إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: خذي فرصة من مسك فتطهري بها

314- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى) أي: ابن موسى، البلخيُّ الخَتِّيُّ [1]؛ بفتح الخاء المُعجَمة وتشديد المُثنَّاة الفوقيَّة، فيما جزم به ابن السَّكن في روايته عن الفرَبْريِّ، وتُوفِّي سنة أربعين ومئتين، أو يحيى بن جعفرٍ البيكنديُّ كما وُجِدَ في بعض النُّسخ (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ) نسبه إليها لشهرتها، واسم أبيه عبد الرَّحمن بن طلحة (عَنْ أُمِّهِ) صفيَّة بنت شيبة بن عثمان بن أبي [2] طلحة العبدريِّ، ووقع التَّصريح بالسَّماع في جميع السَّند في «مُسنَد الحميديِّ» (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها: (أَنَّ امْرَأَةً) من الأنصار، كما في حديث الباب التَّالي لهذا [خ¦315]، أو هي أسماء بنت شكلٍ كما في «مسلمٍ»، لكن قال الحافظ [3] الدِّمياطيُّ: إنَّه تصحيفٌ، وإنَّما هو سَكَنٌ؛ بالسِّين المُهمَلة والنُّون؛ نسبةً إلى جدِّها، وجزم _تبعًا للخطيب في «مبهماته»_ أنَّها أسماء بنت يزيد بن السَّكن الأنصاريَّة خطيبة النَّساء، وصوَّبه بعض المتأخِّرين بأنَّه ليس في الأنصار من اسمه شَكْلٌ، وتُعقِّب: بجواز تعدُّد الواقعة، ويؤيِّده تفريق ابن منده بين التَّرجمتين، وبأنَّ ابن طاهرٍ وأبا موسى المدينيَّ وأبا عليٍّ الجيانيَّ جزموا بما في «مسلم»، ورواه ابن أبي شيبة وأبو نعيمٍ كذلك، فَسَلِمَ مسلمٌ من الوهم والتَّصحيف (سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ) أي: الحيض (فَأَمَرَهَا) النَّبيُّ [4] صلى الله عليه وسلم (كَيْفَ تَغْتَسِلُ) أي: بأن قال كما رواه مسلمٌ بمعناه: «تطهَّري فأحسني الطُّهور، ثمَّ صبِّي على رأسك فادلكيه دلكًا شديدًا حتَّى يبلغ شؤون رأسك _أي: أصوله_ ثمَّ صبِّي الماء عليك» (قَالَ: خُذِي فِرْصَةً) بتثليث الفاء: قطعةً، وقِيلَ: بفتح القاف والصَّاد المُهمَلة، أي: شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الأصبعين، وقال ابن قتيبة: إنَّما هو بالقاف والضَّاد المُعجَمة، أي: قطعةً، والرِّواية ثابتةٌ بالفاء والصَّاد المُهمَلة، ولا مجال للرَّأي في مثله، والمعنى صحيحٌ بنقل أئمَّة اللُّغة (مِنْ مِسْكٍ) بكسر الميم؛ دم الغزال، ورُوِي
ج1ص353
بفتحها، قال القاضي عياضٌ: وهي رواية لأكثرين؛ وهو الجلد، أي: خذي قطعةً منه وتحمَّلي بها لمسح القبُل، واحتجَّ: بأنَّهم كانوا في ضيقٍ يمتنع معه أن يمتهنوا المسك مع غلاء ثمنه، ورجَّح النَّوويُّ: الكسر (فَتَطَهَّرِي) أي: تنظَّفي (بِهَا) أي: بالفرصة (قَالَتْ) [5] أسماء: (كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بها؟ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (سُبْحَانَ الله!) متعجِّبًا من خفاء ذلك عليها (تَطَهَّرِي) ولابن عساكر: ((تطهَّري بها، قالت: كيف؟ قال: سُبْحَانَ الله! تَطَهَّرِي بِها)) قالت عائشة رضي الله عنها: (فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ) بتقديم المُوحَّدة على الذَّال المُعجَمة، وفي روايةٍ: ((فاجتذبتها)) بتأخيرها (فَقُلْتُ) لها: (تَتَبَّعِي بِهَا) أي: بالفرصة (أَثَرَ الدَّمِ) أي: في الفرج، واستُنبِط منه: أنَّ العالم يكنِّي بالجواب في الأمور المستورة، وأنَّ المرأة تسأل عن أمر دينها، وتكرير الجواب لإفهام السَّائل، وأنَّ للطَّالب الحاذق تفهيم السَّائل قول الشَّيخ وهو يسمع، وفيه: الدَّلالة على حسن خلق الرَّسول صلى الله عليه وسلم وعظيم حلمه وحيائه، ووجه المُطابَقة بينه وبين [6] التَّرجمة من جهة تضمُّنه طريق مسلمٍ التي سبق ذكرها بالمعنى المُصرِّحة بكيفيَّة الاغتسال، والدَّلك المسكوت عنه في رواية المؤلِّف، ولم يخرِّجها لأنَّها ليست على شرطه لكونها من رواية إبراهيم بن مهاجر عن صفيَّة.
ورواة حديث هذا الباب ما بين بلخيٍّ ومكِّيٍّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف في «الطَّهارة» [خ¦227] و«الاعتصام» [خ¦7357]، وكذا مسلمٌ والنَّسائيُّ.
ج1ص354


[1] في هامش (ص): (قوله: «الخَتِّيُّ» لم يتعرَّض الشُّرَّاح للخَتِّيِّ، دلالته على ما وُضِع له، قال شيخنا: منسوبٌ إلى «خت» أعني: فأخذته). انتهى.
[2] «أبي»: ليس في (د).
[3] «الحافظ»: مثبتٌ من (م).
[4] «النَّبيُّ»: مثبتٌ من (م).
[5] في (د): «فقالت».
[6] «بين»: ليس في (د) و(ص).