عليه فحمل إلى منزله، ثم مات بعد أيام، وصلي عليه بالأزهر عقب صلاة الجمعة، ودفن بقبة قاضي القضاة بدر الدين العيني من مدرسته بقرب جامع الأزهر.

منزلة القسطلاني:
أوتي رحمه ملكة الفهم والتفهيم، ورزق السعادة في الإقراء والتأليف فأقرأ وألف في مختلف علوم الشريعة، وكان يعظ بالجامع العمري وغيره، ويجتمع عنده الجم الغفير، ولم يكن له نظير في الوعظ.
يقول الشيخ عبد الكبير الكتاني عن شرحه «إرشاد الساري»: كان بعض شيوخنا يفضله على جميع الشروح من حيث الجمع وسهولة الأخذ والتكرار والإفادة، وبالجملة فهو للمدرس أحسن وأقرب من «فتح الباري» فمن دونه.
قلت: وقد استفاد الهنود من شرحه استفادة وأيما استفادة، كما في «شرح الجامع الصحيح» لخليل أحمد السهارنفوري.
لكنه رحمه الله اتهم في أكثر من موضع أو كتاب بانتحال كتب أو نقول من غيره مع عدم العزو إلى المؤلف أو الناقل، ففيما يتعلق برسائله في العمل بالربع قال السخاوي: «أظنه أخذه عن العز الوفائي».
حكى العيدروسي واقعة _قيل: إنها وقعت بين القسطلاني والسيوطي_ قال: ويحكى أن الحافظ السيوطي كان يغض منه ويزعم أنه يأخذ من كتبه، ويستمد منها، ولا ينسب النقل إليها، وأنه ادعى عليه بذلك بين يدي شيخ الإسلام زكريا فألزمه ببيان مدعاه فعدد عليه مواضع قال: أنه نقل فيها عن البيهقي. وقال: إن للبيهقي عدة مؤلفات فليذكر لنا ما ذكره في أي مؤلفاته، ليعلم أنه نقل عن البيهقي ولكنه رأى في مؤلفاتي ذلك النقل عن البيهقي فنقله برمته. وكان الواجب عليه أن يقول: نقل السيوطي عن البيهقي. وحكى الشيخ جار الله بن فهد رحمه الله أن الشيخ رحمه الله تعالى قصد ازالة ما في خاطر الجلال السيوطي فمشى من القاهرة إلى الروضة وكان الجلال السيوطي معتزلًا عن الناس بالروضة فوصل صاحب الترجمة إلى باب السيوطي ودق الباب. فقال له: من أنت؟ فقال: أنا القسطلاني جئت إليك حافيًا مكشوف الرأس ليطيب خاطرك علي! فقال له: قد طاب خاطري عليك. ولم يفتح له الباب ولم يقابله.
قال الكتاني في «فهرس الفهارس»، له: وعندي مقامة عجيبة ألفها الحافظ السيوطي في قضاياه مع المترجَم سماها: «الفارق بين المصنف والسارق» في نحو كراسة.

مؤلفاته:
العقود السنية في شرح المقدمة الجزرية. ط.
فتح الداني في شرح حرز الأماني، منه نسخة في الجامع الكبير بصنعاء تحت رقم: 1549.
الفتح المواهبي في ترجمة الإمام الشاطبي، ط.
مشارق الأنوار المضية في شرح الكواكب الدرية (شرح البردة)، مخطوطة منها نسخة في مكتبة برلين بألمانيا تحت رقم (7792).
الروض الزاهر في مناقب الشيخ عبد القادر، ذكر منه نسخة في المكتبة المركزية بجدة تحت الرقم (234مجاميع) هو الرسالة السادسة منها.
تحفة السامع والقاري بختم صحيح البخاري.
المواهب اللدنية في المنح المحمدية. ط.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري. وهو كتابنا هذا.
مدارك المرام في مسالك الصيام، ط.
مراصد الصلات في مقاصد الصلاة، ط.
لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار، منه نسخة في مكتبة المسجد النبوي.
لطائف الإشارات في علم القراءات، وهو من أوسع كتب القراءات طبع المجلد الأول منه في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، وأخذ كرسائل علمية في الأزهر، وهو يحقق الآن في مجمع الملك فهد وسيصدر في حوالي عشر مجلدات.
مسالك الحنفا إلى مشارع الصلاة على النبي المصطفى، ط.
منهاج الابتهاج شرح مسلم بن الحجاج في ثمانية أجزاء، أتم منه فيه إلى أثناء كتاب الحج.
وله من الكتب الأخرى:
الأسعد في تلخيص الإرشاد من فروع الشافعية لشرف الدين المقري، لا يعلم عنه شيء.
اختصار «الضوء اللامع» لشيخه السخاوي.
اختصار «إرشاد الساري» لم يكمله.
رسائل في العمل بالربع.
الكنز في وقف حمزة وهشام على الهمز.
شرح على الشاطبية وصل فيه إلى الإدغام الصغير. قال السخاوي: زاد فيه زيادات ابن الجزري من طرق نشره مع فوائد غريبة لا توجد في شرح غيره.
شرح على الطيبة كتب منه قطعة مزجًا.
نفائس الأنفاس في الصحبة واللباس.
نزهة الأبرار في مناقب الشيخ أبي العباس الحرار.

