إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام

67- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ) بكسر المُوحَّدة وسكون الشِّين المُعجَمَة، ابن المُفضَّل بن لاحقٍ الرُّقاشيُّ البصريُّ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وثمانين ومئةٍ (قال: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ) بالنُّون، عبد الله بن أرطبان البصريُّ، الثِّقة الفاضل من السَّادسة، المُتوفَّى سنة إحدى وخمسين ومئةٍ، وقال ابن حجرٍ: سنة خمسين
ج1ص165
على الصَّحيح (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمَّدٍ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) بن الحارث الثَّقفيِّ البصريِّ، أوَّل من وُلِدَ في الإسلام بالبصرة سنة أربعَ عَشْرَةَ، المُتوفَّى سنة تسعٍ وتسعين (عَنْ أَبِيهِ) أبي بَكْرةَ نُفَيعٍ؛ بضمِّ النُّون وفتح الفاء (ذَكَرَ) أي: أبو بكرة، أي: أنَّه كان يحدِّثهم فذكر (النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) وفي رواية ابن عساكر وأبي الوقت والأَصيليِّ: ((عن أبيه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم)) وفي رواية أبي ذَرٍّ وأبي الوقت وابن عساكرَ في نسخةٍ: ((قال: ذُكِرَ)) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه ((النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم)) بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل، أي: قال أبو بكرة حالة [1] كونه قد ذكرَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وعند النَّسائيِّ: عن أبي بكرة قال: وذكر النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم [2]، فالواو: للحال، ويجوز أن تكون للعطف على أن يكون المعطوف عليه محذوفًا (قَعَدَ) عليه الصلاة والسلام (عَلَى بَعِيرِهِ) بمنى يوم النَّحر في حجَّة الوداع، وإنَّما قعد عليه لحاجته إلى إسماع النَّاس، فالنَّهيُ عن اتِّخاذ ظهورِها منابرَ محمولٌ على ما إذا لم تَدْعُ الحاجة إليه (وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ) بكسر الخاء (أَوْ بِزِمَامِهِ) وهما بمعنًى، وإنَّما شكَّ الرَّاوي في اللَّفظ الذي سمعه؛ وهو الخيط الذي تُشدُّ فيه [3] الحلقة التي تُسمَّى البُرَة _بضمِّ المُوحَّدة وتخفيف الرَّاء المفتوحة_ ثمَّ يُشَدُّ في طرفه المقود، والإنسان الممسك هنا هو أبو بكرة؛ لرواية الإسماعيليِّ الحديثَ بسنده إلى أبي بكرة، قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وأمسكت _إمَّا [4] قال_: بخطامها أو زمامها، أو كان الممسك بلالًا؛ لرواية النَّسائيِّ عن أمِّ الحصين قالت: حججت فرأيت بلالًا يقود بخطام راحلة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، أو عمرو بن خارجة؛ لِمَا في «السُّنن» من حديثه قال: كنت آخذًا بزمام ناقته عليه الصلاة والسلام، وفائدة إمساك الزِّمام: صون البعير عن الاضطراب والإزعاج لراكبه، ثمَّ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام، وفي رواية أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((فقال)): (أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟) برفع «أيُّ»، والجملة وقعت مقول القول (فَسَكَتْنَا) عطفٌ على «قال» (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ) هو (يوم النَّحْرِ؟ قُلْنَا) وفي رواية أبي الوقت: ((فقلنا)): (بَلَى) حرف يختصُّ بالنَّفيِ ويفيد إبطاله، وهو هنا مقول القول، أُقِيمَ مقام الجملة التي هي مقول القول (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام، ولأبي الوقت وابن عساكر: ((قال)): (أَلَيْسَ بِذِي الْحِجَّةِ؟) بكسر الحاء كما في «الصِّحاح»، وقال الزَّركشيُّ: هو المشهور، وأباه قومٌ، وقال القزَّاز: الأشهر فيه الفتح (قُلْنَا: بَلَى) وقد سقط من رواية الحَمُّويي والمُستملي والأَصيليِّ: السُّؤال عن الشَّهر، والجواب الذي قبله، ولفظهم: ((أيُّ يومٍ هذا؟ فسكتنا حتَّى ظنَّنا أنَّه سيسمِّيه سوى اسمه، قال: أليس بذي الحجَّة؟)) وتوجيهه ظاهرٌ؛ وهو من إطلاق الكلِّ على البعض، وفي رواية كريمة: ((قال: فأيُّ بلدٍ هذا؟ فسكتنا حتَّى ظنَّنا أنَّه سيسمِّيه بغير اسمه، قال: أليس بمكَّة؟)) وفي رواية الكُشْمِيهَنيِّ وكريمة: بالسُّؤال عن الشَّهر والجواب الذي قبله _كمسلمٍ [5] وغيره [6] _ مع السُّؤال عن البلد، والثلاثة ثابتةٌ عند المؤلِّف في «الأضاحي» [خ¦5550] و«الحجِّ» [خ¦1741] (قَالَ) صلى الله عليه وسلم: (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) أي: فإنَّ سفكَ دمائِكم وأخذَ أموالِكم وثَلْبَ [7] أعراضِكم؛ لأنَّ الذَّوات لا تحرم فيه [8]، فيُقدَّر لكلٍّ ما يناسبه، كذا قاله الزَّركشيُّ والبرماويُّ والعينيُّ والحافظ ابن حجرٍ، وفي إطلاقهم هذا اللَّفظ نظرٌ؛ لأنَّ سفك الدَّم وأخذَ المال وثلبَ العرض إنَّما يَحْرُم إذا كان بغير حقٍّ، فالإفصاح به متعيِّنٌ، والأَوْلى _كما أفاده في «مصابيح الجامع»_ أن يُقدِّر في الثَّلاثة كلمةً واحدةً، وهي لفظة «انتهاكٌ» التي موضوعها تناول [9] الشَّيءِ بغير حقٍّ، كما نصَّ عليه القاضي، فكأنَّه قال: فإنَّ انتهاك دمائكم وأموالكم وأعراضكم، ولا حاجة إلى تقديره مع كلِّ واحدٍ من الثَّلاثة لصحَّة انسحابه على الجميع، وعدم احتياجه إلى التَّقييد بغير الحقِّيَّة، و«الأعراض» جمع عِرْضٍ؛ بكسر العين؛ وهو موضع المدح والذَّمِّ من الإنسان، سواءٌ كان في نفسه أو في سلفه، وشبَّه «الدِّماء» و«الأموال» و«الأعراض»
ج1ص166
في الحرمة بـ «اليوم» و«الشَّهر» و«البلد» لاشتهار الحرمة فيها عندهم، وإِلَّا فالمُشبَّه إنَّما يكون دون المُشبَّه به ولهذا قدَّم السُّؤال عنها مع شهرتها لأنَّ تحريمها أثبتُ في نفوسهم؛ إذ هي عادة سلفهم، وتحريم الشَّرع طارئٌ، وحينئذٍ فإنَّما شبَّه الشَّيء بما هو أعلى منه باعتبار ما هو مُقرَّرٌ عندهم (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ) أي: الحاضرُ في المجلس (الْغَائِبَ) عنه، ولامُ «لِيبلِّغِ» مكسورةٌ فعل أمرٍ، ظاهره الوجوب، وكُسِرَت غَينه لالتقاء الساكنين، والمُرَاد: تبليغ القول المذكور أو جميع الأحكام (فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ) أي: الذي (هُوَ أَوْعَى لَهُ) أي: للحديث (مِنْهُ) صلةٌ لـ «أَفْعَلَ» التَّفضيل، وفصل بينهما بـ «له» للتَّوسُّع في الظَّرف، كما يُفصَل بين المُضَاف والمُضَاف إليه كقراءة ابن عامرٍ: {زُيِّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلُ أَوْلَادَهُمْ شُرَكَائِهِمْ} [الأنعام: 137] بضمِّ الزَّاي ورفع اللَّام ونصب الدَال وخفض الهمزة، والفاصل غير أجنبيٍّ.
واستُنبِط من الحديث: أنَّ حامل الحديث يُؤخَذ عنه وإن كان جاهلًا بمعناه، وهو مأجورٌ بتبليغه، محسوبٌ في زمرة أهل العلم، وفي هذا الحديث: التَّحديث والعنعنة، ورواته كلهم بصريُّون، وأخرجه المؤلِّف في «الحجِّ» [خ¦1741] و«التَّفسير» [خ¦4662] و«الفتن» [خ¦7078] و«بدء الخلق» [خ¦3197]، ومسلمٌ في «الدِّيات»، والنَّسائيُّ في «الحجِّ» و«العلم».
ج1ص167


[1] في (ب) و(س): «حال».
[2] قوله: «وعند النَّسائيِّ: عن أبي بكرة قال: وذكر النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم» سقط من (ص).
[3] في (م): «به».
[4] في غير (م): «أنا»، وهو تحريفٌ.
[5] في (م): «لمسلمٍ».
[6] زيد في (م): «وكذا وقع في «مسلمٍ» وغيره».
[7] في (ص): «وسلب»، وكذا في الموضع اللاحق.
[8] «فيه»: ليس في (ص) و(م).
[9] وفي (ص): «كتناول»، وفي (م): «لتناول».