إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم

1142- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذَكْوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هُرْمُز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَ: يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ) إبليس، أو أحد أعوانه (عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ) ظاهره التَّعميم في المخاطبين ومن في معناهم، ويمكن أن يُخَصَّ منه من صلَّى العشاء في جماعة _كما مرَّ_ ومن ورد في حقِّه أنَّه يُحفَظ من الشَّيطان كالأنبياء، ومن يتناوله قوله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الإسراء: 65] وكمن قرأ آية الكرسيِّ عند نومه؛ فقد ثبت: «أنَّه يُحفَظُ من الشَّيطان حتَّى يُصبح» (إِذَا هُوَ نَامَ) وللحَمُّويي والمُستملي: ((إذا هو نائمٌ)) بوزن فاعِل، قال الحافظ ابن حجرٍ: والأوَّل أصوب، وهو الَّذي في «الموطَّأ»، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ رواية «الموطَّأ» لا تدلُّ على أنَّ ذلك أصوب، بل الظَّاهر أنَّ رواية المُستملي أصوب؛ لأنَّها جملةٌ اسميَّةٌ، والخبر فيها اسمٌ (ثَلَاثَ عُقَدٍ) نصب مفعول «يعقد»، و«عُقَد»؛ بضمِّ العين وفتح القاف: جمع عُقْدَةٍ (يَضْرِبُ) بيده (كُلَّ عُقْدَةٍ) منها، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي [1]: ((على مكان كلِّ عقدة))، وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((عند مكان كلِّ عُقدةٍ)) تأكيدًا وإحكامًا لِمَا يفعله قائلًا: باقٍ أو بقي [2] (عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ) أو «عليك ليلٌ» مبتدأٌ وخبرٌ مقدَّم، فـ «ليلٌ» رفع على الابتداء، أي: باقٍ عليك، أو إضمار فعلٍ، أي: بقي عليك [3] (فَارْقُدْ) كأنَّ الفاء رابطة شرطٍ مقدَّرٍ، أي: وإذا كان كذلك؛ فارقد ولا تعجل بالقيام ففي الوقت متَّسعٌ.
وهل هذا العقد حقيقة؟ فيكون من باب عقد السَّواحر [4]{النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} [الفلق: 4] وذلك بأن يأخذن خيطًا فيعقدن عليه منه عقدةً، ويتكلَّمن عليه بالسِّحر، فيتأثَّر المسحور حينئذٍ بمرضٍ أو تحريك قلبٍ أو نحوه، وعلى هذا فالمعقود شيءٌ عند قافية الرَّأس، لا قافية الرَّأس نفسها، وهل العقد [5] في شعر الرَّأس أو غيره؟ الأقرب أنَّه في غيره؛ لأنَّه ليس لكلِّ أحدٍ شعرٌ، وفي رواية ابن ماجه: «على قافية رأس أحدكم بالليل [6] حبلٌ فيه ثلاث عقدٍ»، ولأحمد: «إذا نام أحدكم عُقد على رأسه عقدٍ [7] بجَريرٍ» وهو بفتح الجيم: الحبل، وقيل: «العقد» مجازٌ؛ كأنَّه شبَّه فعل الشَّيطان بالنَّائمِ بفعلِ السَّاحر بالمسحور، فلمَّا كان السَّاحر يمنع بعقده ذلك تصرُّف من يحاول عَقده؛ كان هذا مثله من الشَّيطان للنَّائم، وقيل: معنى «يضرب»: يحجب الحسَّ عن النَّائم حتَّى لا يستيقظ، ومنه قوله تعالى: {فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ} [الكهف: 11] أي: حجبنا [8] الحسَّ أن يَلِجَ في آذانهم فينتبهوا؛ فالمراد: تثقيله في النَّوم وإطالته، فكأنَّه قد شدَّ عليه شدادًا، وعَقدَه [9] ثلاث عُقَد، والتَّقييد بالثلاث: إمَّا للتَّأكيد، أو أنَّ الَّذي ينحلُّ به عقده ثلاثةٌ: الذِّكر، والوضوء، والصَّلاة، كما أشار إليه بقوله: (فَإِنِ اسْتَيْقَظَ) من نومه (فَذَكَرَ اللهَ) بكلِّ ما صدق عليه الذِّكر؛ كتلاوة القرآن، وقراءة الحديث، والاشتغال بالعلم الشَّرعيِّ (انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ) واحدةٌ من الثَّلاث (فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ) أخرى ثانيةٌ (فَإِنْ صَلَّى) الفريضة أو النَّافلة (انْحَلَّتْ عُقَدُهُ)
ج2ص321
الثَّلاث كلُّها، وظاهره: أنَّ العُقَدَ كلَّها تنحلُّ بالصَّلاة خاصَّةً، وهو كذلك في حقِّ من لم يحتج إلى الطَّهارة؛ كمن نام متمكِّنًا مثلًا ثمَّ انتبه فصلَّى من قبل أن يذكر أو يتطهَّر؛ لأنَّ الصَّلاة تستلزم الطَّهارة، وتتضمَّن الذِّكر، وقوله: «عقده» ضبطها في «اليونينيَّة» بلفظ الجمع والإفراد كما ترى. قال ابن قرقول في «مطالعه» كعياض رحمه الله في «مشارقه»: اختلف في الآخرة منها فقط، فوقع في «الموطَّأ» لابن وضَّاح على الجمع، وكذا ضبطناه في «البخاريِّ»، وكلاهما _يعني: الجمع والإفراد_ صحيحٌ، والجمع أوجه، لا سيَّما وقد جاء في رواية مسلمٍ: في الأولى: «عقدة»، وفي الثَّانية: «عقدتان»، وفي الثَّالثة: «العقد». انتهى. فقد تبيَّن أنَّ قول من قال: «إنَّه في «اليونينيَّة» بلفظ الجمع مع نصب الدَّال ناشئٌ [10] عن عدم تأمُّله لِما في «اليونينيَّة»، ولعلَّه لم يقف على «اليونينيَّة» نفسها، بل على ما هو مقابَلٌ عليها أو مكتوبٌ منها، وخفي على الكاتب أو المقابِل ذلك؛ لدقَّة ذلك؛ كمواضع فيها مُحيت لا تُدرك إلَّا بالتَّأمُّل التَّام، ويؤيِّد ما قلتُه قول القاضي السَّابق فتأمَّله، وأمَّا تخريج النَّصب على الاختصاص أو غيره؛ فلا يُصار إليه إلَّا عند ثبوت الرِّواية، ولا أعرفه، ومن ادَّعى أنَّ النَّصب مع الجمع رواية فعليه البيان.
وقوله [11]: (فَأَصْبَحَ نَشِيطًا) أي: لسروره لِما [12] وفَّقه الله له من الطَّاعة، وما وُعِد به من الثَّواب، وما زال عنه من عُقَد الشَّيطان (طَيِّبَ النَّفْسِ) لما بارك الله له في نفسه من هذا التَّصرُّف الحسن، كذا قيل، قال في «الفتح»: والظَّاهر: أنَّ في صلاة اللَّيل سرًّا في طيب النَّفس وإن لم يستحضر المصلِّي شيئًا ممَّا ذُكِر (وَإِلَّا) بأن ترك الذِّكر والوضوء والصَّلاة (أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ) بتركه ما كان اعتاده أو قصده من فعل الخير، ووصف النَّفس بالخبث وإن كان وقع النَّهيُ عنه في قوله عليه الصلاة والسلام [خ¦6179]: «لا يقولنَّ أحدُكم: خبُثت نفسي» للتَّنفير والتَّحذير، أو النَّهي لمن يقول ذلك، وهنا إنَّما أخبر عنه بأنَّه كذلك، فلا تضادَّ.