نشاطه العلمي والاجتماعي:
على انجماعه في منتصف حياته عن الناس شغل رحمه الله عدة مناصب تدريسية ووعظية وكانت له حظوة لدى شيوخه الكبار، وتفيد ترجمة شيخه السخاوي له أنه كان موضع نظر وتقدير العامة والخاصة، يقول السخاوي: «جلس للوعظ بالجامع العمري سنة ثلاث وسبعين وكذا بالشريفية بالصبانيين، بل وبمكة، وكان يجتمع عنده الجم الغفير، مع عدم ميله في ذلك، وولي مشيخة مقام أحمد بن أبي العباس الحراز بالقرافة الصغرى، وأقرأ الطلبة وجلس بمصر شاهدًا رفيقا لبعض الفضلاء، وبعده انجمع وكتب بخطه لنفسه ولغيره أشياء»، ثم قال: «وقد قدم مكة أيضًا بحرًا صحبة ابن أخي الخليفة سنة سبع وتسعين فحج ثم رجع معه».

علاقته بعلماء عصره:
أثمر تميز القسطلاني رحمه الله بالأدب والتواضع والحياء ثقة شيوخه وتقدير معاصريه. ولم يخل الأمر من بعض المزعجات، فذلك مما لا يكاد يخلو منه أحد.

حليته رحمه الله:
قال تلميذه الشيخ عبد الوهاب الشعراوي: «كان من أحسن الناس وجهًا، طويل القامة، حسن الشيب. يقرأ بالأربع عشرة رواية، وكان صوته بالقرآن يبكي القاسي إذا قرأ في المحراب تساقط الناس من الخشوع والبكاء».
أما حاله الصحية فيقول شيخه السخاوي: «كثير الأسقام.... كان الله له».

أخلاقه وثناء العلماء عليه:
قال شيخه الشمس السخاوي: «هو قانع، متعفف، جيد القراءة للقرآن والحديث والخطابة، شجي الصوت بها، مشارك في الفضائل، متواضع، متودد، لطيف العشرة، سريع الحركة».
وقال جار الله ابن فهد: «ولما اجتمعت به في الرحلة الأولى أجازني بمؤلفاته ومروياته وفى الرحلة الثانية عظمني واعترف لي بمعرفة فني وتأدب معي ولم يجلس على مرتبته بحضرتي فالله يزيد في إكرامه ويبلغه غاية مرامه».
وقال النجم الغزي: «الشيخ الإمام العلامة، الحجة الرحلة الفهامة، الفقيه النبيه المقري المجيد المسند المحدث».
وقال أيضًا: «وكان من أزهد الناس في الدنيا، وكان منقادًا إلى الحق من رد له سهوًا أو غلطًا يزيد في محبته».
وقال العلائي: كان فاضلًا محصلًا دينًا عفيفًا متقللًا من عشرة الناس إلا في المطالعة والتأليف والإقراء والعبادة.
وقال العيدروسي: «كان إمامًا، حافظًا، متقنًا، جليل القدر، حسن التقرير والتحرير، لطيف الإشارة، بليغ العبارة، حسن الجمع والتأليف، لطيف الترتيب والترصيف. كان زينة أهل عصره ونقاوة ذوي دهره. ولا يقدح فيه تحامل معاصريه عليه، فلا زالت الأكابر على هذا في كل عصر رحمهم الله».
عملنا : قابلنا الكتاب على ثلاثة أصول خطية مع المقارنة بطبعة بولاق الأولى وطبعة بولاق السادسة، وسجلنا الفروق، وخرجنا مواضع العزو.
وصف الأصول الخطية المعتمدة:
1 - النسخة الأولى:
نسخة العلامة المحدث إسماعيل بن محمد العجلوني (ت: 1162) محدث الشام في عصره، قرأها وقابلها على نسخ عديدة تحت قبة الجامع الأموي سنة 1135هـ، وقُرأت على الشيخ محمد سليم العطار أيضًا سنة 1290هـ، وهي نسخة متينة مصححة عليها هوامش وحواشي موضحة، كتبت 1094 - 1097، وتقع في مجلدات سبع، مصدرها دار الكتب الظاهرية، وهي النسخة المرموز لها بالرمز (د).
2 ـ النسخة الثانية نسخة منقولة من نسخة الحافظ أبي العز العجمي محدث مصر في عصره المشهورة بمقابلتها على أصول عديدة منها نسخة المؤلف، وعليها هوامش شارحة أيضًا، تاريخ نسخها يعود للقرن الحادي عشر، وتقع في مجلدات ست، مصدرها مكتبة حاجي سليم آغا بتركيا، وهي المرموز لها بالرمز (ص).
3 ـ نسخة في مجلدات ثمان من أقدم نسخ إرشاد الساري ملفقة كتب نصف الكتاب _وهو المجلدات الثلاث الأول_ في 964 -965 إلى أثناء الجهاد، وتمم بخط علامة بعلبك يحيى بن عبد الرحمن التاجي سنة 1140هـ، والنسخة مصححة عليها هوامش شارحة، وهذه النسخة هي المرموز لها بالرمز (م). بالإضافة إلى قطع متفرقة من نسخ نفيسة، وطبعتي البولاقية الأولى المرموز لها بالرمز (ب)، والسادسة المرموز لها بالرمز (س).

71-. حدَّثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قالَ: حدَّثنا ابْنُ وَهْبٍ، عن يُونُسَ، عن ابْنِ شِهابٍ، قالَ: قالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ:

سَمِعْتُ مُعاوِيَةَ خَطِيبًا يَقُولُ [1] : سَمِعْتُ النَّبِيَّ [2] صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ -عَزَّ وَجلَّ [3] - بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وإِنَّما أَنا قاسِمٌ واللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قائِمَةً علىَ أَمْرِ اللَّهِ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خالَفَهُمْ، حَتَّىَ يأتِيَ أَمْرُ اللَّهِ».

