إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك

2757- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضم الموحدة مصغرًا، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ، الإمامُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريِّ أنَّه (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ) أباه (عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ) أبي (كَعْبَ ابْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يقول) أي: حين تخلَّف عن غزوة تبوك وتِيبَ عليه (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ) أي: أن أخرج (مِنْ مَالِي) بالكليَّة (صَدَقَةً) بالنَّصب مفعولًا له [1]، أي: لأجل التَّصدُّق أو حالًا بمعنى متصدِّقًا (إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ) عليه الصلاة والسلام (أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ) من إنفاقه كلِّه لئلَّا تتضرَّر [2] بالفقر وعدم الصَّبر على الإضافة. قال كعبٌ: (قُلْتُ) يا رسول الله (فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ) واستُدلَّ به على كراهة التَّصدُّق بجميع المال وجواز وقف المنقول [3]، ومطابقته للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد ساقه هنا مختصرًا كما في «باب لا صدقة إلَّا عن ظهر غنًى» [خ¦1426قبل] وبتمامه في «المغازي» [خ¦4418].
(17) (بابُ مَنْ تَصَدَّقَ إِلَى) وللكُشْمِيهَنيِّ: ((على)) (وَكِيلِهِ، ثُمَّ رَدَّ الْوَكِيلُ) الصَّدقة (إِلَيْهِ) أي: إلى [4] الموكِّل.
ج5ص17
2758- (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) كذا ثبت في أصل أبي ذرٍّ من غير أن ينسبه، وجزم أبو نُعيمٍ «في مستخرجه»: أنَّه ابن جعفر، وأسنده الدِّمياطيُّ في أصله بخطِّه، فقال: ((حدَّثنا إسماعيل)) قال الحافظ ابن حجرٍ: فإن كان محفوظًا تعيَّن أنَّه ابن أبي أويسٍ، وبه جزم المِزِّيُّ قال: (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ) الماجشون، واسم أبي سلمة: دينار (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهل الأنصاريِّ (لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وجزم به ابن عبد البر في «تمهيده» والظَّاهر [5] كما في «الفتح»: أنَّ الَّذي قال: «لا أعلمه إلَّا عن أنسٍ» البخاريُّ أنَّه (قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) زاد ابن عبد البرِّ: ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على المنبر (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بِيرُحَاءَ) بكسر الموحَّدة وسكون التَّحتيَّة وضمِّ الرَّاء آخرُه همزةٌ [6] غير منصرفٍ، وفيها لغاتٌ أخرى سبقت [خ¦1461] (قَالَ: وَكَانَتْ) أي: بيرحاء (حَدِيقَةً كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُهَا، وَيَسْتَظِلُّ فيهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا) جملةٌ معترضةٌ بين قوله: «وإنَّ أحبَّ أموالي إلي بيرحاء» وبين قوله: (فَهِيَ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي: خالصةٌ [7] لله ولرسوله (أَرْجُو بِرَّهُ وَذُخْرَهُ) بالذَّال المضمومة والخاء السَّاكنة المعجمتين
ج5ص17
