إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك

955- وبه قال: (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ) ابن أبي شيبة، إبراهيم بن عثمان [1] العبسيُّ الكوفيُّ، أخو أبي بكر ابن أبي شيبة (قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) بفتح الجيم، ابن عبد الحميد [2] الضَّبِّيُّ الرَّازيُّ (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر الكوفيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) بفتح الشِّين المعجمة، عامر بن شراحيل (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ) رضي الله عنهما (قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يَوْمَ) عيد (الأَضْحَى بَعْدَ الصَّلَاةِ) أي: صلاة العيد (فَقَالَ: مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَنَسَكَ) بفتح النُّون والسِّين (نُسُكَنَا) بضمِّ النُّون والسِّين ونصب الكاف، أي: ضحَّى مثل ضحيَّتنا (فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ) أي: النُّسك (قَبْلَ الصَّلَاةِ) استُشكِل اتِّحاد الشَّرط والجزاء، وأُجيب بأنَّ المرادَ لازمُه، فهو كقوله: «فهجرته إلى ما هاجر إليه» [خ¦1] أي: غير صحيحةٍ، أو غير مقبولةٍ، فالمراد به [3] التَّحقير [4]، والمراد به هنا: عدم الاعتداد بما قبل الصَّلاة إذ هو المُقرَّر في النُّفوس، وحينئذٍ فيكون قوله: (وَلَا نُسُكَ لَهُ) كالتَّوضيح والبيان له، وقال في «الفتح»: فإنَّه قبل الصَّلاة لا يجزئ، ولا نسك له، قال: وفي رواية النَّسفيِّ [5]: ((فإنَّه قبل الصَّلاة لا نسك له)) [6] بحذف الواو، وهو أوجه.
(فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة وإسكان الرَّاء، هانىء؛ بالنُّون والهمزة (ابْنُ نِيَارٍ) بكسر النُّون وتخفيف المُثنَّاة التَّحتيَّة وبعد الألف راءٌ، البلويُّ المدنيُّ (خَالُ الْبَرَاءِ) بن عازبٍ: (يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ) بفتح الهمزة (وَشُرْبٍ) بضمِّ المُعجَمة، وجوَّز الزَّركشيُّ في «تعليق العمدة» فتحها كما قِيلَ به في: «أيَّامُ مِنًى أيَّامُ أكلٍ وشربٍ»، وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه ليس محلَّ قياسٍ، وإنَّما المعتمد فيه الرِّواية (وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ شاة تُذْبَحُ [7] فِي بَيْتِي) بنصب «أوَّلَ» خبرًا لـ «تكون»، وبالرَّفع اسمُها، فتكون «شاتي» خبَرها مُقدَّمًا، وفي روايةٍ: ((أوَّل ما يُذبَح)) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((أوَّلَ تُذبَح)) [8]؛ بدون الإضافة، بفتح «أوَّلَ» لأنَّه مضافٌ إلى الجملة فيكون مبنيًّا على الفتح، أو منصوبًا خبرًا لـ «تكون»، كذا قال الكرمانيُّ [9] وفيه نظرٌ ظاهرٌ [10]، ويجوز الضَّمُّ كـ «قبل» وغيره من الظُّروف المقطوعة عن الإضافة (فَذَبَحْتُ شَاتِي وَتَغَدَّيْتُ) بالغين المعجمة، من الغداء (قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلَاةَ، قَالَ) عليه الصلاة والسلام له: (شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ) أي: فليست أضحيَّةً ولا ثواب فيها، بل هي على [11] عادة الذَّبح للأكل المُجرَد من [12] القربة، فاستُفِيد من إضافتها إلى اللَّحم نفيُ الإجزاء.
(قَالَ) أي [13]: أبو بردة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: ((فقال)): (يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ عِنْدَنَا عَنَاقًا) بفتح العين (لَنَا جَذَعَةً) صفتان لـ «عناقًا» المنصوب بـ «إنَّ» الَّذي هو أنثى ولد المعز (هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ) لِسَمْنِها، وطيب لحمها، وكثرة قيمتها (مِنْ
ج2ص208
شَاتَيْنِ) وسقط «هي» للأربعة (أَفَتَجْزِي) بفتح الهمزة للاستفهام والمُثنَّاة الفوقيَّة وسكون الجيم من غير همزٍ كقوله: {لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ} [لقمان: 33] أي: أتكفي أو تقضي (عَنِّي؟) وقول البرماويِّ وغيره: _وجوَّز بعضهم: تجزئ؛ بالضَّمِّ من الرُّباعيِّ المهموز، وبه قال الزَّركشيُّ في «تعليق العمدة» معتمدًا على نقل الجوهريِّ أنَّ بني تميمٍ تقول: أجزأت عنك شاةٌ؛ بالهمزة_ مُتعقَّبٌ بأنَّ الاعتماد إنَّما يكون على الرِّواية، لا على مُجرَّد نقل الجوهريِّ عن التَّميميِّين جوازه.
(قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (نَعَمْ) أي: تجزئ عنك (وَلَنْ تَجْزِيَ) جذعةٌ (عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ) أي: غيرك؛ لأنَّه لا بدَّ في تضحية المعز من الثَّنيِّ، فهو ممَّا اختُصَّ به أبو بردة كما اختُصَّ خزيمة بقيام شهادته مقام شاهدين.
ورواة هذا الحديث كلُّهم كوفيُّون، وجريرٌ أصله من الكوفة، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول.
ج2ص209


[1] «ابن عثمان»: ليس في (م).
[2] في (د): «الحميديُّ»، وهو تحريفٌ.
[3] زيد في (ب) و(س): «هناك».
[4] «فالمراد به التَّحقير»: سقط من (د).
[5] في (م): «البيهقيِّ»، وفي «الفتح» (2/250): «النَّسائيِّ».
[6] في (ص): «فيه).
[7] «تُذبَح»: ليس في (د).
[8] في (م): «مذبح»، وهو تحريفٌ.
[9] في (د): «البرماويُّ»، وكلاهما صحيحٌ.
[10] قوله: «كذا قال الكرمانيُّ وفيه نظرٌ ظاهرٌ» ليس في (ص) و(م).
[11] «على»: ليس في (د).
[12] في (د): «عن».
[13] «أي»: ليس في (د).