[1] في رواية الأصيلي: «فقال».
[2] هكذا في رواية السمعاني عن أبي الوقت وروايةٍ لابن عساكر أيضًا، وعزاها في (ب، ص) إلىَ رواية الأصيلي بدل ابن عساكر، وفي رواية أبي ذر وأخرىَ عن ابن عساكر: «رسول الله».
[3] قوله: «عَزَّ وَجلَّ» ليس في (ب، ص).





لا تتوفر معاينة

71# (وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً [1] عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ [2] ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ) أي: من ذهابهم قُبيل [3] وجود الأشراط [4] التي لا يُنتفع [5] بعدها بالأعمال، فيكون الموت حينئذٍ خيرًا من الحياة، وينتهي

@%ج1ص82%

تمام الدين بأهله إلى ذلك الوقت، ويبقى شرار الناس، فعلى وجوههم تقوم [6] الراجفة تتبعها الرادفة.

بهذا جمع ابن المنيِّر بين ذلك وبين قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا تقُومُ السَّاعةُ حتَّى لا يقولَ أحدٌ: الله، الله))، و((لا تقومُ السَّاعةُ إلَّا علَى شرارِ النَّاسِ)).

وقال: معنى [7] ((لا تقوم الساعة)) [8] : لا تقوم أشراطُها التي تَبْطُل التكاليفُ عندها، ولا ينفع الإيمانُ [9] معها.

وقال الطبري: هو عامٌّ أُريد به الخصوص؛ أي: لا تقوم الساعة على من يُوحِّد إلا بموضع كذا، فإن به طائفةً على الحقِّ، ولا تقوم الساعة إلَّا على شرار الناس بموضع كذا.

[1] ((قائمة)): ليست في (ق).
[2] في (ق): ((خذلهم)).
[3] في (ق): ((قبل)).
[4] في (د): ((الاشتراط)).
[5] في (ق): ((ينفع)).
[6] ((تقوم)): ليست في (د) و(ج).
[7] في (د): ((حتى)).
[8] في (ج): ((وقال لا تقوم الساعة حتى)).
[9] في (ق): ((إيمان)).





71- قوله: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابنُ عُفَيْرٍ): هُوَ بعين مهملة مضمومة [1] ، ثُمَّ فاء مفتوحة، ثُمَّ مُثنَّاة تحت ساكنة، ثُمَّ راء، وَهْوَ سعيد بن كثير بن عفير وينسب كثيرًا إلى جدِّه، وكذا فعل البُخَارِيُّ هنا ابن مسلم بن يزيد بن حبيب بن الأسود الأنصاريُّ مولاهم، المصريُّ [2] أبو عثمان، [/ج1ص44/] عَنْ مالك، والليث، وطائفة، وعنه: البخاريُّ، والذهليُّ، وطائفة، قال أَبُو حاتم: (صدوق، ولم يكن بالثبت، كان يقرأ من كتب الناس) ، تُوفِّي في صفر سنة (226 هـ ) ، أخرج له مع البخاريِّ مسلمٌ وأبو داود في «الردِّ على أهل القدر»، والنَّسائيُّ، له ترجمة في «الميزان»، فإن شئت؛ فانظرها.

قوله: (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ): هذا عَبْد الله بن وهب، أحد الأئمَّة الأعلام، ترجمته معروفة.

قوله: (عَنْ يُونُسَ): هو ابن يزيد الأيليُّ، أحد الأثبات ثقة إمام، تُوفِّي سنة (159 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وقد تقدَّم، وأنَّ فيه ستَّ لغات.

قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ): تقدَّم أنَّه الزُّهريُّ محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عَبْد الله بن شهاب، العالم المشهور، شيخ الإسلام، وأوحد الأعلام.

قوله: (حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ): المراد بـ (أمر الله) هنا: الريح؛ إذ في «الصحيح»: «إنَّ الله يبعث ريحًا من اليمن ألين من الحرير، فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال حبَّة من إيمان [3] ».

إن قيل: ما الجمع بين هذا وبين الحَدِيْث الآخر: «لا تقوم الساعة حتَّى لا يقال في الأرض: الله الله»، وحَدِيْث: «لا تقوم الساعة إلَّا على شرار الخلق»؟

والجواب [4] : أنَّ المراد بـ (أمر الله): الريح، لا قيام الساعة، فبعد الريح يكون ذلك، وجوَّز بعضهم أن يضمر في الحَدِيْث: بموضع كذا، فالموصوفون بأنَّهم شرار الخلق غير الموصوفين [5] بأنَّهم على الحقِّ، ويؤيِّد ما قاله أنَّه جاء في بعض طرق الحَدِيْث: قيل: من [6] هم يا رسول الله؟ قال: «ببيت المقدس [7] أو أكناف بيت المقدس» وفي «الصحيح»: (وهم بالشام) من قول معاذ، وفي «مسلم»: «لا يزال أهل الغرب»، قال ابن المدينيِّ: (المراد بهم: العرب) ، قيل: أراد: أهل الشام؛ لأنَّهم [8] غرب الحجاز، وقيل: المراد بالغرب الحدَّة [9] والشوكة، يريد: أهل الجهاد، وفي «الصحيح»: «لا تزال طائفة من أمَّتي»، قال البخاريُّ: (قال ابن المدينيِّ: وهم أهل العلم) ، وقال الإمام أحمد: (إن لَمْ يكونوا أهل الحَدِيْث؛ فلا أدري من هم؟) ، قال النوويُّ: (يحتمل أن تكون هذه الطائفة متفرِّقة من أنواع المؤمنين، فمنهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدِّثون، ومنهم زهَّاد آمرون بالمعروف وناهون عَن المنكر، وفيهم أهل أنواع من الخير) ، وسيأتي بأطول من هذا إن شاء الله تعالى في (باب علامات النُّبوَّة) .

