إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كان النبي إذا كان يوم عيد خالف الطريق

986- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) غير منسوبٍ، ولابن عساكر ((هو ابن سَلَامٍ)) كما في هامش فرع «اليونينيَّة»، وفي رواية أبي عليِّ بن السَّكن فيما ذكره في «الفتح»: ((حدَّثنا محمَّد بن سَلَامٍ)) وكذا للحفصيِّ، وجزم به الكلاباذيُّ وغيره، ولأبي عليِّ بن شَبُّويَه: أنَّه محمَّد بن مقاتلٍ، قال الحافظ ابن حجرٍ: والأوَّل هو المُعتَمَد.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((حدَّثنا)) (أَبُو تُمَيْلَةَ) بضمِّ المُثنَّاة الفوقيَّة وسكون التَّحتيَّة بينهما ميمٌ مفتوحةٌ مُصغَّرًا (يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ) الأنصاريُّ المروزيُّ، قِيلَ: إنَّه ضعيفٌ لذكر المؤلِّف له في الضُّعفاء، وتفرَّد به شيخه، وهو مُضعَّفٌ عند ابن معينٍ والنَّسائيِّ وأبي داود، ووثَّقه آخرون، فحديثه من قبيل الحسن، لكن له شواهد من حديث
ج2ص225
ابن عمر، وسعدٍ القَرَظ، وأبي رافعٍ، وعثمان بن عبيد الله التَّيميِّ [1]، فصار من القسم الثَّاني من قِسْمَي الصَّحيح، قاله شيخ الصَّنعة ابنُ حجرٍ.
(عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ) بضمِّ أوَّلهما وفتح ثانيهما (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ) بن المُعلَّى الأنصاريِّ المدنيِّ، قاضيها (عَنْ جَابِرٍ) ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر: ((عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما)) (قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ) بالرَّفع فاعل «كان»، وهي تامَّةٌ تكتفي بمرفوعها، أي: إذا وقع يوم عيدٍ، وجواب «إذا» قوله: (خَالَفَ الطَّرِيقَ) رجع في [2] غير طريق الذَّهاب إلى المُصلَّى، قد اختُلِف في ذلك على أقوالٍ كثيرةٍ، وأشار صاحب «الهدي» إلى أنَّه فعل ذلك لجميع ما ذُكِر من الأشياء المحتملة القريبة، والله أعلم [3].
قال في «المجموع»: وأصحُّ الأقوال في حكمته أنَّه كان يذهب في أطولهما تكثيرًا للأجر، ويرجع في أقصرهما لأنَّ الذَّهاب أفضل من الرُّجوع، وأمَّا قول إمام الحرمين وغيره: إنَّ الرُّجوع ليس بقربةٍ فعُورِض بأنَّ أجر الخُطَا يُكتَب في الرُّجوع أيضًا كما ثبت في حديث أُبيِّ ابن كعبٍ عند التِّرمذيِّ وغيره، وقِيلَ: خالف ليشهد له الطَّريقان، أو أهلهما من الجنِّ والإنس، أو ليتبرَّك به أهلهما، أو ليُستفتَى فيهما، أو ليتصدَّق على فقرائهما، أو ليزور قبور أقاربه فيهما، أو ليصل رَحِمَه، أو للتَّفاؤل بتغيُّر الحال إلى المغفرة والرِّضا، أو لإظهار شعار الإسلام فيهما، أو ليغيظ المنافقين أو اليهود، أو ليرهبهم بكثرة من معه، أو حذرًا من إصابة العين، فهو في معنى قول يعقوب لبنيه عليهم الصَّلاة والسَّلام: {لَا تَدْخُلُوا مِن بَابٍ وَاحِدٍ} [يوسف: 67]، ثمَّ من شاركه صلى الله عليه وسلم في المعنى نُدِب له ذلك، وكذا من لم يشاركه في الأظهر تأسيًا به عليه الصلاة والسلام كالرَّمل والاضطباع، سواءٌ فيه الإمام والقوم، واستحبَّ في «الأمِّ» أن يقف الإمام في طريق رجوعه إلى القبلة ويدعو، ورُوِي فيه حديثًا. انتهى.
ورواة الحديث الثَّاني مروزيٌّ، والثَّالث والرَّابع مدنيَّان، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة والقول.
(تَابَعَهُ) أي: تابع أبا تُمَيْلَةَ المذكور (يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ) البغداديُّ المؤدِّب، فيما وصله الإسماعيليُّ من طريق ابن أبي شيبة (عَنْ فُلَيْحٍ) ولأبي ذَرٍّ: ((عن سعيدٍ)) (عن أبي هريرة).
(وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ) كذا عند جمهور رواة البخاريِّ من طريق الفرَبْريِّ، واستُشكِل بأنَّ المتابعة لا [4] تقتضي المساواة، فكيف تقتضي الأصحيَّة؟ وأُجيب بأنَّه سقط في رواية إبراهيم بن معقلٍ النَّسفيِّ عن البخاريِّ فيما ذكره [5] الجيَّانيُّ قوله «وحديث جابرٍ أصحُّ» وبأنَّ أبا نُعيمٍ في «مستخرجه» قال: أخرجه البخاريُّ عن أبي تُمَيْلَة [6]، وقال: تابعه يونس بن محمَّدٍ عن فُلَيْحٍ.
وقال محمَّد بن الصَّلت: عن فُلَيْحٍ عن سعيدٍ عن أبي هريرة: وحديث جابرٍ أصحُّ، وبذلك جزم أبو مسعودٍ في «الأطراف»، فيكون حديث أبي هريرة صحيحًا، وحديث جابرٍ أصحَّ منه، ولذلك [7] قال التِّرمذيُّ بعد أن ساق حديث أبي هريرة: حديثٌ غريبٌ، وحينئذٍ فيكون سقط من رواية الفرَبْريِّ قوله «وقال محمَّد بن الصَّلت: عن فُلَيْحٍ» فقط. وهذا على رواية ابن السَّكن، وأمَّا على رواية الباقين فسقط إسناد محمَّد بن الصَّلت كلُّه، والحاصل_ كما قاله الكرمانيِّ_: أنَّ الصَّواب؛ إمَّا طريقة النَّسفيِّ الَّتي بالإسقاط، وإمَّا طريقة أبي نُعيمٍ وأبي مسعودٍ بزيادة حديث ابن الصَّلت الموصولة عند الدَّارميِّ، لا طريقة الفرَبْريِّ.
ج2ص226


[1] في غير (س): «التَّيميّ»، وهو تحريفٌ.
[2] في (ص): «من».
[3] قوله: «قد اختُلِف في ذلك على أقوالٍ كثيرةٍ... ما ذُكِر من الأشياء المحتملة القريبة، والله أعلم» سقط من (س).
[4] «لا»: ليس في (ص) و(م).
[5] في (ب) و(س): «أخرجه».
[6] في غير (س): «نميلة»، وهو تحريفٌ.
[7] في (ص): «لذا».