إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ما العمل في أيام العشر أفضل من العمل في هذه

969- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ) بفتح العينين المهملتين وبالرَّاءين (قَالَ [1]: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سُلَيْمَانَ) بن مهران الأعمش (عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ) بفتح المُوحَّدة وكسر المهملة وسكون التَّحتيَّة آخره نونٌ، لُقِّب به لعظم بطنه، وهو كوفيٌّ (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم أَنَّهُ قَالَ: مَا الْعَمَلُ) مبتدأٌ، يشمل أنواع العبادات كالصَّلاة والتَّكبير والذِّكر والصَّوم وغيرها (فِي أَيَّامٍ) من أيَّام السَّنة، وهو متعلِّقٌ بالمبتدأ، وخبره قوله: (أَفْضَلُ مِنَها) الجارُّ والمجرور متعلِّقٌ بـ «أفضلُ»، والضَّمير عائدٌ إلى «العمل» بتقدير الأعمال كما في قوله تعالى: {أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ} [النور: 31] كذا قرَّره البرماويُّ والزَّركشيُّ، وتعقَّبه المحقِّق ابن الدَّمامينيِّ فقال: هذا غلطٌ لأنَّ الطِّفل يُطلَق على الواحد والجماعة بلفظٍ واحدٍ بخلاف العمل، وزاد فخرَّجه على أن يكون الضَّمير عائدًا إلى العمل باعتبار إرادة القربة، مع عدم تأويله بالجمع، أي: ما القربة في أيَّامٍ أفضلُ منها (في هَذَا العَشْرِ) الأُوَل من ذي الحجَّة، كذا في رواية أبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ بالتَّصريح بالعشر، وكذا عند أحمد عن غندر عن شعبة بالإسناد المذكور، بل في رواية أبي داود الطَّيالسيِّ عن شعبة بلفظ: «عشر ذي الحجَّة» وممَّن صرَّح بالعشر أيضًا ابن ماجه وابن حبَّان وأبو عَوانة، ولكريمة عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ما العمل في أيَّامٍ [2] أفضل من العمل في هذه)) بتأنيث الضَّمير مع إبهام الأيَّام، وفسَّرها بعض الشَّارحين بأيَّام التَّشريق لكون المؤلِّف ترجم لها، وهو يقتضي نفي أفضليَّة العمل في أيَّام العشر على [3] أيَّام التَّشريق، ووجَّهه صاحب «بهجة النُّفوس» [4] بأنَّ أيَّامَ التَّشريق أيَّامُ غفلةٍ، والعبادة في أوقات [5] الغفلة فاضلةٌ عن غيرها كمن قام في جوف اللَّيل وأكثرُ النَّاسِ نيامٌ، وبأنَّه وقع فيها محنة الخليل بولده عليهما الصَّلاة والسَّلام، ثمَّ منَّ عليه بالفداء، وهو مُعارَضٌ بالمنقول كما قاله في «الفتح»، فالعمل في أيَّام العشر أفضل من العمل في غيرها [6] من أيَّام الدُّنيا من غير استثناء شيءٍ، وعلى هذا فرواية كريمة شاذَّةٌ لمخالفتها رواية أبي ذَرٍّ _وهو من الحفُّاظ_ عن شيخهما الكُشْمِيْهَنِيِّ، لكن يعكِّر عليه ترجمة المؤلِّف بـ «أيَّام التَّشريق». وأُجيب باشتراكهما في أصل الفضيلة لوقوع أعمال الحجِّ فيهما، ومن ثمَّ اشتركا في مشروعيَّة التَّكبير. وفي رواية أبي الوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((ما العمل في أيَّامٍ أفضل منها في هذه)) بتأنيث الضَّمير، وهي ظرفٌ مستقرٌّ، حالٌ من الضَّمير المجرور بـ «من»، وإذا كان العمل في أيَّام العشر [7] أفضل من العمل في أيَّام غيره من السَّنة لزم منه أن تكون أيَّام العشر أفضل من غيرها من أيَّام السنة، حتَّى يوم الجمعة منه أفضل منه في غيره [8] لجمعه الفضيلتين، وخرَّج البزَّار وغيره عن جابرٍ مرفوعًا: «أفضل أيَّام الدُّنيا أيَّام العشر»، وفي حديث ابن عمر المرويِّ عند الطَّبرانيِّ: «ليس يومٌ أعظم عند الله من يوم الجمعة، ليس العشر»، وهو يدلُّ على أنَّ أيَّام العشر أفضل من يوم الجمعة الَّذي هو أفضل الأيَّام، وأيضًا فأيَّام العشر
ج2ص216