[1] (مضمومة): ليس في (ب) .
[2] في (ب): (المقري) .
[3] في (ج): (الإيمان) .
[4] في (ج): (فالجواب) .
[5] في (ب): (الموصوف) .
[6] في (ج): (أين) .
[7] في (ب): (القدس) .
[8] في (ج): (لأنه) .
[9] في (ب): (المدة) .





71- (خَطِيبًا): حالٌ مِنَ المفعول [1] ، لا مِنَ الفاعل [2] ؛ لأنَّه أقربُ؛ ولأنَّ الخطبةَ تليقُ بالوُلاةِ.

[1] أي: حال من معاوية.
[2] أي: لا حال من حميد.





71- وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ)؛ بضمِّ العين المُهمَلَة، وفتح الفاء، وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة، آخرُه راءٌ، المصريُّ، واسم أبيه: كثيرٌ؛ بمُثلَّثةٍ، وإنَّما نسبه المؤلِّف لجدِّه؛ لشهرته به، المُتوفَّى سنة ستٍّ وعشرين ومئتين، (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ)؛ بسكون الهاء، واسمه: عبد الله بن مسلمٍ القرشيُّ المصريُّ الفهري، الذي لم يكتبِ الإمامُ مالكٌ لأحدٍ: «الفقيهَ» إلَّا له، فيما قِيلَ، المُتوفَّى بمصر سنة سبعٍ وتسعين ومئةٍ لأربعٍ بقيْنَ من شعبان، (عَنْ يُونُسَ) ابن يزيد الأَيْلِيِّ، (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ، (قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن عوفٍ، وحاء «حُميدٍ» مضمومةٌ، وفي نسخةٍ: ((حدَّثني)) بالإفراد ((حمُيَدُ بن عبد الرَّحمن))، قال: (سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ) ابن أبي سفيانَ صخرِ بن حربٍ، كاتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ذا المناقب الجمَّة، المُتوفَّى في رجب سنة ستِّين، وله من العمر ثمانٍ وسبعون سنةً، وله في «البخاريِّ» ثمانية أحاديث؛ أي: سمعت قوله حال كونه (خَطِيبًا) حال كونه (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ)، وفي رواية الأَصيليِّ: ((سمعت رسول الله)) (صلى الله عليه وسلم)؛ أي: كلامه حال كونه (يَقُولُ: (مَنْ يُرِدِ الله) عزَّ وجلَّ؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة، وكسر الرَّاء، من الإرادة؛ وهي صفةٌ مُخصِّصَةٌ لأحد طرفيِ الممكن [1] المُقدَّر بالوقوع، (بِهِ خَيْرًا)؛ أي: جميع الخيرات، أو خيرًا عظيمًا؛ (يُفَقِّهْهُ)؛ أي: يجعله فقيهًا (فِي الدِّينِ)، والفقه لغةً: الفهم، والحمل عليه هنا أَوْلَى من الاصطلاحيِّ؛ ليعمَّ فهم كلِّ علمٍ من علوم الدِّين، و«مَنْ» موصولٌ فيه معنى الشَّرط _كما مرَّ_، ونكَّر «خيرًا»؛ ليفيد التَّعميم؛ لأنَّ النَّكرة في سياق الشَّرط كهي في سياق النَّفيِ، أوِ [2] التَّنكير للتَّعظيم؛ إذ إنَّ المقام يقتضيه؛ ولذا قُدِّر _كما مرَّ_ بجميعٍ وعظيمٍ، (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ)؛ أي: أقسم بينكم تبليغ الوحيِ من غير تخصيصٍ، (وَاللهُ يُعْطِي) كلَّ واحدٍ منكم من الفهم على قدر ما تعلَّقت به إرادته تعالى، فالتَّفاوت في أفهامكم منه سبحانه، وقد كان [3] بعض الصَّحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلَّا الظَّاهر الجليَّ، ويسمعه آخرُ منهم، أو من القرن الذي يليهم، أو ممَّن أتى بعدهم؛ فيستنبط منه مسائلَ كثيرةً، و{ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [الجمعة: 4] ، وقال الطِّيبيُّ: الواو في قوله: «وإنَّما أنا قاسمٌ» للحال من فاعل «يُفَقِّهْهُ»، أو من مفعوله، فعلى الثَّاني؛ فالمعنى: أنَّ الله تعالى يعطي كلًّا ممَّن أراد أن يفقِّهَه استعدادًا لدرك المعاني على ما قدَّره له، ثمَّ يلهمني بإلقاء ما هو لائقٌ باستعداد كلِّ واحدٍ، وعلى الأوَّل؛ فالمعنى: أنِّي ألقي على ما يسنح لي وأسوِّي فيه، ولا أرجِّح بعضهم على بعضٍ، والله يوفِّق كلًّا منهم على ما أراد وشاء من العطاء، انتهى. وقال غيره: المراد: القَسْم الماليُّ، لكنَّ سياقَ الكلام يدلُّ على [/ج1ص169/] الأول؛ إذ إنَّه أخبر أنَّ من أراد به خيرًا فقهَّه [4] في الدِّين، وظاهره يدلُّ على الثَّاني؛ لأنَّ القسمة حقيقيَّةٌ في الأموال. نعم؛ يتوجَّه السُّؤال عن وجه المُناسَبَة بين اللَّاحق والسَّابق، وقد يُجَاب: بأنَّ مورد الحديث كان عند قسمة مالٍ، وخصَّص عليه الصلاة والسلام بعضهم [5] بزيادةٍ؛ لمُقْتَضٍ اقتضاه، فتعرَّض بعضُ من خَفِيَ عليه الحكمة، فردَّ عليه صلى الله عليه وسلم بقوله: «من يُرِدِ الله به خيرًا...» إلى آخره؛ أي: من أراد الله به الخير؛ يزيد له في فهمه في أمور الشَّرع، فلا يتعرَّض لأمرٍ ليس على وفق خاطره؛ إذِ [6] الأمر كلُّه للَّه، وهو الذي يعطي ويمنع، ويزيد وينقص، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قائمٌ [7] بأمر الله، ليس بمعطٍ حتَّى تُنْسَب إليه الزِّيادةُ والنُّقصان، واستُشكِل: الحصر بـ: «إنَّما» مع أنَّه عليه الصلاة والسلام له صفاتٌ أخرى سوى «قاسمٌ»، وأُجِيب: بأنَّ هذا ورد؛ ردًّا على من اعتقد أنَّه عليه الصلاة والسلام يعطي ويقسم، فلا ينفي إلَّا ما اعتقده السَّامع، لا كلُّ صفةٍ من الصِّفات، وفيه حذف المفعول، (وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً) بالنَّصب خبر «تزال»، (عَلَى أَمْرِ اللهِ): على الدِّين الحقِّ، (لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ)؛ أي: الذي (خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ)، و«حتَّى» غايةٌ لقوله: «لن تزالَ»، واسْتُشكِل: بأنَّ ما بعد الغاية مخالفٌ لِمَا قبلها؛ إذ يلزم منه ألَّا تكون هذه الأمَّة يوم القيامة على الحقِّ، وأُجِيب: بأنَّ المرادَ من قوله: «أمر الله» التَّكاليف، وهي معدومةٌ فيها، أوِ المُرَاد بالغاية هنا: تأكيد التَّأبيد؛ على حدِّ قوله تعالى: {مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ} [هود: 108] ، أو هي غايةٌ لقوله: «لا يضرُّهم»؛ لأنَّه أقرب، ويكون المعنى: حتَّى يأتيَ بلاء الله، فيضرُّهم حينئذٍ، فيكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها.

