إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ ويصلي

293- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ، بالمُهمَلة [1] فيهما، قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَة َقَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي) عروة بن الزُّبير (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ) خالد بن زيدٍ الأنصاريُّ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد في الثَّلاثة (أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ) في الرِّواية السَّابقة [خ¦292] أنَّ أبا أيُّوب سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا واسطةٍ، وذلك لاختلاف الحديثين لفظًا ومعنًى، وإن توافقا في بعضٍ فيكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم مرَّةً ومن أُبيِّ بن كعب [2] مرَّة، فذكره _أي: أُبيًّا_ للتَّقوية أو لغرضٍ [3] غيره (إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ) ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((امرأته)) (فَلَمْ يُنْزِلْ) في السَّابقة: ((فلم يمنِ)) وهما بمعنًى واحدٍ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ) أي: يغسل الرَّجل [4] المذكور
ج1ص339
العضو الذي مسَّ رطوبة فرج المرأة من أعضائه، وهو من إطلاق اللَّازم وإرادة الملزوم، ففي «مسَّ» ضميرٌ، وهو فاعله يعود إلى كلمة: «ما»، وموضعها نصبٌ مفعولٌ [5] لـ «يغسل» (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) وضوءه للصَّلاة كما زاد فيه عبد الرَّزَّاق عن الثَّوريِّ عن هشام، وفيه التَّصريح بتأخير الوضوء عن غسل ما يصيبه من المرأة (وَيُصَلِّي) هو [6] أصرح في الدَّلالة على ترك الغسل من الحديث السَّابق.
والحديث سداسيُّ الإسناد، وفيه: رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث والإخبار والإفراد والعنعنة.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) أي: المؤلِّف، وقائل ذلك هو الرَّاوي عنه: (الْغُسْلُ) بضمِّ الغين، أي: الاغتسال من الإيلاج وإن لم يُنزِل، وفي الفرع: «الغَسل» بفتح الغين، ليس إلَّا (أَحْوَطُ) أي: أكثر احتياطًا في أمر الدِّين من الاكتفاء بغسل الفرج، والوضوء المذكور في الحديث السَّابق وفتوى من ذكر من الصَّحابة، أي: على تقدير عدم ثبوت النَّاسخ وظهور التَّرجيح (وَذَاكَ الأخِيرُ) بالمُثنَّاة من غير مدٍّ، ولغير أبي ذَرٍّ: ((الآخِر)) بالمدِّ من غير مُثنَّاةٍ، أي: آخر الأمرين من فعل الشَّارع، وهو يشير إلى أنَّ حديث الباب غير منسوخٍ، بل ناسخٌ لما قبله، وضبطه البدر ابن [7] الدَّمامينيِّ كابن التَّين: «الآخَر» بفتح الخاء، أي: ذاك الوجه الآخر أو [8] الحديث الآخر الدَّال على عدم الغسل (إِنَّمَا) ولابن عساكر: ((وإنَّما)) بالواو، والأليق حذفها؛ وهو يناسب رواية: فتح خاء الآخر (بَيَّنَّا) وللأَصيليِّ: ((بينَّاه)) (لاِخْتِلَافِهِمْ) أي: إنَّما ذكرناه لأجل بيان اختلاف الصَّحابة في الوجوب وعدمه، ولاختلاف المحدِّثين في صحَّته وعدمها، ولكريمة وابن عساكر: ((و [9] إنما بينَّا اختلافهم))، وفي نسخة الصَّغَّانيِّ: ((إنَّما بينَّا الحديث الآخر لاختلافهم والماء أنقى)) وقال [10] البدر بن الدَّمامينيِّ كالسَّفاقسيِّ: فيه جنوحٌ لمذهب داود، وتعقَّب هذا القول البرماويُّ: بأنَّه إنَّما يكون ميلًا لمذهب داود إذا فتحت خاء «آخَر»، أمَّا «بالكسر» فيكون جزمًا بالنَّسخ، والجمهور على إيجاب الغسل بالتقاء الختانين وهو الصَّواب.
ولما فرغ المؤلِّف [11] من الغسل وأحكامه شَرَعَ في الكلام على الحيض والنِّفاس والاستحاضة، فقال [12]:
ج1ص340


[1] في غير (ص) و(م): «بالمُهمَلتين».
[2] «ابن كعبٍ»: مثبتٌ من (م).
[3] في (م): «أخرجه».
[4] في (ص): «الذَّكر».
[5] في غير (د) و(م): «مفعولًا».
[6] في (س): «و».
[7] «ابن»: مثبتٌ من (ص) و(م).
[8] في (م): «و».
[9] «و»: سقط من (د).
[10] زيد في (ص): «ابن».
[11] في هامش(ص): (قوله: «ولمَّا فرغ المؤلِّف...» إلى آخره هنا إسقاطٌ في كلام الشَّارح، ولعلَّه: ولمَّا فرغ من أحكام الجنابة شرع في بيان أحكام الحيض، فقال: بسم الله... إلى آخره. انتهى). شيخنا عجمي.
[12] قوله: «ولما فرغ المؤلِّف من الغسل وأحكامه... والاستحاضة، فقال» سقط من (م).