إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله

2786- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافعٍ قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة (اللَّيْثِيُّ) بالمثلَّثة (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟) قال في «الفتح»: لم أقف على اسم السَّائل، وقد سبق أن أبا ذرٍّ سأل عن نحو ذلك، وللحاكم: أيُّ النَّاس أكمل إيمانًا؟ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُؤْمِنٌ) أي: أفضل النَّاس مؤمنٌ (يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ) لما فيه من بذلهما لله مع النَّفع المتعدِّي، وعند النَّسائيِّ: «إنَّ من خير النَّاس رجلًا عَمِلَ في سبيل الله على ظهر فرسه» بـ «من» التَّبعيضيَّة، وذلك يقوِّي قول من قال: إنَّ قوله: «مؤمنٌ يجاهد [1]» المقدَّر بقوله: «أفضل النَّاس مؤمنٌ يجاهد» عامٌّ مخصوصٌ، وتقديره: من أفضل النَّاس، لأنَّ العلماء الَّذين حملوا النَّاس على الشَّرائع والسُّنن وقادوهم إلى الخير أفضل، وكذا الصِّدِّيقون (قَالُوا: ثُمَّ مَنْ؟) يلي المؤمن المجاهد في الفضل (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (مُؤْمِنٌ) أي: ثم يليه مؤمنٌ (فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ) بكسر الشِّين المعجمة وسكون العين المهملة في الأوَّل وفتحها في الثَّاني، آخره موحَّدةٌ، هو ما انفرج بين الجبلَين، وليس بقيدٍ بل على سبيل المثال، والغالب على الشِّعاب الخلوُّ عن النَّاس، فلذا مثَّل بها للعزلة والانفراد، فكلُّ مكانٍ يبعد [2] عن النَّاس فهو داخلٌ في هذا المعنى كالمساجد والبيوت، ولمسلمٍ من طريق معمر عن الزُّهريِّ: «رجلٌ معتزلٌ» (يَتَّقِي اللهَ وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ) وفيه فضل العزلة، لما فيها من السَّلامة من الغِيبة واللَّغو ونحوهما، وهو مقيَّدٌ بوقوع الفتنة. وفي حديث بَعْجَة _بفتح الموحَّدة والجيم، بينهما عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ_ ابن عبد الله، عن أبي هريرة مرفوعًا: «يأتي على النَّاس زمانٌ يكون خير النَّاس فيه منزلةً مَن أخذ بعنان فرسه في سبيل الله، يطلب الموت في مظانِّه، ورجلٌ في شعبٍ من هذه الشِّعاب، يقيم الصَّلاة، ويؤتي الزَّكاة، ويدَع النَّاس إلَّا من خيرٍ» رواه مسلمٌ وابن حبَّان. وروى البيهقيُّ في «الزُّهد» عن أبي هريرة مرفوعًا: «يأتي على النَّاس زمانٌ لا يسلم لذي دينٍ دينه إلَّا من هرب بدينه من شاهقٍ إلى شاهقٍ ومن جُحْرٍ إلى جُحْرٍ، فإذا كان ذلك [3] لم تُنَل المعيشة إلَّا بسخطِ الله، فإذا كان ذلك [4] كذلك، كان هلاك الرَّجل على يدي [5] زوجته وولده، فإن لم يكن له زوجةٌ ولا ولدٌ، كان هلاكه على يدي أبويه، فإن لم يكن له أبوان، كان هلاكه على يد قرابته أو الجيران». قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «يعيرونه بضيق المعيشة، فعند ذلك يورد نفسه الموارد الَّتي تهلك [6] فيها نفسُه». أمَّا عند عدم الفتنة، فمذهب الجمهور: أنَّ الاختلاط أفضل، لحديث التِّرمذيِّ: «المؤمن الَّذي يخالط النَّاس ويصبر على أذاهم أعظمُ أجرًا من الَّذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم».
وحديث الباب أخرجه البخاريُّ أيضًا في «الرِّقاق» [خ¦6494]، ومسلمٌ وأبو داود في «الجهاد»، وابن ماجه في «الفتن».
ج5ص34


[1] «يجاهد»: ليس في (د).
[2] في (د): «بعيد، فهو داخل».
[3] في (م): «كذلك». وفي الزهد: فإذا كان ذلك الزمان.
[4] «ذلك»: مضروبٌ عليها في (ص).
[5] في (ب) و(س): «يد»، وكذا في الموضع اللاحق.
[6] في غير (ص) و(م): «يُهلك».