[1] «الممكن»: سقط من (ص) و(م).
[2] في (ص): «و».
[3] في (ص): «قال»، وهو تحريفٌ.
[4] في (ب) و(س): «يفقهه».
[5] «بعضهم»: سقط من (ص).
[6] في (ص): «لأنَّ».
[7] في (ب) و(س): «قاسم».





71- ( وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ ) في لفظ: «طائفة من هذه الأمَّة»، وسيأتي في الاعتصام. [خ:7312] [/ج1ص240/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

71# ثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيباً يَقُولُ: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ».

رواه البخاري هنا عن سعيد، وفي «الاعتصام» عن إسماعيل بن أبي أويس، كلاهما عن ابن وهب، وفي «الخمس» عن حبان بن موسى عن ابن المبارك.

وروى مسلم في «الزكاة» الفصلين الأولين عن حرملة عن ابن وهب، كلاهما عن يونس، عن الزهري، كلهم عن حميد بن عبد الرحمن، عن معاوية.

وروى مسلم الفصل الثالث، وهو قوله: « وَلَنْ تَزَالَ» إلى آخره عن عمير بن هانئ عن معاوية، ولفظه: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الحق».

وفي لفظ لمسلم: «لا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة».

ولمسلم أيضاً: «لن يبرح هذا الدين قائماً يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة».

وفي البخاري: فقال معاذ: «هم بالشأم».

ولمسلم أيضاً: «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله».

قوله: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ» شرط وجوابه، وهما مجزومان، والمعنى: من يرد الله به خيراً يفقهه، ومن لم يفقهه في الدين فلا يريد به خيراً، وأتى بالخبر منكراً لأنه أبلغ، كأنه قال: لا يريد به خيراً من الخير.

ويقال: فقه الرجل بفتح القاف إذا سبق غيره إلى الفهم، وبكسرها إذا فهم، وبضمها إذا كان له سجية، ومنه: فقيه، لأنه فعيل بمعنى فاعل من فقه بالضم، كطريف وشريف من طرف وشرف.

ومعنى فقهه: علمه وفهمه.

قوله: «الدِّين» المراد بالدين الإسلام [1]، قال الله: {إن الدين عند الله الإسلام}.

@%ص58%

وقيل: الفقه في الدين الفقه في القواعد الخمس، ويتصل الكلام عليها في الأحكام الشرعية.

قال أبو الحسن بن بطال: في الحديث دليل على فضل العلماء على سائر الناس، وفضل الفقه على سائر العلوم، وإنما ثبت فضله لأنه يعود إلى خشية الله والتزام طاعته، وتجنب معاصيه، قال الله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}.

وقال ابن عمر للذي قال له فقيه: «إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، واشتدت خشية العلماء لمعرفتهم بما وعد الله الطائعين، وأوعد العاصين، وعظيم نعم الله على عباده».

قوله: «إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ» يعني أنه لم يستأثر بشيء من مال الله، قال عليه السلام: «ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، وهو مردود عليكم».

وإنما قال: «إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ» تطييباً لنفوسهم لمفاضلته في العطاء، فالمال لله، والعباد لله، وأنا قاسم بإذن الله مالَه بين عباده.

