إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أن النبي اعتكف معه بعض نسائه وهي مستحاضة ترى الدم

309- وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن شاهِين؛ بكسر الهاء، ولابن عساكر: ((حدَّثني إسحاق الواسطيُّ)) (قَالَ: حَدَّثَنَا) وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((أخبرنا)) (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الطَّحَّان الواسطيُّ، المتصدِّق بزنة نفسه ثلاث مرَّاتٍ فضَّةً (عَنْ خَالِدٍ) هو ابن مهران الحذَّاء؛ بالمُهمَلة ثمَّ المُعجَمة المُثقَّلة (عَنْ عِكْرِمَةَ) بن عبد الله مولى ابن عبَّاس، أصله بربريٌّ، ثقةٌ ثبتٌ عالمٌ بالتَّفسير لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر ولا ثبتت [1] عنه بدعةٌ، واحتجَّ به البخاريُّ وأصحاب السُّنن وأثنى عليه غير واحدٍ من أهل عصره وهلمَّ جرًّا (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم اعْتَكَفَ مَعَهُ) في مسجده (بَعْضُ نِسَائِهِ) هي سودة بنت زمعة أو رملة أمُّ حبيبة بنت أبي سفيان، وأسنده الحافظ ابن حجرٍ لحاشية نسخةٍ صحيحةٍ من «أصل أبي ذَرٍّ» رآها، وقِيلَ: هي زينب بنت جحشٍ الأسديَّة، وعُورِض: بأنَّ زينب لم تكن استُحيضت، إنَّما المُستحاضة أختها حمنة، وإنكار ابن الجوزيِّ على المؤلِّف قوله: «بعض نسائه»، وأوَّله بالنِّساء المتعلِّقات [2] به، وهي أمُّ حبيبة بنت جحشٍ أخت زينب، ردَّه الحافظ ابن حجرٍ بقوله في الرِّواية الثَّانية [خ¦310]: «امرأةٌ من أزواجه»، وفي الثَّالثة [خ¦311]: «بعض أمَّهات المؤمنين»، ومِنَ المُستبعَد أن يعتكف معه عليه الصلاة والسلام غير زوجاته [3]، ثمَّ رجح أنَّها أمُّ سلمة بحديثٍ في «سنن سعيد بن منصورٍ»، ولفظه: إنَّ أمَّ سلمة كانت عاكفةً وهي مستحاضةٌ، وربَّما جعلت الطَّست تحتها، وحينئذٍ فسَلِمت رواية المؤلِّف من المعارض، ولله الحمد. (وَهْيَ مُسْتَحَاضَةٌ) حال كونها (تَرَى الدَّمَ) وأُتِيَ بتاء التَّأنيث في المستحاضة وإن كانت الاستحاضة من خصائص النِّساء للإشعار بأنَّ الاستحاضة حاصلةٌ لها بالفعل لا بالقوَّة (فَرُبَّمَا وَضَعَتِ الطَّسْتَ) بفتح الطَّاء (تَحْتَهَا مِنَ الدَّمِ) أي: لأجله، قال خالد بن مهران: (وَزَعَمَ عكرمةُ) عُطِفَ على معنى: العنعنة، أي: حدَّثني عكرمة كذا، وزعم (أَنَّ عَائِشَةَ رَأَتْ مَاءَ الْعُصْفُرِ) هو زهر القِرْطِم [4] (فَقَالَتْ: كَأَنَّ) بتشديد النُّون بعد [5] الهمزة (هَذَا) أي: العصفر (شَيْءٌ كَانَتْ فُلَانَةُ تَجِدُهُ) في زمان استحاضتها، و«فلانة» [6] غير منصرفٍ كنايةً عن علم امرأةٍ، وهي المرأة التي ذكرتها قبل على الاختلاف السَّابق.
واستُنبِط منه: جواز اعتكاف المستحاضة عند أمن تلويث المسجد كدائم الحدث، ورواته الخمسة ما بين واسطيٍّ وبصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف هنا وفي «الصَّوم» [خ¦2037]، وكذا أبو داود وابن ماجه والنَّسائيُّ في «الاعتكاف».
ج1ص351


[1] في (ب): «تثبت»، وفي (ص) و(م): «ثبت».
[2] في (ص): «المتعلِّقة».
[3] في (د) و(م): «أزواجه».
[4] في هامش (ص): (قوله: القِرطِم: بكسر القاف والطَّاء أفصح من ضمِّهما؛ كما في «المصباح»). انتهى.
[5] في (م): «بغير»، وهو تحريفٌ.
[6] في هامش (ص): (قوله: «فلانة»، قال في «الهمع»: «فلان وفلانة» علَمان، ولا يُثنَّيان، ولا يُجمَعان، وأمرهما غريبٌ من لحاق التَّاء للمُؤنَّث وهو علَمٌ، وإنَّما تلحق للفرق بين الصِّفات، والدَّليل على أنَّه علمٌ: منع مُؤنَّثه عن الصَّرف في قوله: «فلانةُ أصبحت خلَّةً لفلانٍ»). انتهى.