(كَسْلَانَ) لبقاء أثر تثبيط الشَّيطان، ولشؤم تفريطه، وظفر الشَّيطان به بتفويته الحظَّ الأوفر من قيام اللَّيل، فلا يكاد تَخِفُّ عليه صلاةٌ ولا غيرها من القربات، و«كسلان»: غير منصرفٍ للوصف وزيادة الألف والنُّون، مذكَّر «كسلى»، ومقتضى قوله: «وإلَّا أصبح» أنَّه إن [13] لم يجمع الأمور الثَّلاثة دخل تحت من يُصبح خبيثًا كسلان وإن أتى ببعضها، لكن يختلف ذلك بالقوَّة والخفَّة، فمن ذكر الله مثلًا كان في ذلك أخفَّ ممَّن لم يذكر أصلًا، وهذا الذَّمُّ مختصٌّ بمن لم يقم إلى الصَّلاة [14] وضيَّعها، أمَّا من كانت له عادةٌ فغلبته عينه؛ فقد ثبت أنَّ الله يكتب له أجر صلاته ونومُه عليه صدقة، ولا يبعد أن يجيء مثل ما ذُكِرَ في نوم النَّهار؛ كالنَّوم حالة الإبراد مثلًا، ولا سيَّما على تفسير البخاريِّ من أنَّ المراد بالحديث: الصَّلاة المفروضة [15]، قاله في «الفتح»، فإن قلت: الحديث مُطلَقٌ، يدلُّ على عقده رأس جميع المكلَّفين؛ من صلَّى ومن لم يصلِّ، وإنَّما تنحلُّ عمَّن أتى بالثَّلاث، والتَّرجمة مقيَّدةٌ برأس من لم يصلِّ، فما وجه المطابقة؟أجيب بأنَّ مراده: أنَّ استدامة العقد إنَّما تكون على من [16] ترك الصَّلاة، وجُعِل من صلَّى وانحلَّت عقده كمن لم يُعقَد عليه؛ لزوال أثره، قاله المازريُّ، وقوله في التَّرجمة: «إذا لم يصلِّ» أعمُّ من ألَّا يصلِّي العشاء أو غيرها من صلاة اللَّيل، ولا قرينة للتَّقييد بالعشاء، وظاهر الحديث يدلُّ على أنَّ العقد يكون عند النَّوم، سواء صلَّى قبله أم [17] لم يصلِّ، قاله في «عمدة القاري»، رادًّا على صاحب «الفتح» حيث قال: ويحتمل أن تكون الصَّلاة المنفيَّة في التَّرجمة صلاة العشاء، فيكون التَّقدير: إذا لم يصلِّ العشاء، فكأنَّه يرى أنَّ الشَّيطان إنَّما يفعل ذلك بمن نام قبل صلاة العشاء، بخلاف من صلَّاها لا سيَّما في الجماعة؛ فإنَّه كمن قام اللَّيل في حَلِّ عُقَد الشيطان.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود.
ج2ص322


[1] في (د) و(م): «وللمستملي».
[2] «أو بقي»: مثبتٌ من (د).
[3] قوله: «فـ: ليلٌ رفع على الابتداء، أي: باقٍ عليك، أو إضمار فعلٍ، أي: بقي عليك»، سقط من (ص) و(م).
[4] في (ص): «السَّاحر».
[5] في (ص) و(م): «المعقود».
[6] قوله «بالليل» من سنن ابن ماجه (1329).
[7] قوله «عقدٍ» زيادة من مسند أحمد (10457).
[8] في (ص) و(م): «حجب».
[9] في غير (ص) و(م): «عقد عليه».
[10] «ناشئ»: مثبتٌ من (د) و(س).
[11] قوله: «وقوله: عقده ضبطها في «اليونينيَّة»... النَّصب مع الجمع رواية؛ فعليه البيان. وقوله»، سقط من (م).
[12] في (س): «بما». كذا في الفتح.
[13] في (د): «لو».
[14] في غير (ص) و(م): «صلاته». كذا في الفتح.
[15] «المفروضة»: سقط من (م).
[16] «من»: ليس في (ص) و(م).
[17] في غير (ب): «أو».