وقوله: «وَاللَّهُ يُعْطِي» أي من قسمت له كثيراً [2] فبقدر الله، وما سبق له في الكتاب، وكذا من قسمت له كثيراً، فلا يزاد لأحد في رزقه، كما لا يزاد لأحد في أجله.

وقال الداوودي في قوله: «إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي» دليل على أنه إنما يعطي بالوحي.

قوله: «وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً» ... الحال [3]، والمعنى: لا تزال قائمة على أمر الله، لا يضرها من خالفها، وقيل: المعنى أن الله تعالى يحمي إجماع هذه الأمة عن أن تزل عن أمر الله حتى يأتي أمر الله، ولا يسمى أمة إلا الذين يعتد بإجماعهم.

قوله: «حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» قيل: أمر الله الريح المذكور في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث ريحاً من اليمن ألين من الحرير، فلا تدع أحداً في قلبه مثقال حبة إيمان».

ويبقى قوله: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله»، وقوله: «لا تقوم الساعة إلا على شرار

@%ص59%

الخلق» على ظاهره على هذا التأويل، ولا يجوز على هذا أن يكونوا هم الموصوفين بأنهم المقيمون على الحق، فالمراد على هذا برواية من روى حتى تقوم الساعة وإلى يوم القيامة: حتى تقرب الساعة، وهو خروج الريح.

قال القاضي أبو الفضل عياض: فهؤلاء الطائفة يقاتلون الدجال، ويجتمعون بعيسى، ثم لا تزال هذه الطائفة على هذا إلى أن يقبضهم الله قرب الساعة، وإذا ظهر شرائطها فقد حان وقتها.

قلت: وحكي في الجمع وجه آخر عن الطبري أن قوله: «حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ» عموم أريد به الخصوص، بمعنى قوله: «لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله»، إلا بموضع كذا، أو على أحد يوِّحد الله إلا بموضع كذا فإن به طائفة على الحق، وكذا قوله: «لا تقوم الساعة إلا شرار الخلق» أي بموضع كذا.

فالموصوفون بأنهم شرار الخلق غير الموصوفين بأنهم على الحق، ويؤيد هذا التأويل ما جاء في بعض طرق الحديث: «قيل من هم يا رسول الله؟ وأين هم؟ قال: ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس»، وقد تقدم قول معاذ في البخاري إنهم بالشأم، وقال مطرف: وكانوا يرون أنهم أهل الشام.

وأما هذه الطائفة فقد قال البخاري: «هم أهل العلم»، وقال الإمام أحمد ابن حنبل: «إن لم يكونوا أهل الحديث فما أدري من هم»، قال عياض: «أراد أحمد بأهل الحديث أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث».

قال يحيى: ويحتمل أن تكون هذه الطائفة متفرقة من أنواع المؤمنين، فمنهم شجعان مقاتلون، ومنهم فقهاء، ومنهم محدثون، ومنهم زهاد، ومنهم آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، ومنهم أهل أنواع من الخير، ولا يلزم اجتماعهم؛ بل يكونوا متفرقين.

قلت: يؤيده ما جاء في بعض الروايات: «لا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون

@%ص60%

وشبهه.

وفيه: معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وإخبار بالمغيبات، وقد وجد ما أخبر به، فلم تزل بحمد الله تعالى الطائفة من زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهلم جراً، ولا تزول حتى يأتي أمر الله.

وفيه: دليل على أن الإجماع حجة، وهو أصح ما يستدل به من الأحاديث، وأما حديث: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» فضعيف جداً، هذا آخر كلام النواوي.

قوله في الحديث: «أهل الغرب» قال ابن المديني: المراد العرب، لأنهم أهل الغرب، وهو الدلو، وقيل: المراد الغرب من الأرض، وقال معاذ: «هم بالشام» كما تقدم.

وقيل: المراد بأهل الغرب أهل الشدة والجلد، وغرب كل شيء حده، وغُرَابُ الفأس: حدُّها [4].

السند:

فيه: سعيد بن عُفير، وهو سعيد بن كثير بن عُفير بن مسلم بن يزيد بن حبيب بن الأسود، أبو عثمان المصري، سمع مالكاً والليث وابن وهب وغيرهم.

روى عنه: محمد بن يحيى الذهلي، قال ابن أبي حاتم في كتاب «الجرح والتعديل» له: «سمع منه أبي، وقال: لم يكن بالثبت، كان يقرأ من كتب الناس، وهو صدوق».

قال المقدسي: «وكان سعيد بن كثير من أعلم الناس بالأنساب والأخبار الماضية، والتواريخ، والمناقب، والمثالب، أديباً، فصيحاً، حاضر الحجة، مليح الشعر، وكان غير ضنِّين في ذلك كله.

قال أبو سعيد بن يونس: «كانت دعوتهم في موالي بني سلمة من الأنصار».

وقال غيره: وكان سعيد يقول: إنه من صليبة بني تميم بن حنظلة بن يربوع، وأنه جرى عليه سبي في الجاهلية واغتنمهم بنو سلمة.

توفي سنة ست وعشرين ومئتين، روى عنه البخاري، وروى مسلم والنسائي عن رجل عنه.

وفيه: عبد الله بن وهب بن مسلم المصري

@%ص61%

أبو محمد الزمعي القرشي، مولى يزيد بن رمانة، مولى أبي عبد الرحمن يزيد بن أنيس الفهري.

سمع مالكاً، والليث، والثوري، وابن أبي ذئب، وابن جريج، وغيرهم.

وذكر بعضهم أنه روى عنه نحو من أربع مئة رجل، وأن مالكاً لم يكتب إلى أحد الفقيه إلا إليه.

