إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين

71- وبالسَّند السَّابق إلى المؤلِّف قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ عُفَيْرٍ) بضمِّ العين المُهمَلَة وفتح الفاء وسكون المُثنَّاة التَّحتيَّة آخرُه راءٌ، المصريُّ، واسم أبيه: كثيرٌ؛ بمُثلَّثةٍ، وإنَّما نسبه المؤلِّف لجدِّه لشهرته به، المُتوفَّى سنة ستٍّ وعشرين ومئتين (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ) بسكون الهاء، واسمه: عبد الله بن مسلمٍ القرشيُّ المصريُّ الفهري، الذي لم يكتبِ الإمامُ مالكٌ لأحدٍ: «الفقيهَ» إلَّا له فيما قِيلَ، المُتوفَّى بمصر سنة سبعٍ وتسعين ومئةٍ لأربعٍ بقيْنَ من شعبان (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد الأَيْلِيِّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ، وحاء «حُميدٍ» مضمومةٌ، وفي نسخةٍ: ((حدَّثني)) بالإفراد ((حمُيَدُ بن عبد الرَّحمن)) قال: (سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيانَ صخرِ بن حربٍ، كاتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ذا المناقب الجمَّة، المُتوفَّى في رجب سنة ستِّين، وله من العمر ثمانٍ وسبعون سنةً، وله في «البخاريِّ» ثمانية أحاديث، أي: سمعت قوله حال كونه (خَطِيبًا) حال كونه (يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ) وفي رواية الأَصيليِّ: ((سمعت رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) أي: كلامه حال كونه (يَقُولُ: مَنْ يُرِدِ الله) عزَّ وجلَّ؛ بضمِّ المُثنَّاة التَّحتيَّة وكسر الرَّاء، من الإرادة؛ وهي صفةٌ مُخصِّصَةٌ لأحد طرفيِ الممكن [1] المُقدَّر بالوقوع (بِهِ خَيْرًا) أي: جميع الخيرات، أو خيرًا عظيمًا (يُفَقِّهْهُ) أي: يجعله فقيهًا (فِي الدِّينِ) والفقه لغةً: الفهم، والحمل عليه هنا أَوْلَى من الاصطلاحيِّ ليعمَّ فهم كلِّ علمٍ من علوم الدِّين، و«مَنْ» موصولٌ فيه معنى الشَّرط كما مرَّ، ونكَّر «خيرًا» ليفيد التَّعميم؛ لأنَّ النَّكرة في سياق الشَّرط كهي في سياق النَّفيِ، أوِ [2] التَّنكير للتَّعظيم إذ إنَّ المقام يقتضيه؛ ولذا قُدِّر _كما مرَّ_ بجميعٍ وعظيمٍ (وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ) أي: أقسم بينكم تبليغ الوحيِ من غير تخصيصٍ (وَاللهُ يُعْطِي) كلَّ واحدٍ منكم من الفهم على قدر ما تعلَّقت به إرادته تعالى، فالتَّفاوت في أفهامكم منه سبحانه، وقد كان [3] بعض الصَّحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلَّا الظَّاهر الجليَّ، ويسمعه آخرُ منهم، أو من القرن الذي يليهم، أو ممَّن أتى بعدهم فيستنبط منه مسائلَ كثيرةً، و{ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [الجمعة: 4] وقال الطِّيبيُّ: الواو في قوله: «وإنَّما أنا قاسمٌ» للحال من فاعل «يُفَقِّهْهُ»، أو من مفعوله، فعلى الثَّاني فالمعنى: أنَّ الله تعالى يعطي كلًّا ممَّن أراد أن يفقِّهَه استعدادًا لدرك المعاني على ما قدَّره له، ثمَّ يلهمني بإلقاء ما هو لائقٌ باستعداد كلِّ واحدٍ، وعلى الأوَّل فالمعنى: أنِّي ألقي على ما يسنح لي وأسوِّي فيه، ولا أرجِّح بعضهم على بعضٍ، والله يوفِّق كلًّا منهم على ما أراد وشاء من العطاء. انتهى. وقال غيره: المراد القَسْم الماليُّ، لكنَّ سياقَ الكلام يدلُّ على
ج1ص170
الأول؛ إذ إنَّه أخبر أنَّ من أراد به خيرًا فقَّهه [4] في الدِّين، وظاهره يدلُّ على الثَّاني؛ لأنَّ القسمة حقيقيَّةٌ في الأموال. نعم؛ يتوجَّه السُّؤال عن وجه المُناسَبَة بين اللَّاحق والسَّابق، وقد يُجَاب بأنَّ مورد الحديث كان عند قسمة مالٍ، وخصَّص عليه الصلاة والسلام بعضهم [5] بزيادةٍ لمُقْتَضٍ اقتضاه، فتعرَّض بعضُ من خَفِيَ عليه الحكمة، فردَّ عليه صلى الله عليه وسلم بقوله: «من يُرِدِ الله به خيرًا...» إلى آخره، أي: من أراد الله به الخير يزيد له في فهمه في أمور الشَّرع فلا يتعرَّض لأمرٍ ليس على وفق خاطره؛ إذِ [6] الأمر كلُّه لله، وهو الذي يعطي ويمنع، ويزيد وينقص، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قائمٌ [7] بأمر الله، ليس بمعطٍ حتَّى تُنْسَب إليه الزِّيادةُ والنُّقصان، واستُشكِل: الحصر بـ «إنَّما» مع أنَّه عليه الصلاة والسلام له صفاتٌ أخرى سوى «قاسمٌ»، وأُجِيب: بأنَّ هذا ورد ردًّا على من اعتقد أنَّه عليه الصلاة والسلام يعطي ويقسم، فلا ينفي إلَّا ما اعتقده السَّامع، لا كلَّ صفةٍ من الصِّفات، وفيه حذف المفعول (وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً) بالنَّصب خبر «تزال» (عَلَى أَمْرِ اللهِ) على الدِّين الحقِّ (لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ) أي: الذي (خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ) و«حتَّى» غايةٌ لقوله: «لن تزالَ»، واسْتُشكِل بأنَّ ما بعد الغاية مخالفٌ لِمَا قبلها إذ يلزم منه ألَّا تكون هذه الأمَّة يوم القيامة على الحقِّ، وأُجِيب بأنَّ المرادَ من قوله: «أمر الله» التَّكاليف، وهي معدومةٌ فيها، أوِ المُرَاد بالغاية هنا تأكيد التَّأبيد؛ على حدِّ قوله تعالى: {مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ} [هود: 108] أو هي غايةٌ لقوله: «لا يضرُّهم» لأنَّه أقرب، ويكون المعنى: حتَّى يأتيَ بلاء الله، فيضرُّهم حينئذٍ، فيكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها.
ج1ص171


[1] «الممكن»: سقط من (ص) و(م).
[2] في (ص): «و».
[3] في (ص): «قال»، وهو تحريفٌ.
[4] في (ب) و(س): «يفقهه».
[5] «بعضهم»: سقط من (ص).
[6] في (ص): «لأنَّ».
[7] في (ب) و(س): «قاسم».