إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن النبي خرج يوم الفطر فبدأ بالصلاة قبل الخطبة

958- وبه قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) بن يزيد التَّميميُّ الرَّازي الصَّغير (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر:
ج2ص210
((حدَّثنا)) (هِشَامٌ) هو ابن يوسف الصَّنعانيُّ اليمانيُّ، قاضيها (أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز (أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (قَالَ: سَمِعْتُهُ) أي: سمعت [1] كلامه حال كونه (يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم خَرَجَ يَوْمَ) عيد (الْفِطْرِ) إلى المُصلَّى (فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ).
959- (قال) ابن جريجٍ بالإسناد السَّابق: (وَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَطَاءٌ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ) عبد الله (فِي أَوَّلِ مَا بُويِعَ لَهُ) أي: لابن الزُّبير بالخلافة سنة أربعٍ وستِّين، عقب موت يزيد بن معاوية (إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ) في زمنه صلى الله عليه وسلم (بِالصَّلَاةِ يَوْمَ) عيد (الْفِطْرِ) وذال «يُؤذَّن» بالفتح مبنيًّا للمفعول خبر «كان»، واسمها: ضمير الشَّأن، وكذا اسم «إنَّ» المذكورة قبلها (وإِنَّمَا الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ) لا قبلها، ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((إنَّما)) بغير واوٍ، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي [2]: ((وأمَّا)) بغير نونٍ، قِيلَ: وهو تصحيفٌ، وأُجيب: بأنَّه لا وجه لادِّعاء تصحيفه، ومعناه: وأمَّا الخطبة فتكون بعد الصَّلاة.
ورواة هذا الحديث ما بين رازيٍّ ويمانيٍّ ومكِّيٍّ، وهشامٌ من أفراده.
وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه مسلمٌ وأبو داود في «الصَّلاة».
960- قال ابن جريجٍ بالسَّند المذكور: (وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ) أيضًا (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) الأنصاريِّ (قَالَا: لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ) بفتح الذَّال (يَوْمَ) عيد (الْفِطْرِ، وَلَا يَوْمَ) عيد (الأَضْحَى) في زمنه عليه الصلاة والسلام، وفي رواية يحيى القطَّان عن ابن جُريجٍ عن عطاءٍ عن ابن عبَّاسٍ قال لابن الزُّبير: «لا تؤذِّن لها، ولا تُقِم» أخرجه ابن أبي شيبة، ولـ «مسلمٍ» عن عطاءٍ عن جابرٍ: «فبدأ بالصَّلاة قبل الخطبة، بغير أذانٍ ولا إقامةٍ» وعنده أيضًا من طريق عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ عن عطاءٍ عن جابرٍ قال: لا أذان للصَّلاة يوم العيد ولا إقامة ولا شيء، واستدلَّ المالكيَّة والجمهور بقوله: «ولا إقامة ولا شيء» أنَّه لا يُقال قبلها: الصَّلاة جامعةٌ، ولا: الصَّلاة، واحتجَّ الشَّافعيَّة على استحباب قوله بما روى الشَّافعيُّ عن الثِّقة عن الزُّهريِّ قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر المؤذِّن في العيدين فيقول: الصَّلاةُ جامعةٌ» وهذا مُرسَلٌ يعضده القياس على صلاة الكسوف لثبوته فيها؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦1045] فليتوقَّ ألفاظ الأذان كلَّها، أو بعضها، فلو أذَّن أو أقام كُرِه له؛ كما نصَّ عليه في «الأمِّ».
وأوَّل من أحدث الأذان فيهما معاوية، رواه ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ، زاد الشَّافعيُّ في روايته عن الثِّقة عن الزُّهريِّ: «فأخذ به الحجَّاج حين أُمِّر على المدينة، أو زيادٌ بالبصرة» رواه ابن المنذر، أو مروان، قاله الدَّاوديُّ، أو هشامٌ، قاله ابن حبيبٍ، أو عبد الله بن الزُّبير، رواه ابن المنذر أيضًا.
961- (وَ) بالإسناد أيضًا (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ) وللأَصيليِّ وأبي الوقت وأبي ذَرٍّ في نسخةٍ: ((عن جابر بن عبد الله أنَّ النَّبيَّ)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَامَ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ) يوم العيد (ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ بَعْدُ) أي: بعد الصَّلاة (فَلَّمَا فَرَغَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) من الخطبة (نَزَلَ) فإن قلت: قد سبق أنَّه عليه الصلاة والسلام كان يخطب في المُصلَّى على الأرض، وقوله هنا: «نزل» يشعر بأنَّه كان يخطب على مكانٍ مرتفعٍ، أُجيب باحتمال أنَّ الرَّاويَ ضمَّن النُّزول معنى الانتقال، أي: انتقل.
(فَأَتَى النِّسَاءَ، فَذَكَّرَهُنَّ) بتشديد الكاف، أي: وعظهنَّ (وَهْوَ يَتَوَكَّأُ) أي: يعتمد (عَلَى يَدِ بِلَالٍ) قِيلَ: يحتمل أن يكون المؤلِّف استنبط من قوله: «وهو يتوكَّأ عى يد بلالٍ» مشروعيَّة الرُّكوب لصلاة العيد لمن احتاج [3] إليه بجامع الارتفاق بكلٍّ منهما، فكأنَّه يقول: الأَوْلى المشيُ للتَّواضع حتَّى يحتاج إلى الرُّكوب، كما خطب عليه الصلاة والسلام قائمًا على قدميه، فلمَّا تعب توكَّأ على يد بلالٍ، وفي «التِّرمذيِّ» عن عليٍّ قال: «من السُّنَّة أن تخرج إلى العيد ماشيًا» وفي «ابن ماجه» عن سعدٍ القُرَظ: أنَّه عليه الصلاة والسلام كان يخرج إلى العيد ماشيًا، وفيه: عن أبي رافعٍ نحوه، ولم يذكرها المؤلِّف لضعفها، واستدلَّ الشَّافعيَّة بحديث: «إذا أتيتم الصَّلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وأنتم تمشون» قالوا: ولا بأس بركوب العاجز للعذر، وكذا الرَّاجع منها ولو كان قادرًا، ما لم يتأذَّ به أحدٌ لانقضاء العبادة، وجملة: «وهو يتوكَّأ» حاليَّةٌ، وكذا
ج2ص211
قوله: (وَبِلَالٌ بَاسِطٌ ثَوْبَهُ يُلْقِي) بضمِّ المُثنَّاة [4] التَّحتيَّة، أي: يرمي (فِيهِ النِّسَاءُ صَدَقَةً).
قال ابن جريجٍ: (قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَتَرَى) بفتح التَّاء (حَقًّا عَلَى الإِمَامِ الآنَ أَنْ يَأْتِيَ النِّسَاءَ) وسقط «أن» لابن عساكر (فَيُذَكِّرَهُنَّ حِينَ يَفْرُغُ) أي [5]: من الخطبة، و«حقًّا»: مفعولٌ ثانٍ لقوله: «أترى» قُدِّم على الثَّاني؛ وهو: «أن يأتي النِّساء» للاهتمام به (قَالَ) عطاءٌ: (إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ عَلَيْهِمْ، وَمَا لَهُمْ ألَّا يَفْعَلُوا) ذلك، و«ما»: نافيةٌ، أو استفهاميَّةٌ.
ج2ص212


[1] «سمعت»: مثبتٌ من (ص).
[2] «والمُستملي»: ليس في (م).
[3] في غير (ب) و(س): «احتيج».
[4] في (د): «يلقي؛ بالمُثنَّاة».
[5] «أي»: ليس في (د).