إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب: {مخلقة وغير مخلقة}

(17) (بابُ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) أي: مُسوَّاةٍ لا نقص فيها ولا عيب، وغير مسوَّاةٍ أو تامَّةٍ أو ساقطةٍ أو مُصوَّرةٍ وغير مُصوَّرةٍ، وللأَصيليِّ: ((قول الله عزَّ وجلَّ: {مُخَلَّقَةٍ})) [الحج: 5] قال ابن المُنَيِّر: أدخل المؤلِّف هذه التَّرجمة في أبواب الحيض لينبَّه بها على أنَّ دم الحامل ليس بحيضٍ؛ لأنَّ الحمل إن تمَّ فإنَّ الرَّحم مشغولٌ به، وما ينفصل عنه من دمٍ إنَّما هو رشحُ غذائه أو فضلته أو نحو ذلك، فليس بحيضٍ، وإن لم يتمَّ وكانت المضغة غير مُخلَّقةٍ مجَّها الرحم مضغةً مائعةً حكمها حكم الولد، فكيف يكون حكم الولد حيضًا؟ انتهى. وهذا مذهب الكوفيِّين وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد ابن حنبل والأوزاعيِّ والثَّوريِّ، وذهب الإمام الشَّافعيُّ في الجديد: إلى أنَّها تحيض، وعن مالكٍ روايتان، وما ادَّعاه ابن المُنَيِّر كغيره من أنَّه رشح غذاء [1] الولد... إلى آخره يحتاج إلى دليلٍ، وأمَّا ما ورد في [2] ذلك من خبرٍ أو أثرٍ، نحو قول عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه: «إنَّ الله رفع الحيض عن الحامل [3]، وجعل الدَّم [4] رزقًا للولد ممَّا تغيض الأرحام» رواه ابن شاهين، وقول ابن عبَّاسٍ ممَّا رواه ابن شاهين أيضًا، فقال الحافظ ابن حجرٍ: لا يثبت؛ لأنَّ هذا دمٌ بصفات الحيض في زمن إمكانه، فله حكم دم الحيض، وأقوى حججهم: أنَّ استبراء الأمة اعتُبِر بالحيض لتحقُّق [5] براءة الرَّحم من الحمل، فلو كانتِ الحامل تحيض لم تتمَّ البراءة بالحيض.
ج1ص356


[1] في غير (ب) و(س): «من».
[2] في (ص): «من».
[3] «عن الحامل»: مثبتٌ من (م).
[4] في (م): «جعله».
[5] في (ب) و(س): «لتحقيق».