وعنه قال: «طلبت العلم وأنا ابن سبع عشرة سنة».

وقال أحمد ابن حنبل: «هو صحيح الحديث، يفصِّل السماع من العرض، والحديثَ من الحديث، ما أصح حديثه وأثبته».

قيل له: أليس كان سيء الأخذ؟ قال: قد كان سيء الأخذ، لكن إذا نظرت في حديثه وما روى عن مشايخه وجدته صحيحاً [5].

وقال يحيى بن معين: «ثقة».

وقال ابن أبي حاتم: قال سمعت أبا زرعة [يقول] [6]: «نظرت في نحو ثمانين [7] ألف حديث من حديث ابن وهب بمصر وغير مصر، فما أعلم أني رأيت حديثاً لا أصل له، وهو ثقة.

وقال ابن أبي حاتم [8]: «صالح الحديث، صدوق».

وقال أحمد بن صالح: «حديث ابن وهب بمئة ألف حديث، ما رأيت عراقياً ولا حجازياً ولا شامياً أكثر حديثاً من ابن وهب، وقع عنه عندنا سبعون ألفاً».

وقال أبو أحمد بن عدي: «عبد الله بن وهب من جلة الناس وثقاتهم، وحديث الحجاز ومصر وما والى تلك البلاد يدور على رواية ابن وهب، ولا أعلم له حديثاً منكراً إذا حدث عنه الثقات».

وقال علي بن المديني: «دفع إلي ابن وهب كتاب عمرو بن الحارث وقال: أقرؤه عليك؟ فلم أُرِدْ لرداءةِ أخذه، وكان يجلس إلى سفيان، وكان معه غلام له أسود، وسفيان يقرأ عليه وهو ناحية، وربما نام، فإذا فرغوا قال لغلامه: انسخها».

وقيل: كان الناس يختلفون في الشيء عن مالك، فينتظرون قدوم ابن وهب حتى يسألوه عنه.

وقال ابن بكير: «ابن وهب أفقه من ابن القاسم».

وقال ابن وهب: «طلبت العلم وأنا ابن سبع عشرة سنة» [9].

ولد في ذي القعدة سنة خمس وعشرين، وقيل سنة أربع، وفيها مات الزهري، وتوفي ابن وهب بمصر [10] سنة تسع وتسعين ومئة، روى له الجماعة.

وفيه: حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي، أبو إبراهيم، وأمه

@%ص62%

أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط [11]، أخرج البخاري في «الإيمان» وغير موضع عن الزهري وغيره عنه، وقد تقدم التعريف به مستوعباً في «باب تطوع قيام رمضان من الإيمان».

قلت: وقع هنا في جميع النسخ من البخاري عن ابن شهاب: «قال حميد»، بلفظ: قال، لم يذكر فيه لفظ السماع، وجاء في مسلم فيه عن ابن شهاب: «حدثني حميد» بلفظ التحديث، وقد اتفق أصحاب الأطراف وغيرهم على أنه من حديث ابن شهاب عن حميد، فما أدري لم قال فيه: «قال حميد» مع الاتفاق على تحديث ابن شهاب عن حميد المذكور.

وقد وقع للبخاري مثله في «كتاب التوحيد»، في «باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رجل آتاه الله القرآن»» فقال فيه: ثنا علي بن عبد الله، ثنا سفيان، قال الزهري، وذكر الحديث، ثم قال: سمعت من سفيان مراراً، لم أسمعه يذكر الخبر، وهو من صحيح حديثه، لكن يمكن أن يقال: سفيان مدلس، فلذلك نبه عليه البخاري.

[1] جملة: «المراد بالدين الإسلام» كتبت في الهامش بلون مغاير وأشير إليها بلحق.
[2] كذا في الأصل، والصواب: قليلاً، كما في شرح ابن بطال (1/154).
[3] كذا في الأصل، وقبل كلمة الحال كلمة مكشوطة كأنها: «منصوب على»، وهذا فيه نظر، فإن نصب قائمة ليس على الحال، ولكنها خبر «يزال».
[4] الجملة الأخيرة: «وغراب الفأس حدها» كتبت في الهامش وأشير إليها بلحق.
[5] هذان السطران كتبا في هامش الأصل، وأشير إليهما بلحق، ويترجح أنه من كلام المصنف.
[6] ما بين معقوفتين أثبتها من «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (5/190)، وليست في الأصل.
[7] هكذا في الأصل، وكتب في الهامش: «ثلاثين»، وقد وقع اختلاف في نسخ «الجرح والتعديل»، فجاء في بعضها: «ثمانين»، وفي أخرى: «ثلاثين»، وفي «تهذيب التهذيب»: «ثلاثين».
[8] هكذا في الأصل، والصواب أن هذا الكلام أبي حاتم، نقله عنه ابنه، وليس من كلام الابن.
[9] كتب في هامش الأصل بلون مغاير وأشير إليه بلحق: «موطؤه يزيد على من روى عن مالك، وعنده الفقه الكثير، نظر الشافعي في كتبه، ونسخ أكثرها».
[10] كتب في هامش الأصل بلون مغاير: «لأربع بقين من شعبان».
[11] كتب في هامش الأصل بلون مغاير: «أبي عمر بن أمية بن عبد شمس»، وصوابه: ابن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس.





71# قوله: (سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ): أبو عبد الرَّحمن بن أبي سفيان صخر بن حرب، الخليفة الأمويُّ، كاتب الوحي، أسلم عام الفتح، وعاش ثمانيًا [1] وسبعين سنة، ومات في رجب.

