إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب تأويل قول الله تعالى {من بعد وصية يوصى بها أو دين}

(9) (بابُ تَأْوِيلِ قَوْلهِ اللهِ) ولأبي ذَرٍّ: ((قوله)) (تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ [1]}) ولأبي ذَرٍّ: ((يوصي)) [2] ({بِهَا أَوْ دَيْنٍ}) أي: بيان المراد بتقديم الوصيَّة في الذِّكر على الدَّين، مع أنَّ الدَّين هو المقدَّم في الأداء. قال ابن كثيرٍ: أجمع العلماء سلفًا وخلفًا أنَّ الدَّين مقدَّم على الوصيَّة، وبعده
ج5ص10
الوصيَّة ثمَّ الميراث، وذلك عند إمعان النَّظر يُفهَم من فحوى [3] الآية [4].
(وَيُذْكَرُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ) رواه الإمام أحمد والتِّرمذيُّ وابن ماجه عن عليِّ بن أبي طالبٍ بلفظ: «قال: إنَّكم تقرؤون من بعد وصيَّة يُوصى بها أو دَين، وإنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قضى بالدَّين قبل الوصيَّة» الحديث. وفيه الحارث الأعور تُكلِّم فيه، لكن قال التِّرمذيُّ: إنَّ العمل عليه عند أهل العلم، وقد قال السُّهيليُّ: قُدِّمت الوصية في الذِّكر لأنَّها تقع على سبيل البرِّ والصِّلة بخلاف الدَّين لأنَّه يقع قهرًا فكانت [5] الوصيَّة أفضل، فاستحقَّت البداءة، وقيل: الوصيَّة تُؤخَذ بغير عوضٍ، فهي أشقُّ على الورثة من الدَّين، وفيها [6] مظِنَّة التَّفريط، فكانت أهمَّ فقُدِّمت، وقد نازع بعضهم في إطلاق [7] كون الوصيَّة مقدَّمة على الدَّين في الآية؛ لأنَّه ليس فيها صيغة ترتيب، بل المراد: أنَّ المواريث إنَّما تقع بعد قضاء الدَّين وإنفاذ الوصيَّة، وأتى بـ {أَوْ} الَّتي للإباحة، وهي كقولك [8]: جالسِ الحسنَ أو ابنَ سيرين، أي: لك مجالسةُ كلٍّ منهما، اجتمعا أو افترقا.
(وَقَوْلِهِ) بالجرِّ عطفًا على سابقه، وزاد أبو ذرٍّ: ((عَزَّ وَجَلَّ)): ({إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النِّساء: 58] ) خطابٌ يعمُّ المكلَّفين والأماناتِ، وإن نزلت [9] يوم الفتح في عثمان بن طلحة لمَّا أغلق باب الكعبة، وأبى أن يدفع المفتاح ليدخل فيها، فلوى عليٌّ يده، وأخذه منه، فأمر الله تعالى رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يردَّه إليه (فَأَدَاءُ الأَمَانَةِ) الَّذي هو واجبٌ (أَحَقُّ مِنْ تَطَوُّعِ الْوَصِيَّةِ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فيما وصله في «كتاب الزَّكاة» [خ¦1426] (لَا صَدَقَةَ) كاملة (إِلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى) لفظ «ظهر» مقحَمٌ، والمديون ليس بغنيٍّ فالوصيَّة الَّتي لها حكم الصَّدقة تُعتَبر [10] بعد الدَّين، قاله الكرمانيُّ (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، ممَّا وصله ابن أبي شيبة: (لَا يُوصِي الْعَبْدُ إِلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهِ) أي: سيِّده (وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ممَّا سبق موصولًا في «باب كراهية [11] التَّطاول على الرَّقيق» من «كتاب العتق» [خ¦2554] (الْعَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ).
ج5ص11


[1] في (م): «(يوصون)».
[2] «ولأبي ذرٍّ: يوصي»: ليس في (د).
[3] في (د): «فحوى» كذا في تفسير ابن كثير.
[4] في (ص): «الكلام».
[5] في (م): «أي: كانت».
[6] في (ب): «فيهما».
[7] في (م): «الخلاف».
[8] في (ب): «كقوله».
[9] زيد في (م): «في».
[10] في (ص): «معتبرة».
[11] في (د1) و(ص) و(ل): «كراهة».