إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب كيف كان بدء الحيض

(1) هذا (بابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْحَيْضِ) أي: ابتداؤه، ويجوز تنوين «بابٍ» بالقطع عمَّا بعده، وتركه للإضافة لتاليه (وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) بجرِّ «قول» ورفعه على ما لا يخفى: (هَذَا) أي: الحيض (شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ) لأنَّه من أصل خلقتهنَّ الذي فيه صلاحهنَّ، ويدلُّ له قوله تعالى: {وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء: 90] المُفسَّر بأصلحناها للولادة بردِّ الحيض إليها بعد عقرها، وقد روى الحاكم بإسنادٍ صحيحٍ من حديث ابن عبَّاسٍ: إنَّ ابتداء الحيض كان على حوَّاء عليها السلام بعد أن أُهبِطت [1] مِنَ الجنَّة، قال في «الفتح»: وهذا التَّعليق المذكور وصله المؤلِّف بلفظ: «شيءٌ»، في [2] طريقٍ أخرى بعد خمسة أبوابٍ. انتهى. يعني: في «باب تقضي الحائض المناسك كلَّها إلَّا الطَّواف بالبيت» [خ¦305] وتعقَّبه البرماويُّ فقال: ليس في الباب المذكور: «شيءٌ»، بل هو الحديث الذي أورده البخاريُّ في هذا الباب، فلا حاجة لادِّعاء وصله بموضعٍ [3] آخر. نعم؛ لفظه هناك [4]: «أمرٌ» بدل «شيءٌ»، فـ «شيء» إمَّا روايةً بالمعنى، وإما أنَّه مرويٌّ أيضًا. انتهى. والصَّواب: ما قاله ابن حجرٍ، فإنَّه في الباب المذكور كذلك. نعم؛ قال فيه: «فإنَّ ذلك شيءٌ»، بدل قوله هنا [5]: «هذا شيءٌ» (وَقَالَ بَعْضُهُمْ) هو عبد الله بن مسعودٍ وعائشة: (كَانَ أَوَّلُ) بالرَّفع: اسم كان (مَا أُرْسِلَ الْحَيْضُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول، والحيض: نائبٌ عنِ الفاعل (عَلَى) نساء (بَنِي إِسْرَائِيلَ) خبر كان، وكأنَّه يشير إلى حديث عبد الرَّزَّاق عن ابن مسعودٍ بإسنادٍ صحيحٍ قال: كان الرِّجال والنِّساء في بني إسرائيل يصلُّون جميعًا، فكانت المرأة تتشوَّف [6] للرَّجل، فألقى الله عليهنَّ الحيض، ومنعهنَّ المساجد، وعنده عن [7] عائشة نحوه.
(قال أبو عبد الله) البخاريُّ [8]، وسقط لغير أبوَي ذَرٍّ والوقت وابن عساكر [9] «قال أبو عبد الله»: (وَحَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) أنَّ هذا أمرٌ كتبه الله على بنات آدم (أَكْثَرُ) بالمُثلَّثة، أي: أشمل من قول بعضهم السَّابق لأنَّه يتناول بنات [10] بني إسرائيل وغيرهنَّ، وقال الدَّاوديُّ: ليس بينهما مخالفةٌ، فإنَّ نساء بني إسرائيل من بنات آدم. انتهى. والمُخالَفة _كما ترى_ ظاهرةٌ، فإنَّ هذا القول يلزم منه أنَّ غير نساء بني إسرائيل لم يُرسَل عليهنَّ الحيض، والحديث ظاهرٌ في أنَّ جميع بنات آدم كتب الله عليهنَّ الحيض، إسرائيليَّاتٍ كنَّ أو غيرهنَّ، وأجاب الحافظ ابن حجرٍ: بأنَّه يمكن أن يُجمَع بينهما مع القول بالتَّعميم بأنَّ الذي أُرسِل على نساء [11] بني إسرائيل طول مكثه بهنَّ، عقوبًة لهنَّ، لا ابتداء وجوده، وتعقَّبه العينيُّ فقال: كيف يقول: لا ابتداء وجوده، والخبر فيه: أوَّل ما أرسل، وبينه وبين كلامه منافاةٌ، وأيضًا من [12] أين ورد أنَّ الحيض طال مكثه في [13] نساء [14] بني إسرائيل؟ ومن نقل هذا؟ ثمَّ أجاب: بأنَّه يمكن أنَّ الله تعالى قطع حيض نساء بني إسرائيل عقوبًة لهنَّ ولأزواجهنَّ [15]، لكثرة عنادهم ومضت على ذلك مُدَّةٌ، ثمَّ إنَّ الله رحمهم وأعاد حيض نسائهم الذي جعله سببًا لوجود النَّسل، فلمَّا أعاده عليهنَّ كان ذلك أوَّل الحيض بالنَّسبة إلى مدَّة الانقطاع، فأطلق الأوَّليَّة عليه بهذا الاعتبار لأنَّها من الأمور النِّسبيَّة، وأجاب في «المصابيح»: بالحمل على أنَّ المرادَ بإرسال الحيض إرسالُ حكمه بمعنى: أنَّ كون الحيض مانعًا [16] ابتُدِىء بالإسرائيليَّات، وحمل الحديث على قضاء الله على بنات آدم بوجود [17] الحيض، كما هو الظَّاهر منه. انتهى.
فائدة: الذي يحيض من الحيوانات: المرأة والضَّبع والخفَّاش والأرنب والحوت [18]، ويقال: إنَّ الكلبة أيضًا كذلك، وروى أبو داود في «سننه» عن عبد الله بن عمروٍ [19] مرفوعًا: «الأرنب تحيض» وزاد بعضهم: النَّاقة والوزغة.
ج1ص341


[1] في (ص): «هبطت».
[2] في غير (ص) و(م): «من».
[3] في (ص): «في موضعٍ».
[4] في (ص): «هنا».
[5] «قوله هنا»: سقط من (د).
[6] في (ب) و(س) و(ص): «تتشرَّف» وهو موافقٌ لبعض المصادر، وفي (د): «تستشرف»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمثبت من (م).
[7] في (د) و(ص): «عند».
[8] «البخاريُّ»: سقط من (ص).
[9] زيد في (ص): «فقط».
[10] في غير (ص) و(م): «نساء».
[11] في (م): «بنات».
[12] في (د): «في»، وليس بصحيحٍ.
[13] في (م): «على».
[14] «نساء»: ليس في (د).
[15] في (ص): «لأزواجهم»، وفي هامشها: (قوله: «ولأزواجهم» كذا في النُّسخ، والمناسب: لأزواجهنَّ؛ كما في بعض النُّسخ). انتهى.
[16] في (ص): «إنَّما».
[17] في (د): «الوجود»، وهو تحريفٌ.
[18] «والحوت»: سقط من (د) و(س).
[19] في (م): «عمر»، وليس بصحيحٍ.