قوله عليه الصلاة والسَّلام: (وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً): يريد: أنَّ هذه الأمَّة آخر الأمم، وأنَّ [2] عليها تقوم القيامة، وإن ظهرت أشراطها وضعف الدِّين؛ فلا بدَّ أن يبقى من أمَّته من يقوم به، والمراد بـ(أَمْر اللهِ): هو الرِّيح من نحو اليمن، فلا تدع أحدًا في قلبه مثقال حبَّة من إيمان.

[1] في (ب): (ثمانية).
[2] زيد في (ب): (عليه الصلاة والسلام).





71- وبه قال: ((حدثنا سعيد بن عُفَير)) ؛ بضم[/ص47/] العين المهملة، وفتح الفاء، وسكون المثناة التحتية، آخره راء، ابن كثير المصري، المتوفى سنة ست وعشرين ومئتين، ((قال: حدثنا ابن وهب)) ؛ بسكون الهاء، واسمه عبد الله بن وهب بن مسلم المصري أبو محمد القرشي الفهري، المتوفى بمصر سنة سبع وتسعين ومئة، لأربع بقين من شعبان.

((عن يونس)) بن يزيد الأيلي، ((عن ابن شهاب)) محمد بن مسلم الزهري، ((قال: قال حُميد بن عبد الرحمن)) بن عوف، وحاء (حُميد) مضمومة، وفي رواية: (حدثني ـ بالإفراد ـ حُميد بن عبد الرحمن قال) : ((سمعت معاوية)) بن أبي سفيان، صخر بن حرب الأموي كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومناقبه كثيرة جمَّة، توفي في رجب سنة ستين عن ثمان وسبعين سنة؛ أي: سمعت قولَه حالَ كونِه ((خطيبًا)) حالَ كونِه ((يقول: سمعت النبي)) الأعظم، وفي رواية: (سمعت رسول الله) ((صلى الله عليه وسلم)) ؛ أي: كلامَه حالَ كونِه ((يقول: مَن يُرِدِ الله)) عزَّ وجلَّ؛ بضمِّ المثناة التحتية وكسر الراء، من الإرادة وهي صفة مخصِّصةٌ لأحد طرفي المقدور بالوقوع، ((به خيرًا)) ؛ أي: جميع الخيرات، أو خيرًا عظيمًا، و (مَن) موصولة تتضمَّن معنى الشرط، و (يُرِد) فعل الشرط، وجزاؤه [1] قوله: ((يفقهْه)) ؛ بسكون الهاء؛ أي: يجعله فقيهًا ((في الدين)) والفقه [2] لغةً: الفَهْم، ولا يناسب هنا إلَّا المعنى اللغوي؛ ليتناول فهم كلِّ علم من علوم الدين، وإنَّما نكَّر (خيرًا) ؛ لفائدة التعميم؛ لأنَّ النكرة في سياق الشرط كالنكرة في سياق النفي فتعمُّ، والتنوين فيه للتعظيم، أو التنكير للتعظيم.

((وإنَّما أنا قاسم)) ؛ أي: أقسم بينكم بتبليغ الوحي، و (إنَّما) أداة حصر، و (أنا) مبتدأ، و (قاسم) خبرُه، وقوله: ((والله يعطي)) مبتدأ وخبره، والجملة: حال؛ أي: يعطي كل واحد منكم من الفهم على قدر ما تعلقت به إرادته تعالى، فالتفاوت في أفهامكم منه تعالى، وهنا كلام طويل يُطلب من «شرح الشيخ الإمام بدر الدين العيني» رحمه الله تعالى.

فإن قلت: الحصر بـ (إنَّما) مع أنَّه عليه السلام له صفات أخرى سوى قاسم.

أُجيب: بأنَّ هذا ورد ردًّا على مَن يعتقد أنَّه عليه السلام يعطي ويقسم، فلا ينفي إلَّا ما اعتقده السامع، لا كل صفة من الصفات، وفيه حذف المفعول.

((ولن تزال هذه الأمة قائمة)) (لن) : ناصبة للنفي، و (تزال) : من الأفعال الناقصة، و (هذه الأمة) جملة اسمية: اسمُها، و (قائمة) بالنصب: خبرُها، ((على أمر الله)) ؛ أي: على الدين الحق، ((لا يضرهم من)) ؛ أي: الذي، ((خالفهم حتى يأتي أمر الله)) والجملة حال، و (حتى) غاية لقوله: (لن تزال) .

أراد بهذا أنَّ أمَّتَه آخرُ الأمم وأنَّ عليها تقوم الساعة وإنْ ظهرتْ أشراطُها وضعف الدين، فلا بُدَّ أن يبقى من أُمَّتِه مَن يقوم به، وقوله عليه السلام: «لا تقوم الساعة حتى لا يقول أحدٌ: الله الله»، وقوله: «لا تقوم الساعة إلَّا على أشرار الخلق» إنَّما ذلك عند القيامة، وبيانه ما جاء في حديث أبي أمامة أنَّه عليه السلام قال: «لن تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم مَن خالفهم»، قيل: وأين هم يا رسول الله؟ قال: «ببيت المقدس أو أكناف بيت المقدس»، قال إمامنا الإمام الأعظم والإمام المؤلف: هم أهل العلم.

وفي الحديث: دلالة على حجة الإجماع، وفيه: فضل الفقه في الدين على سائر العلوم؛ لأنَّ عليه مدار الأحكام، وفيه: فضل العلماء على سائر الناس، وفيه: إخباره عليه السلام بالمغيَّبات، والله أعلم.

[1] في الأصل: ( جزاءه).
[2] في الأصل: (والفهم) .