إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لله ما أخذ ولله ما أعطى كل بأجل فلتصبر ولتحتسب

6602- وبه قال: (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو غسَّان النَّهديُّ الحافظ قال: (حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ) ابن يونس بن أبي إسحاق (عَنْ عَاصِمٍ) هو ابنُ سليمان الأحول (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرَّحمن النَّهديِّ (عَنْ أُسَامَةَ) بن زيد بنِ حارثةَ رضي الله عنه (قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَسُولُ إِحْدَى بَنَاتِهِ) هي زينبُ كما عندَ ابن أبي شيبة، ولم يسمَّ الرَّسول (وَعِنْدَهُ سَعْدٌ) هو ابنُ عبادة (وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذٌ) هو ابنُ جبل (أَنَّ ابْنَهَا) عليَّ بن أبي العاص بن الرَّبيع (يَجُودُ بِنَفْسِهِ) أي: في سياقِ الموت.
واستُشكلَ كونه عليَّ بن أبي العاص مع قولهِ في آخر الحديثِ كما في «الجنائز» [خ¦1284] «فرُفِعَ إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم الصَّبيُّ» بأنَّ المذكور عاش إلى أنْ ناهزَ الحلمَ فلا يقال فيه: صبيٌّ عرفًا، فيحتملُ أن يكون عبد الله بن عثمان بن عفَّان من رقيَّة بنت النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فعند البلاذُريِّ في «الأنساب» أنَّه لما توفِّي وضعه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في حجرهِ، وقال: «إنَّما يرحمُ الله مِن عبادِهِ الرُّحماء»، أو هو مُحْسِنٌ كما عند البزَّار من حديث أبي هُريرة «لمَّا ثقُل ابنٌ لفاطمة فبعثتْ إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم...» فذكر نحو حديث الباب، وقيل غير ذلك ممَّا سبق في «الجنائز» [خ¦1284].
(فَبَعَثَ) صلَّى الله عليه وسلَّم (إِلَيْهَا) يقرئها السلام، ويقول: (لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلِلَّهِ مَا أَعْطَى) أي: الَّذي أراد أن يأخذَه هو الَّذي كان أعطاهُ، فإنْ أَخَذهُ أخذَ ما هو له، و [1] «ما» مصدريَّة، أي: لله الأخذُ والإعطاء (كُلٌّ بِأَجَلٍ فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ) يجوز أن يكون أمرًا للغائبِ المؤنَّث أو الحاضر على قراءةِ من قرأَ: {فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا} [يونس: 85] بالمثناة الفوقية على الخطاب، وهي قراءة رويس. قال الزَّمخشريُّ: وهي الأصلُ والقياس. وقال أبو حيان: إنَّها لغة قليلة؛ يعني: أنَّ القياسَ أن يؤمرَ المخاطب بصيغة افعل، وبهذا الأصل قرأ أُبيٌّ: {{فافرحوا}} موافقة لمصحفه، وهذه قاعدةٌ كلِّيةٌ، وهي أنَّ الأمر باللَّام يكثرُ في الغائبِ، والمخاطبِ المبنيِّ للمفعول، مثال الأوَّل: ليقم زيد، وكالآية الكريمة، ومثال الثَّاني: لِتُعْنَ بحاجتي، لا إن [2] كان مبنيًّا للفاعلِ كقراءة رويس هذهِ، بل الكثير في هذا النَّوع الأمر بصيغةِ افعل، نحو: قم يا زيد، وقوموا، وكذلك [3] يضعُفُ الأمر باللَّام للمتكلِّم وحده، أو ومعه [4] غيره، نحو: لأقُمْ، تأمرُ نفسَك بالقيامِ، ومثال الثَّاني: لنقمْ، أي: نحن، وكذلك النَّهي، والمرادُ بالاحتساب: أنْ تجعلَ الولد في حسابهِ لله، فتقولُ: إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعون، وهو معنى قولهِ السَّابق: «للهِ ما أخذَ ولله ما أَعْطى».
ج9ص350


[1] في (ب) و(س): «أو».
[2] في (ص) و(د): «فإن»، وفي (ع): «فإذا».
[3] في (ص): «ولذلك».
[4] في (د): «أو معه».