تشتمل على يوم عرفة، وقد رُوِي: أنَّه أفضل أيَّام الدُّنيا، والأيَّام إذا أُطلِقت دخلت فيها اللَّيالي تبعًا، وقد أقسم الله تعالى بها، فقال: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1-2] وقد زعم بعضهم: أنَّ ليالي عشر رمضان أفضل من لياليه لاشتمالها على ليلة القدر، قال الحافظ ابن رجبٍ: وهذا [9] بعيدٌ جدًّا، ولو صحَّ حديث أبي هريرة المرويِّ في «التِّرمذيِّ»: «قيام كلِّ ليلةٍ منها بقيام ليلة القدر» لكان صريحًا في تفضيل لياليه على ليالي عشر رمضان، فإنَّ عشر رمضان فُضِّل بليلةٍ واحدةٍ، وهذا جميع لياليه متساويةٌ، والتَّحقيق: ما قاله بعض أعيان المتأخِّرين من العلماء: إنَّ مجموع هذا العشر أفضل من مجموع عشر رمضان، وإن كان في عشر رمضان ليلةٌ لا يفضل عليها غيرها. انتهى. واستُدِلَّ به على فضل صيام عشر الحجَّة لاندراج الصَّوم في العمل، وعُورِض بتحريم صوم يوم العيد، وأُجيب بحمله على الغالب، ولا ريب أنَّ صيام رمضان أفضل من صوم العشر لأنَّ فعل الفرض أفضل من النَّفل من غير تردُّدٍ، وعلى هذا فكلُّ ما فُعِل من فرضٍ في العشر فهو أفضل من فرضٍ فُعِل في غيره، وكذا النَّفل (قَالُوا): يا رسول الله (وَلَا الْجِهَادُ) أفضل منه؟ [10] وزاد أبو ذَرٍّ: ((في سبيل الله)) (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (وَلَا الْجِهَادُ) في سبيل الله، ثمَّ استثنى جهادًا واحدًا وهو أفضل الجهاد، فقال: (إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ) أي: إلَّا عملُ رجلٍ، فهو مرفوعٌ على البدل، والاستثناء متَّصلٌ، وقِيلَ: منقطعٌ، أي: لكن رجلٌ خرج يخاطر بنفسه، فهو أفضل من غيره أو مساوٍ له، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه إنَّما يستقيم على اللُّغة التَّميميَّة، وإلَّا فالمنقطع عند غيرهم واجبُ النَّصب، ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: ((إلَّا من خرج)) حال كونه (يُخَاطِرُ) من المخاطرة وهي ارتكاب ما فيه خطرٌ (بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ) من ماله وإن رجع هو، أو لم يرجع هو ولا ماله بأن ذهب ماله واستُشهِد، كذا قرَّره ابن بطَّالٍ، وتعقَّبه الزَّين بن المُنَيِّر بأنَّ قوله: «فلم يرجع بشيءٍ» يستلزم أنَّه يرجع [11] بنفسه، ولا بدَّ، وأُجيب بأنَّ قوله: «فلم يرجع بشيءٍ» نكرةٌ في سياق النَّفي، فتعمُّ ما ذكره، وعند أبي عَوانة من طريق إبراهيم بن حُمَيْدٍ عن شعبة: «إلَّا من عقر جواده وأُهرِيق دمُه»، وعنده من [12] رواية القاسم بن أبي [13] أيُّوب: «إلَّا من لا يرجع بنفسه وماله [14]».
وفي هذا الحديث: أنَّ العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره، ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره، ورواته كوفيُّون إلَّا شيخه فبصريٌّ، والثَّاني بسطاميٌّ، وفيه: التَّحديث والعنعنة، وأخرجه أبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الصِّيام» [15]، وقال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ.
ج2ص217


[1] «قال»: ليس في (د).
[2] زيد في غير (د): «العشر»، ولعلَّ حذفها هو.
[3] «أيَّام العشرعلى»: سقط من (د).
[4] في هامش (ص): (قوله: ووجَّهه صاحب «بهجة النُّفوس»: هو العارف ابن أبي جمرة؛ بالجيم والرَّاء). انتهى.
[5] في (د): «أيَّام».
[6] في (ص) و(م): «غيره».
[7] في (د): «التَّشريق»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[8] زيد في (د): «من السَّنة».
[9] في (د): «وهو».
[10] في غير (ب) و(س): «منها».
[11] في (م): «رجع».
[12] في (ص): «في».
[13] «أبي»: سقط من النُّسخ.
[14] في غير (د): «ولا ماله».
[15] في (د): «القيام»، وهو تحريفٌ.