(فَضَعْهَا أَيْ رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَخْ يَا أَبَا طَلْحَةَ) بفتح الموحَّدة وسكون الخاء المعجمة [8] من غير تكرارٍ، كلمةٌ تقال عند المدح والرِّضا بذلك الشَّيء (ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) بالموحدة، أي: يربح صاحبه فيه في الآخرة [9] (قَبِلْنَاهُ) أي: المال (مِنْكَ، وَرَدَدْنَاهُ عَلَيْكَ، فَاجْعَلْهُ فِي الأَقْرَبِينَ، فَتَصَدَّقَ بِهِ أَبُو طَلْحَةَ عَلَى ذَوِي رَحِمِهِ) الشَّامل لقرابة الأب والأمِّ بلا خلافٍ في العرب والعجم (قَالَ) أنس: (وَكَانَ مِنْهُمْ أُبَيٌّ) هو ابن كعبٍ (وَحَسَّانُ) هو ابن ثابتٍ (قَالَ) أنسٌ: (وَبَاعَ حَسَّانُ حِصَّتَهُ مِنْهُ) من ذلك المال المتصدَّق به (مِنْ مُعَاوِيَةَ) بن أبي سفيان، قيل: إنَّما باعها لأنَّ أبا طلحة لم يقفها بل ملَّكهم إيَّاها؛ إذ لا يسوَّغ بيع الموقوف، وحينئذٍ فكيف يُستَدلُّ به لمسائل الوقف؟ وأجاب الكرمانيُّ: بأنَّ التَّصدُّق على المعيَّن تمليكٌ له. قال العينيُّ: وفيه نظرٌ لا يخفى. وأجاب آخر: بأنَّ أبا طلحة حين وقفها شرط جواز بيعهم عند الاحتياج، فإنَّ الوقف بهذا الشَّرط قال بعضهم: بجوازه، والله أعلم. (فَقِيلَ لَهُ) لحسَّان: (تَبِيعُ صَدَقَةَ أَبِي طَلْحَةَ؟) بحذف همزة الاستفهام (فَقَالَ: أَلَا أَبِيعُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ بِصَاعٍ مِنْ دَرَاهِمَ) ونقل في «الفتح» عن «أخبار المدينة» لمحمَّد بن الحسن المخزوميِّ من طريق أبي بكر بن حزمٍ: أنَّ ثمن حصَّة حسَّان مئة ألف درهمٍ، قبضها من معاوية بن أبي سفيان (قَالَ: وَكَانَتْ تِلْكَ الْحَدِيقَةُ) المتصدَّق بها (فِي مَوْضِعِ قَصْرِ بَنِي جَدِيْلَةَ) بجيم مفتوحة فدالٍ مهملةٍ مكسورةٍ، كذا في الفرع وأصله، وضُبِّب عليه، والصَّواب: أنَّه بالحاء المضمومة وفتح الدَّال المهملتَين _كما ذكره الأئمَّة الحفَّاظ أبو نصرٍ وأبو عليٍّ الغسَّانيُّ والقاضي عياضٌ_ بطنٌ من الأنصار، وهم بنو معاوية بن عمرو بن مالك بن النَّجَّار، و«جُدَيلة» أمُّهم، وإليهم يُنسب القصر المذكور (الَّذِي بَنَاهُ مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان لمَّا اشترى حصَّة حسَّان ليكون حصنًا له لما كانوا يتحدَّثون به بينهم ممَّا وقع [10] لبني أميَّة، وكان الَّذي تولى بناءه لمعاوية الطُّفيل بن أُبيِّ بن كعبٍ، قاله عمر بن شبَّة في «أخبار المدينة» وأبو غسَّان المدنيُّ وغيرهما، وليس هو معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار كما ذكره الكرمانيُّ، قاله في «الفتح».
وهذا الباب وحديثه سقط من أكثر الأصول، وثبتا في رواية الكُشْمِيهَنِيّ فقط. نعم، ثبتت الترجمة وبعض الحديث للحَمُّويي إلى قوله: (({مِمَّا تُحِبُّونَ})) ومطابقته للتَّرجمة في قوله: «قبلناه منك ورددناه عليك» فهو شبيهٌ بما تُرجِم به.
ج5ص18


[1] «مفعولًا له»: ليس في (د) و(د1) و(م).
[2] في (د): «يتضرَّر».
[3] في (ل): «وجواز نقل المنقول» وفي هامشها (قوله: «وجواز نقل المنقول» لعلَّه: وجواز وقف المنقول). انتهى.
[4] «إلى»: ليس في (م).
[5] في (م): «ظاهره».
[6] في (د1) و(م): «همز».
[7] في (ب): «خاصَّة».
[8] «المعجمة»: ليس في (د).
[9] زيد في (د): «قد».
[10] في (د) و(م): «يقع» وكذا في الفتح.